تجليات الإعلام الطائفي … بقلم: د. خالد الحروب

shello
shello 2014/05/05
Updated 2014/05/05 at 10:23 صباحًا

thumb

لا يمكن إطلاق أي وصف عام وتعميمي يسم الإعلام الديني كله بالتطرف والطائفية، ووجب ترسيم هذا المدخل الأساسي لهذه المقاربة منذ البداية. فالتركيز في الأسطر الآتية يختص بالجانب المتطرف والطائفي من ذلك الاعلام تحديدا.
الإعلام الديني المتطرف، والمتلفز منه على وجه الخصوص، هو ظاهرة عالمية ينظر إليها في سياق عولمة الاتصالات في العقود الأخيرة.
أما العواقب الناجمة عن هذا الإعلام فهي متنوعة وتعتمد على السياق السياسي والاجتماعي الخاص والأجندة التحريرية لكل حالة إعلامية وعلى منسوب التوتر لدى اللاعبين الرئيسيين في السياق المعني.
وعمليا كان الإعلام الديني في الغرب وتحديدا في الولايات المتحدة الأميركية هو أول من ابتدع استخدام شاشات التلفزة لنشر الدعوات الدينية على مستوى جماهيري.
وبينما تتشارك وسائل الإعلام الدينية بعض الملامح والصفات المشتركة بصرف النظر عن موقعها الجغرافي أو ما تروج له من دين، فإن بعضها يشكل حالات خاصة منفردة، سنركز هنا على الإعلام الديني في الشرق الأوسط وخاصة السني والشيعي منه.
الملمح المشترك لوسائل الإعلام الدينية، وخاصة المتشددة منها، يتمثل في إحياء المعارك العقدية الدينية النائمة وبثها في الوجدان الشعبي.
ففي الشرق الأوسط وفي سياق التنافس الإقليمي الجاري والذي يأخذ أبعادا طائفية، تقوم وسائل الإعلام في المعسكرين على بث وترويج مساجلات إزاء نزاعات وخلافات دينية عقدية كانت تتسم على الدوام بالنخبوية وبكونها محصورة في فئة رجال الدين والمتكلمين، وهي معارك كانت بعيدة عن اهتمام الناس العاديين، وانقضت وعفى عليها الزمن .
وكما هو شأن هذه الامور في كل الاديان بلا استثناء ثمة اختلافات عميقة بين المدارس العقدية والمذاهب المختلفة في الإسلام ولكنها ظلت مقصورة على الدوائر المتخصصة من فقهاء وعلماء بالدين.
وعلى ذات المنوال، تعود الخلافات بين الشيعة والسنة إلى القرن الأول الهجري، لكن بمرور الزمن تشابكت خيوط الاختلاف في تأويل النص المقدس مع خيوط الصراع السياسي لتتحول المواقف السياسية المتعارضة على مر القرون الى ارثوذكسيات دينية ومعتقدات متشددة.
وعبر التاريخ الإسلامي، كان التحول الجماعي الى المذهب الشيعي او السني غالبا ما يجري قسرا أو قريبا من القسر على يد الملوك والحكام بعد تبني السلطة مذهبا معينا وليس لقناعة المتحولين الى هذا المذهب او ذاك. وإذ لم يكن للمحكومين من حيلة سوى الانصياع للسلطة فقد كانوا غالبا ما يتبعون حكامهم المنتصرين دون شعور بتبكيت الضمير.
أما امر الاشتغال بالاختلافات والتبريرات الدينية الجوهرية، والتسويغ الديني لما هو جوهريا سياسي، فقد ظل عملا مقصورا في الغالب على العلماء والفقهاء خاصة من تحالف منهم مع الحكام.
في المقابل، وعلى مستوى الناس العاديين حيث توجد جماعات مختلطة من السنة والشيعة سادت درجات مختلفة من التعايش وتجلت عبر التعايش الاجتماعي المكثف في كل المجالات وعلى رأسها الزيجات المختلطة.
وظل هذا الأمر ساريا ليصبح شكلا عاما للعلاقات الاجتماعية داخل الجماعات المختلطة (في العراق، وبلدان الخليج، ولبنان) وإلى عقود قريبة وتحديدا حتى سبعينيات القرن الماضي.
لكن تحولا مفاجئا حصل في الوقت الراهن بظهور الإعلام العابر للحدود واستخدامه سلاحا في ساحة الخصومات الإقليمية، ابتدأ بالحركية الاسلاموية الشيعية وتبعته الحركية الاسلاموية السنية (السلفية تحديدا).
فمع بروز وانتصار الثورة الاسلامية في ايران، لم يتردد آية الله الخميني في تبني سياستين اخافتا دول الجوار العربي وخاصة الخليجية إلى درجة كبيرة: الاولى هي إعلانه بأنه يتحدث باسم كل المسلمين (شيعتهم وسنتهم)، والثانية إعلانه سياسة تصدير الثورة الاسلامية – وضمنا إلى دول الجوار كمرحلة اولى.
تمثلت ردة الفعل الخليجية وتحديدا السعودية في السعي الفوري إلى إحباط هذا الزعم باستثارة خطاب ديني سني مناهض للأيديولوجيا الشيعية التي كان لها وهج ثوري جذاب حتى في اوساط المجتمعات السنية المحبطة من قياداتها، والتي كانت تتوق إلى اي طرف يقف في وجه اسرائيل (كما فعلت ايران الخمينية بإغلاق السفارة الاسرائيلية، ثم تبني خطاب معادٍ لإسرائيل).
وهكذا صار الناس يكتشفون وعبر القنوات الدينية التي تضخ مواد ضحلة وتحريضية ضد الشيعة أو السنة، بحسب القناة، بأن كثيرا من جيرانهم هم في الواقع من “الطائفة الأخرى” التي يُشك في اسلامها.
فالشيعة في نظر صناع الخطاب السلفي المتعصب اسلامهم غير مكتمل، والسنة في نظر صناع الخطاب الشيعي المتعصب اسلامهم غير مكتمل ايضا.
الاولون انحرفوا عن الدين وزورا القرآن، والآخرون اغتصبوا تركة النبي وبطشوا بأقرب المقربين له وبابنته.
وفي ضوء حروب اعلامية وخطابية طاحنة تعلي من شأن الذات الجمعية من ناحية وتعتبرها صاحبة “الحق” المطلق، وتدعو الى استئصال الطرف الآخر باعتباره (اي الطائفة كلها) ضالة ومضلة، اعيد انتاج الصراعات السياسية الراهنة من مناظير طائفية تاريخية.
وانتعشت المظلوميات التاريخية والادعاءات التي لا يمكن إثباتها على شاشات التلفزة وفي الخطاب السياسي، وتحول الجهد إلى كيفية ربط ما يحدث يوميا بالسرديات التاريخية الكبرى، بحثا عن تسويغ الفعل السياسي وعن الشعبية والشعبوية.
ولعل من الأمثلة الصارخة الحديثة على التصريحات السياسية ذات الصبغة الطائفية الواضحة ذاك الذي صدر مؤخرا عن رئيس الوزراء العراقي نور الدين المالكي، في معرض ربطه لـ “معاركه” بالتاريخ الشيعي والكربلائي. فقد وصف المالكي خلال زيارته لمدينة كربلاء في ٢٥ كانون الأول ٢٠١٣ القتال الجاري بين الجيش العراقي والمجموعات السنية المسلحة على انه استمرار للمواجهة القديمة في القرن السابع الميلادي بين الحسين ويزيد.
كما وصف كربلاء بكونها “قبلة” كل المسلمين، على ما في هذا التعبير من استفزاز شديد لكل السنة الذين يرون أن مكة وحدها هي قبلة المسلمين، وان مناكفة ومزاحمة المالكي باستخدام ذلك الوصف لكبرياء لا يُؤكد سوى رغبة ايران في ان تصبح زعيمة العالم الاسلامي برمته.
أسهم الاعلام الديني وما زال في تآكل الارضية الاجتماعية المشتركة في اضعاف فكرة المواطنة وهي فكرة هشة اصلا ولم تمتلك فرصة كافية ابدا لتضرب بجذورها عميقا في اي من دول المنطقة بعد انتهاء الحقبة الكولونيالية.
وحلت الولاءات الدينية والطائفية محل الانتماءات الوطنية وفكرة المواطنة، في ظل ضعف الدولة او قمعها وعدم شعور الافراد بالانتماء لها، بل ساد الاحساس بالخوف والرعب منها، وبذلك انتعشت تلك الولاءات وصارت تبحث عن مرجعيات وسلطات خارج نطاق اوطانها.
ووفر الاعلام العابر للحدود، وخاصة الديني منه، منابر وقنوات للتواصل مع تلك المرجعيات خارج الحدود الوطنية.
ولهذا فإن الشرائح الانتخابية الشيعية او السنية في اي بلد قد تشعر بارتباط أوثق مع الشرائح المشابهة لها في خارج أوطانها.
فالعديد من ابناء المنطقة الشرقية في السعودية مثلا ربما يشعرون بارتباط اكبر مع الشيعة في ايران او حتى مع الدولة الايرانية نفسها اكثر مما يشعرون به من ارتباط مع ابناء بلدهم من السنة السعوديين او الدولة السعودية نفسها.
في المقابل، ومنذ حرب العام ٢٠٠٣ في العراق وما تمخض عنها من هيمنة شيعية على السلطة هناك، ربما تشعر شرائح سنية عريضة من العراقيين بتهميش الدولة لهم وربما من الاغلبية الشيعية العراقية كذلك. وفي هذا السياق، فإن التغطية الاعلامية لمظالم السنة ومظاهر تهميشهم في العراق تخلق لديهم روابط وتوقعات عابرة للحدود وتدفعهم للتطلع نحو مساعدة وتأييد “الاشقاء السنة” في البلدان الاخرى. إن اتساع نطاق التغطية والتأثير للاعلام العابر للحدود يلعب دورا سلبيا في تفكيك الفضاء الوطني واستبداله بفضاء ديني رمادي واهٍ عابر للحدود الوطنية ويجمع بين الجماعات التي تنتمي الى نفس الطائفة ولكنها تستقر في بلدان مختلفة داخل المنطقة، وهذا يعمق من التجزئة ويعقد من تداخل الولاءات الدينية والسياسية عبر الحدود، ويوفر أرضية خصبة لانفجارات مستقبلية.

 

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً