تثبيت الاستقرار في أوكرانيا…بقلم:خافيير سولانا

shello
shello 2014/03/30
Updated 2014/03/30 at 10:21 صباحًا

ukraine2-700x465

 

‹›

مدريد- حتى ميخائيل غورباتشوف، الذي أشرف على تفكيك الاتحاد السوفييتي من دون أي قدر يُذكَر من العنف، أعلن دعمه لضم الرئيس الروسي فلاديمير بوتن لشبه جزيرة القرم. وهو يقول إن شعب القرم صحح خطأً تاريخياً ارتكبه السوفييت.
الواقع أن مشاعر غورباتشوف هذه شائعة على نطاق واسع في روسيا. فبعد تفكك الاتحاد السوفييتي في العام 1991، تحولت روسيا من قوة عظمى إلى قوة راكدة. وقد انضمت ثلاث جمهوريات سوفييتية سابقة إلى الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، الأمر الذي يؤكد رغبتها ليس فقط في الديمقراطية بل وأيضاً في تجنب كونها جزءاً من روسيا إلى الأبد. وبضم شبه جزيرة القرم، يبدو بوتن، الذي يحظى بدعم واسع -حتى الآن- من قِبَل الرأي العام المحلي، وكأنه يسعى إلى إنهاء حالة الإحباط التي دامت طيلة العقدين الماضيين بعد انهيار الإمبراطورية.
ولكن، منذ العام 1991، اعترفت روسيا صراحة بسلامة أراضي أوكرانيا في أكثر من مناسبة. وكان ذلك الاعتراف جزءاً من اتفاق يالطا في العام 1992، والذي تم بموجبه تقسيم أسطول البحر الأسود، وعقد إيجار العام 1997 الذي سمح للأسطول بالبقاء في سيفاستوبول. كما اعترف اتفاق نزع السلاح النووي في العام 1994، الذي وقعت عليه المملكة المتحدة وروسيا والولايات المتحدة، بسلامة أراضي أوكرانيا، ثم مرة أخرى في نيسان (أبريل) 2011، عندما مَدَّد الرئيس فيكتور يانوكوفيتش عقد إيجار سيفاستوبول.
وقد حَظَر الدستور الأوكراني الاستفتاء على الاستقلال الذي أجري في شبه جزيرة القرم في وجود القوات الروسية. وعلى هذا، فلأن التصويت لصالح ترك أوكرانيا والانضمام إلى الاتحاد الروسي غير قانوني بكل المقاييس، فإن المجتمع الدولي، كما أعلن الاتحاد الأوروبي، من غير الممكن أن يقبل نتائجه.
كانت العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وأوكرانيا معقدة دوما. فكانت اتفاقية الشراكة التي رفضها يانوكوفيتش في تشرين الثاني (نوفمبر)، وهو القرار الذي حرض الاحتجاجات الشعبية التي أسقطت حكومته – قيد التفاوض منذ العام 2007. وقد تم تأجيل توقيع هذه الاتفاقية التي كانت في الأساس معاهدة تجارة حرة تضم عناصر سياسية إضافية بسبب سجن رئيسة الوزراء السابقة يوليا تيموشينكو. وفي نهاية المطاف، وافق يانوكوفيتش على عرض روسيا المقابل: خفض أسعار إمدادات الغاز الروسي بنسبة 30 %، فضلاً عن 15 مليار دولار لتجنب العجز عن سداد الديون.
الواقع أن روسيا تحتاج إلى أوكرانيا إذا كان لها أن تبني ما يسمى الاتحاد الأوراسي، التكتل الاقتصادي الذي يسعى بوتن إلى إقامته مع كازاخستان وبيلاروسيا. وخلافاً للأطراف المشاركة في أي اتفاقية تجارة حرة فإن أعضاء الاتحاد الجمركي كذلك الذي يسعى بوتن إلى إقامته يحدد معالم السياسة التجارية في ما يتعلق بالدول الثالثة من خلال تحديد تعريفات خارجية مشتركة. وبالتالي فإن إدراج أوكرانيا لن يكون متوافقاً مع اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي.
ولكن هناك بالرغم من ذلك اتفاقية تجارة حرة بين روسيا وأوكرانيا بالفعل، عبر اتفاقية التجارة الحرة لكومنولث الدول المستقلة الموقعة في تشرين الأول (أكتوبر) 2011، والتي تتوافق مع اتفاقية الشراكة التي يقترحها الاتحاد الأوروبي -على نفس النحو الذي تحافظ به المكسيك على معاهدات التجارة الحرة مع الاتحاد الأوروبي، وأيضاً مع الولايات المتحدة وكندا. وبالتالي فإن أوكرانيا كان بوسعها أن تحافظ على علاقات طبيعية مع جيرانها ومع الاتحاد الأوروبي ومع روسيا.
ولكن روسيا تحتاج إلى أوكرانيا لأسباب قومية فضلاً عن أسباب اقتصادية. ذلك أن القومية الروسية كانت تنظر دوماً إلى أوكرانيا بوصفها امتداداً لروسيا ذاتها، بحكم كونها موطناً لأماكن من بين الأكثر إعزازاً من قِبَل الهوية الروسية. فقد أطلق بوتن على كييف وصف “أم كل المدن الروسية”. وسيفاستوبول بدورها مدينة ذات تاريخ بطولي مزدوج: أثناء حصارها في حرب القرم في القرن التاسع عشر وأثناء الحرب العالمية الثانية.
ولكن فهم إحباطات روسيا ومشاعرها لا يبرر الغزو والضم. ولم تهدد اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي أياً من مصالح روسيا، سواء الاقتصادية أو الثقافية. ومن غير الممكن أن تقوم العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وروسيا على ألعاب محصلتها صفر أو مناطق النفوذ. ولابد من إيجاد الحلول التي تمكن كل الأطراف من الفوز.
وعلاوة على ذلك، من المرجح أن يؤدي ضم روسيا لشبه جزيرة القرم إلى الإضرار بمصالحها الأساسية: علاقاتها السياسية بأوكرانيا، والتي تريد إبقائها بعيداً عن أوروبا. ومن هنا فإن الأولوية الأكثر أهمية بالنسبة لأوروبا الآن تتلخص في المساعدة في ضمان الاستقرار والازدهار في بقية أوكرانيا.
وتتمثل القضية الأولى والأكثر إلحاحاً في تثبيت استقرار الحكومة في كييف. وسوف تكون الانتخابات الرئاسية في أوكرانيا في الخامس والعشرين من أيار (مايو) لحظة حاسمة. فلابد أن يكون التصويت حراً ونزيهاً وفقاً للمعايير الديمقراطية. ومن الضروري أن تحترم الدولة الحقوق اللغوية والثقافية للأقليات الوطنية وأن تعمل على تشجيع الاندماج الاجتماعي. ولابد أن تكون المساعدات الأوروبية مشروطة بأداء أوكرانيا في هذا المجال.
وثانيا، لابد من نشر بعثة منظمة الأمن والتعاون في أوروبا في منطقة شرق أوكرانيا الناطقة بالروسية بشكل خاص لأن خطر الصراع هناك أعظم، وذلك لضمان الاستقرار والأمن واحترام الأقليات وإدانة انتهاك الالتزامات المحددة إذا اقتضت الضرورة.
وتتلخص القضية الثالثة -وربما الأكثر أهمية- في الحاجة الملحة إلى المساعدات الاقتصادية. وقد أعد الاتحاد الأوروبي حزمة مساعدات بقيمة 11 مليار يورو (15 مليار دولار أميركي)، وإن كانت هذه الحزمة خاضعة للقواعد والشروط التي يحددها صندوق النقد الدولي، الذي يسهم بجزء في المجموع. وبالرغم من أن اقتصاد أوكرانيا في حالة انهيار، فإن الحكومة تحافظ على إنفاقها المفرط على إعانات الدعم التي تتعارض مع مساعدات صندوق النقد الدولي. ففي الوقت الحاضر على سبيل المثال، تنفق الحكومة نحو 16 % من ميزانيتها على دعم أسعار الطاقة لكل مواطن.
لن تبخل روسيا بالإنفاق بعد ضم شبه جزيرة القرم، وسوف يستفيد أهل القرم من المساعدات والقدرة على الحصول على الطاقة الرخيصة. وبالرغم من أن صناعة السياحة من المرجح أن تكون راكدة للغاية لبعض الوقت، فإن الإعانات الروسية قد تجعل أهل القرم في حال أفضل نسبيا، وخاصة من منظور ذوي قرباهم العرقيين في شرق أوكرانيا. ولا بد أن تأخذ مساعدات الغرب والاتحاد الأوروبي هذه الحقيقة في الاعتبار.
إن مشكلة القرم لن تُحَل بسرعة. وبالرغم من أن بوتن أعلن في خطاب الضم أن شبه جزيرة القرم هي “جزء مستقل” من روسيا، فإن سلوكه سوف ينقلب عليه. سوف يعاني هو وروسيا من العزلة الدولية، في حين من المرجح أن يصبح أهل أوكرانيا أكثر إصراراً على اختيار طريقهم بأنفسهم.

* فيزيائي التخصص وأستاذ جامعي قبل أن يكون وزيرا في الحكومات الإسبانية لمدة 13 سنة، وكان الأمين العام لحلف شمال الأطلسي قبل أن يصبح الممثل السامي للسياسة والأمن الأوروبي بين 1999 – 2009.

الغد الأردنية

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً