تحليل لمبادئ وتوجهات التخطيط الإسرائيلية في القدس الشرقية في نطاق ترجمة خطة القدس الكبرى

2012/12/25
Updated 2012/12/25 at 11:32 صباحًا

ننشر هنا ملخصا لتحليل أجراه خبراء اسرائيليون لسياسة التخطيط التي تنتهجها السلطات الرسمية الإسرائيلية في كل ما يتعلق بمناحي حياة ومستقبل الفلسطينيين سكان مدينة القدس الشرقية المحتلة، وذلك وفق ما وردت فيما يسمى بـ “خطة القدس الكبرى 2020″، وفي التجليات العملية لترجمة هذه الخطة وتنفيذها على أرض الواقع في السنوات الأخيرة. وقد حصل “المشهد الإسرائيلي” على نسخة خاصة من هذا التحليل، والذي يمكن من خلاله الاستدلال على جوهر الخطة.

خطة خارجة عن التاريخ:مثل “خطة القدس الكبرى” وثيقة توجيهية ذات أهمية تاريخية إلى حد ما، وهي تهدف، كما يبدو، إلى إرساء النظام والعدالة في مدينة لا تزال تُحكم حتى يومنا هذا على أساس خطة خارجة عن التاريخ، وغير ذات صلة، تعود لسنة 1959. “الوحدة” التي تعالج موضوع القدس الشرقية في هذه الخطة تتسم بما يلي: مدى الإجحاف، والتعميمات النمطية، والافتراضات الخاطئة التي توجه وتحكم تفكير “النخبة المهنية” في عملها وتوجهاتها حيال مدينة القدس.

وفي الوقت الذي تبذل فيه الوثيقة جهوداً صادقة لتخطي مصاعب التخطيط والبناء في القدس الشرقية، فإنها تعاني من معضلة “الدائرة المغلقة” التي تخضع فيها لنفس المفاهيم الأساسية التي أدت إلى فوضى التخطيط الحالية؛ لذا لا عجب أن تقترح الوثيقة مجموعة حلول تجميلية، وإعادة تدوير الأفكار الواهية.

إن تلك الحلول غير عملية إطلاقا؛ لأنها تعود للنماذج التي أوصلتنا إلى المعضلة الحالية التي تحاول الوثيقة حلها، ويمكن الافتراض بأن تلك الأفكار التي رسمت حاضر القدس الشرقية تُشكل نهاية لا مخرج منها؛ خاصة وأن الوثيقة لا تقدم أي حل مستقبلي للوضع السائد حالياً.

أين المشكلة؟أين تبدأ مشكلة معالجة موضوع القدس الشرقية؟  إنها تبدأ أولاً في حقيقة أنه لا يوجد بين الخبراء التسعة والثلاثين الذين وضعوا الخطة، واللجنة التوجيهية التي يبلغ عدد أعضائها (31) شخصا، سوى شخص عربي واحد وُضع بعد ممارسة ضغط كبير.

أما المشكلة الثانية فتظهر في تغييب تمثيل المواطنين العرب في القدس الشرقية في الجهاز المسؤول عن التخطيط لحياتهم، وعدم إعارة المخططين أي اهتمام للاستماع لأفكار الأجهزة البديلة التي حصلت على آراء مختلفة من بلدية القدس.

إن هذا النهج الأبوي المتعجرف يمثل جوهر سياسة البلدية في القدس الشرقية، فاليهود يعملون ما يرونه مناسباً للمواطنين العرب معتقدين أنهم أكثر قدرة على إدارة حياتهم.

يبدو جلياً أن فريق التخطيط يفترض في عمله بأنه يتعامل مع مدينة يهودية، وبالتالي لا يرى سبباً للسؤال عن رأي أي شخص غير منتمٍ للشعب اليهودي. إن هذا يعني أن المواطنين العرب في القدس الشرقية ليسوا شركاء في صناعة القرار على المستوى السياسي- ويقال إن السبب في ذلك خطأهم؛ لرفضهم المشاركة في انتخابات البلدية- ولا حتى على المستوى المهني.

لا يمكن قبول هذا النهج الذي يخالف جميع المعايير المهنية في التخطيط المجتمعي والحضري لو كان الجمهور أو الشعب المستهدف يهودياً، ولكن في حال المواطنين العرب، يفرض عليهم هذا النموذج دون النظر إلى احتياجاتهم الحقيقية من قِبل المخططين اليهود؛ ولهذا يُلاحظ، بوضوح، غياب مبادئ العمل الأساسية المتعلقة بالمجتمعات، كتعزيز وضع المواطنين وتشجيعهم على الاستقلالية في القدس الشرقية.

وبما أن هذا هو النهج الأساس للمخططين، ستجد أن هذه الوثيقة مليئة بالمقترحات العملية التي تكتنفها عيوب كثيرة، وتفتقر لأساس صحيح.

البناء غير القانوني- أسباب ومسببات:تقول الوحدة المسماة بــ (الوضع القائم) بأن سبب فوضى التخطيط الحالي في القدس الشرقية هو البناء غير القانوني الذي يتنامى بشكل مستمر، والذي تحكمه عوامل سياسية واقتصادية. وبعبارة أخرى، فإن السلطة الفلسطينية، وحماس، ومجرمين ورجال أعمال يسعون لتحقيق الربح دون ضمير، يقفون وراء أعمال البناء غير القانوني ويدعمونها. ويجري الحديث في هذا السياق وكأنه لا توجد احتياجات مشروعة للمواطنين العرب في القدس الشرقية، ولا توجد أزمة حقيقية، ولا عائلات عادية تحتاج لسقف يأويها، وبالتالي تجبر على البناء دون ترخيص؛ خاصة وأنها تحاول في كل مرة الحصول على الترخيص اللازم لكنها تصطدم بجدار البيروقراطية غير القابل للنقاش، فيما يُقدم الساسة ورجال الأعمال في القدس الشرقية على أن هدفهم من البناء تقويض الحكم الإسرائيلي، وكسب المال بسهولة.

إنها نظرية المؤامرة التي ترى أن كل بيت يبنى دون ترخيص يُشكل مدماكاً جديداً في الصراع حول القدس، وسواء رغبت في ذلك أم لم ترغب، فإن كل غرفة، وشرفة، وشجرة جديدة تُضاف، تصبح جزءاً من “المؤامرة الكبرى”، وإضافة إلى ما سبق فإن المال القادم من السلطة الفلسطينية، أو المملكة السعودية، أو “حماس” لدعم بناء منزل أو وضع سقف جديد، يُعتبر “قنبلة إرهابية”، وينظر إلى كل مالك منزل على أنه “مخرب” يروج لحرب استنزاف ضد الحكم الإسرائيلي.

يثير هذا النهج السطحي الدهشة في ضوء النقد الذي تعرض له في الوثيقة نفسها، والتي تركز على الوضع القانوني السائد في القدس الشرقية، ولكن بخجل؛ فهي توضح أن المواطن العربي الذي يتقدم للحصول على رخصة بناء يواجه مصاعب كثيرة لغياب بنية تحتية هندسية مناسبة، ومشاكل تسجيل الأراضي، ومعضلة توحيد وتقسيم الأراضي، وغياب موازنات معقولة، إضافةً إلى غياب سياسات تخطيط لدى سلطات التخطيط ذاتها، لكن المخططين لا يعيرون تلك النقاط أية أهمية لتقديم تبريرٍ كافٍ للبناء غير القانوني.

ورغم المصاعب الواردة في الوثيقة، فإن فريق التخطيط لا يزال يفكر بأن المشكلة المركزية تكمن في عدم “احترام المواطنين لقانون التخطيط والبناء من جهة، وضعف آليات إنفاذ القانون من الجهة الأخرى”.

تقييد النمو الطبيعي للعرب  هدفه تهجيرهم:يبدو أن معدي الوثيقة مقتنعون بأن العرب عبارة عن “مجموعة غوغائية” غير مستعدة لاحترام القانون، وأنهم معروفون “بعدم احترامهم للقانون منذ الولادة”. ويجب أن ننوه، هنا، إلى عدم نظر المسؤولين عن وضع هذه الوثيقة إلى الظروف التي تجبر العرب على البناء دون ترخيص، وقيل في الوقت ذاته بأن السلطات فشلت في مهمتها لعدم إنفاذها القانون باستخدام مزيد من القوة، أو بعبارة أخرى، أنها لم تهدم مزيداً من البيوت، ولم تفرض عقوبات إضافية على الأشخاص الذين لم يلتزموا بتعليماتها، وهذا ينسجم مع الافتراض السائد بأن العرب “لا يفهمون إلا لغة القوة، وما لا يتحقق معهم بالقوة يمكن أن يتحقق بمزيد من القوة”.

يبرز العيب الرئيس في الوثيقة في الوحدة التي تعالج أهداف خطة القدس الكبرى الجديدة، والتي بقيت تسعى للحفاظ على أغلبية يهودية واضحة في المدينة (70% يهود، 30% عرب). يدرك فريق التخطيط أن تحقيق هذا الهدف غير ممكن وأن التوجهات الديمغرافية الحالية ستتحدد خلال سنوات بنسبة 60% يهود، و40% عرب.

رغم ذلك، تسعى الخطة إلى الحفاظ على أغلبية يهودية من خلال مجموعة خطط مصممة لجذب اليهود إلى المدينة ومنع هجرتهم السلبية منها. وتحوي الوثيقة أيضاً مجموعة مقترحات بخصوص التحسينات المطلوبة لتشجيع اليهود على البقاء في المدينة.

تجدر الإشارة هنا إلى أن الوثيقة لا تشير بتاتاً إلى أي مقترح للتخلص من العرب للحفاظ على التوازن الديمغرافي في المدينة، ولكن من يقرأ بين السطور، يفهم الرسالة المبطنة، خاصة في العبارة التي تشير إلى “الصورة المستقبلية للمدينة كما أرادها الآباء” والتي تبطن النية في تقييد النمو الطبيعي للمواطنين العرب في القدس الشرقية.

يؤمن فريق التخطيط، من خلال خبرته التاريخية، بأنه لا يمكن تحقيق هذا الهدف بقتل الأبناء البِكر، لكن تفترض الخطة إمكانية ذلك بتقييد المساحة التي يمكن للعرب العيش فيها حيث سيضطرون نتيجة لضيق الفضاء المتاح لهم إلى مغادرة المدينة باتجاه أماكن يمكنهم البناء فيها دون قيود.

إن ذلك يجسد فرضية المحاولات السابقة لوزارة الداخلية الإسرائيلية التي تركز هدفها على حرمان المواطنين العرب من حقهم في الإقامة، ومصادرة بطاقات الهوية الزرقاء من المواطنين الذين لا يستطيعون الإثبات بأن القدس هي مركز حياتهم (تعمدت السلطات جعل إمكانية الحصول على الوثائق المطلوبة لإثبات ذلك مستحيلة). رغم ذلك، ارتدت هذه السياسة على صانعيها؛ لأنهم ليسوا على دراية بتقاليد المواطنين العرب، ولو كانوا على علم بهذه التقاليد لأدركوا بأن العرب لا يرحلون عن أرضهم بسهولة؛ فعندما ترفض الدولة منحهم رخصاً للبناء، يبنون بيوتهم، ببساطة، دون ترخيص، ونتيجة ذلك، واجه من كانوا يحاولون حل المشكلة الديمغرافية مشكلتين: الأولى- المشكلة الديمغرافية، والثانية- مشكلة التخطيط الحضري.

إحصاءات خاطئة… وسياسة تمييز: :هناك بند أخر مروع يظهر في الوثيقة ويهدف إلى الحد من النمو الديمغرافي للعرب: المشروع المقترح يهدف إلى منع الفلسطينيين من سكان الأراضي الفلسطينية المحتلة من الدخول إلى القدس. صيغة تبدو وكأنها تخلو من أي أثر للعنصرية، وفي الواقع فهي تمنع حرية التنقل للعرب، التي تعتبر واحدة من القيم المركزية للنظام الديمقراطي، وأيضا حتى أحد الحقوق الأساسية “جمع شمل الأسرة” يتم منعه. ترفض الدولة بالفعل منح حقوق الإقامة في القدس للإنسان المقدسي المتزوج/ة من رجل أو امرأة من الأراضي الفلسطينية المحتلة، ويتم إجبارهم على العيش من دون حقوق في المدينة تحت التهديد بالاعتقال أو الإبعاد. لا يمكن أن يكون هناك شك في أن فريق التخطيط، الذي يتألف من أشخاص أذكياء ممن يقرأون صحيفة “هآرتس”، يدرك تماما أنه يضفي الشرعية على الإنكار الخطير لحقوق الإنسان الأساسية.

علاوة على ذلك، فان الفريق يوفر الغطاء المهني لهذا الإنكار، وواحدة من المظالم الرئيسة الموجودة في المدينة الشرقية أنه يتم منع الرجل المتزوج من امرأة من الأراضي الفلسطينية المحتلة من العيش معها في بيته. الدولة تسمح له “بكرم” الانتقال إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة إذا رغب في العيش معها، ولكن هذا الأمر ينطوي على مخاطر فقدانه حق الإقامة في القدس والحقوق المرافقة له. لا تقلق الدولة بشأن التقاليد العربية التي وفقها تعيش المرأة في بيت زوجها لأن الزوج – من وجهة نظرهم- حينها يقوم بتوقيت القنبلة الديمغرافية حيث ينتفخ بطنها لتهديد التوازن الديمغرافي وتهديد السيادة اليهودية في المدينة المقدسة.

ومع ذلك، مرة أخرى فإن واضعي السياسات لم يقيموا قوة التقاليد بشكل صحيح وفشلوا في تقدير أنها أقوى من أنظمة وزارة الداخلية. هذه العائلات تعيش في المدينة بغض النظر عن سياسة السلطات. من جانبها، وجدت الدولة الإسرائيلية وسيلة نموذجية في مواجهة التهديد الديمغرافي. فهي مثل النعامة، تتجاهل ببساطة وجود هذه الأسر وتستبعدها من التسجيل السكاني. ما يقارب الـ 20000 رجل وامرأة يعيشون في القدس الشرقية من دون أن تظهر أسماؤهم في السجل السكاني. بالأساس النساء وأطفالهن الذين لا يظهرون حتى في بطاقات هوية أمهاتهم، الأمر الذي لا يمكنهن من الحصول على علاوة أبنائهن. وبالتالي يمكن للدولة خداع الإحصاءات، لأنه إذا لم يتم تسجيل هؤلاء الناس فإنهم غير موجودين. المدهش هو أن أعضاء فريق التخطيط على علم بالأعداد الحقيقية لكنهم يفضلون أن يتم غض البصر عنهم، حيث لا يتم الاعتراف بالوضع القائم على الأرض لاعتبارات ديمغرافية و جميع ما أرفق من إحصاءات هي خاطئة ومضللة..

الفصل المحرج المتعلق بالتعامل مع ما يسمى بالتوازن الديمغرافي هو عار مطلق. ففي الوقت الذي يمكن فيه للمرء أن يفهم لماذا يقوم السياسيون بالتوقيع على ذلك لأسباب خاصة بهم ، فإنه من الصعب استيعاب كيف يقوم أناس مهنيون مثقفون يتوقع المرء منهم نهجا موضوعيا بالتوقيع على مثل هذه الوثيقة العنصرية والتمييزية. لو كتبت مثل هذه الوثيقة في دولة أوروبية وحثت على ضرورة الحفاظ على التوازن الديمغرافي بين المسيحيين واليهود فان دولة اسرائيل عن بكرة أبيها ستتهم تلك الدولة بصخب بمعاداة السامية.

هنا، الخلل الديمغرافي يتغلب على أي منطق بحيث يقدم الأكاديميون الليبراليون والتقدميون أيديهم إلى وثيقة تميز ضد جزء من السكان على أساس انتمائهم القومي علنا ​​وبلا خجل. في أي بلد متحضر يمكن أن يسمى هذا عنصرية. ومع ذلك، في إسرائيل، فإنه ليس لطيفا دعوة اليهودي بالعنصرية، ألسنا نحن أنفسنا ضحايا العنصرية في نهاية المطاف؟ ومع ذلك وبسهولة لا تطاق نصر على الحجة الديمغرافية كهدف رئيس في تخطيط المدن مما يثبت أن خطأ ما قد حصل في التطبيق الخاص بنا للقيم الإنسانية تجاه الآخرين.

توصيات صحيحة.. ولكن!!تجدر الإشارة إلى أنه وإلى جانب العيوب الأساسية التي تظهر في الوثيقة، فان هناك أيضا مجموعة من التوصيات الصحيحة، على الرغم من أن درجة تنفيذها أمر مشكوك فيه.

على سبيل المثال، فإن الوثيقة صدقت بشأن الدعوة إلى الحفاظ على إنشاء الانفصال الإقليمي بمعنى عدم اختلاط السكان. فهذا من شأنه أن يحافظ على الطابع متعدد الثقافات للمدينة وسيعمل على وجه الخصوص على تقييد بؤر الاحتكاك المحتملة. هنا يدين الفريق بشكل صحيح الاستيطان اليهودي في القدس الشرقية، بدلا من التركيز على اختراق العرب في القدس الغربية، والعكس هو الصحيح. حتى الآن افتقر المخططون إلى الشجاعة لتحديد من هو على خطأ هنا. يوما بعد يوم تقابل هذه التوصية بشكل فج من قبل الهيئات اليمينية، سواء من خلال الاستحواذ الهائل على الممتلكات الخاصة التي ليس للبلدية كما يبدو أي سيطرة عليها، أو أيضا من خلال إنشاء مناطق كاملة يهودية جديدة في قلب الأحياء العربية، وبعد ذلك، تقريبا بشكل تلقائي الحصول على ترخيص لها من قبل اللجنة المحلية للتخطيط والبناء.

هناك أيضا سلسلة من التوصيات الإيجابية الأخرى متجذرة في واقع المدينة، مثل الاقتراح المرحب به لترخيص نسبة بناء مئوية إضافية وذلك من أجل السماح للسكان العرب بإضافة مزيد من وحدات البناء على أرضهم. هذا النوع من كثافة البناء يخفض تكاليف البنية التحتية ويسهل عملية الاستغلال الصحيح لموارد الأرض. هناك أيضا توصية إيجابية أخرى تدعو لتبسيط عملية إثبات الملكية وذلك لتسهيل الحصول على تراخيص البناء. وللتغلب على مشاكل تسجيل الأراضي في المدينة، فقد أوصت اللجنة بالعودة إلى النظام الذي كان معتمدا حتى وقت قريب من قبل البلدية؛ والذي نشأ على أساس الجمع بين الأشكال التقليدية لإثبات الملكية وهي توقيع مختار القرية وجيران الأرض مرفقة مع البراهين القانونية- تصريح المحامي ودفع ضريبة الأملاك.

ومع ذلك، فإن الشعور العام أن المقصود بالفصل المتعلق بالقدس الشرقية في الوثيقة أن تكون أكثر وفاءا بالتزاماتها الرسمية من التعامل مع التنفيذ الفعلي على أرض الواقع. عندما كتب المخططون أن أي تغيير يعتمد على توجيه الموارد الكافية إلى القدس الشرقية، كانوا يعرفون أن الدولة غير قادرة على القيام بذلك، وليس لديها مصلحة حقيقية في ضمان الميزانيات اللازمة لتنفيذ خططهم.

في ضوء التخفيضات في ميزانيات التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية، ليس هناك احتمال لإيجاد مئات الملايين اللازمة لإنشاء البنية التحتية الهندسية الضرورية للإنشاءات المخطط لها. التوصية بإعادة تأهيل مخيم شعفاط جيدة للضمير المهني ولكن لا أحد يعتقد أنه يمكن تنفيذها. المشكلة لا تتعلق فقط بالميزانيات ولكن أيضا بعدم وجود أرض. إعادة تأهيل المخيم مع سكانه الـ 15000 أصبح يحتم إيجاد أرض بديلة من أجل تدمير الإنشاءات القائمة وبناء إنشاءات جديدة بدلا منها، والتمويل سيأتي من المؤسسات الدولية ولكن ليس هناك أرض بديلة لإعادة البناء عليها.

تثير الخطة الهيكلية للقدس الشرقية تساؤلات بشأن الآلية النفسية التي تمكن السلطات من نشر مثل هذه الوثيقة مع ما تتضمنه من خصائص عنصرية، دون تأنيب للضمير. قد تكون هناك إشارة تم إدراجها في الوثيقة بشكل غير ملحوظ تقريبا. في الفصل الخاص بمبادئ السياسة التطويرية، هناك واحدة من بين التوصيات المذكورة تتعلق بزيادة حجم البناء (“النسبة المئوية للبناء”) وذلك لاستغلال موارد الأراضي في القدس الشرقية على النحو الأمثل، على الرغم من أن هذه التوصية “لامست مجموعة من التحفظات فيما يتعلق بالأهداف الأخرى المحددة من قبل أولئك الذين طلبوا الوثيقة”. وبعبارة أخرى، فإن فريق التخطيط يقر تحديدا أن الاقتراح بإضافة “نسب البناء المئوية ” يتعارض مع الأهداف الأخرى المحددة من قبل ‘الزبون’، وهي بلدية القدس. وهنا قد لا يبدو أي شيء جديد في هذا الأمر، لأن متابعة جميع أعمال التخطيط تتم في إطار البلدية. ‘الزبون’ يحدد ما يريد والهيئة المهنية تنفذ رغباته. في هذه الحالة، تلقى فريق التخطيط افتراضات ‘الزبون’ وقام بتخطيط المدينة وفقا لهذه المفاهيم الأساسية.

المعضلة التي تلت ذلك تمس آداب المهنة، إلى أي مدى يمكن للمخطط أن يتنازل من أجل الحصول على العمل؟ المعضلة تزداد عندما يكون ‘الزبون’ هيئة سياسية ذات أجندة أيديولوجية واضحة تماما. في هذه الحالة، يجب أن تأخذ الإجابة في الاعتبار الإغراء غير العادي بالنسبة للمخططين للمشاركة في مثل هذا المشروع التاريخي المهم للغاية.

فرصة إعداد خطة تقسيم هو نوع من المشاريع المرموقة التي تأتي مرة واحدة في العمر. مثل هذا التركيز لجميع أنواع الأشخاص المهنيين الذين يتعاملون مع إعداد خطة تقسيم فخمة لأهم مدينة في إسرائيل يعرض أيضا تحديا فكريا غير عادي، ناهيك عن توفير إضافة لافتة إلى السيرة الذاتية لكل مشارك. المشاركون من المستوى الأكاديمي في الفريق لديهم دافع آخر. إنهم يبحثون عن وظائف عملية، على مقربة من الأرض، تحررهم من الصورة النمطية المتقلبة للمثقفين الذين يعيشون في برج عاجي. فرصة المشاركة في مشروع من هذا القبيل تعد إثباتا بأنهم لم ينقطعوا عن الواقع وأن تعليمهم يتم تطبيقه على أرض الواقع وليس مقصورا على المفاهيم النظرية. الأشخاص المهنيون يجدون أنفسهم مشاركين سلبيين كإكسسوارات في الجريمة من دون انتباه، أولا لأنهم يقبلون الافتراض السياسي المتعلق بـ “آباء المدينة”، وثانيا لأنهم كمخططين سمحوا بتنفيذ حالة من التجريد الظاهري، حيث كانوا يدركون أنهم سيقومون بتحديد مصير القدس الشرقية دون استشارة سكانها. وحتى لن يقوموا بالاستماع للأطراف البديلة الفاعلة التي تختلف مع “الزبائن“، البلدية. وفقا لذلك، وافق هؤلاء المهنيون ذوو الكفاءات العالية على المبادئ التوجيهية للبلدية، التي اعتمدت مبادئ عنصرية. وأخيرا وليس آخرا، تم وضع كل ذلك في اطارأكاديمي. لقد قدموا عن غير قصد مساهمة كبيرة لنظام الفصل العنصري المتعلق بالقدس الشرقية. ليس ذلك فقط، بل وينبغي تكرار ذلك، هل يمكن وصف هؤلاء الناس بأي شيء آخر سوى أنهم عنصريون: لديهم سجلات جيدة كونهم ديمقراطيين. ومع ذلك، في تقديمهم شهادة “حلال” لمثل هذه الوثيقة الإشكالية، فاتهم أن يلاحظوا أن هذا المنتج قد نفث رائحة كريهة وصلت إلى السماوات الأعلى.

العنصريةالرمادية :هذا، في الواقع، يعتبر مصدر قوة لعنصرية البلدية. إنها ليست وحشية ولا مرئية علنا، تفضل الاحتماء وراء صياغات محايدة ظاهريا. هكذا هي دائما تختفي بعناية وراء صياغة توافق منحنية الآراء، وتختبئ تحت طبقة سميكة من اللغة الليبرالية التجميلية. بدلا من التشدد اللفظي، يخفي نفسه في إطار لهجة لينة وعبارات لا تكشف عن النوايا الحقيقية. هكذا ولدت في بلادنا الطريقة الفريدة التي لا وجود لها في الأدبيات المهنية: “العنصرية الرمادية” المتجذرة في الفكر الصهيوني الذي سعى إلى الديمقراطية ولكن مع إعطاء الأولوية للمصالح اليهودية، وحرمان الآخرين لا محالة من حقوقهم. عندما لا تكون هناك مساواة، لا بد من وجود التمييز، وعندما يكون كل الذين يعانون من التمييز هم من ذات القومية، فانه ليس هناك من خيار سوى أن نسمي ذلك بما هو عليه، “التمييز القومي”، الذي ينتمي إلى نفس العائلة الشائنة للتمييز العنصري.

وعلاوة على ذلك، فإن العنصرية الرمادية لمدرسة بلدية القدس الفكرية يتم الحفاظ عليها بسبب قلة الاهتمام في كل مكان، وبسبب البيروقراطية وقوة العادة. مجموعة كاملة من مسؤولي البلدية تقوم بتعزيز هذا النهج دون استيعاب حدته. وهذا يشمل تعزيز مجموعة كاملة من الأسباب والأعذار لتمكينهم من النوم مع ضمائرمرتاحة . إنهم يعرفون كيف يجادلون، على سبيل المثال، أن الفجوات في المجتمع المقدسي ناتجة عن التمييز الذي تولد على مدى فترة طويلة، ليس بدءا من العام 1967 ولكن تحت الحكم الأردني. ومن هنا تكمن الصعوبة في الحد منها. هم يسارعون للشرح أن جميع الميزانيات الحكومية للقدس تم تخصيصها، والمقصود هنا أنها معدة لمشاريع محددة والتي لا يمكن تغييرها. ولذلك فان اللوم يقع دائما على شخص آخر وليس على أنفسهم، والذي يمكن أن يكون الأردنيين، العثمانيين أو هيرودس الكبير..

وفق هذه العنصرية الرمادية لا يتم التمييز ضد أحد علنا ​​ولكن في الممارسة العملية يداس الطرف الآخر بالأقدام من أجل ضمان تفوقنا وسيطرتنا عليهم. ولد هذا النوع من العنصرية في أذهان الأوساط اليمينية ولكن يتم الحفاظ عليه في الوقت الراهن من قبل الليبراليين أنفسهم الذين يدعمونه ليس بالضرورة مباشرة بل من خلال قصورهم الذاتي. يتم اعطاء التوجيهات من قبل اليمين، الذي يحدد النغمة، ويتم توفير أدوات التنفيذ، أو المضمون، من قبل الليبراليين. إذا كان صحيحا ما يقوله المثل أن شيطان العنصرية موجود في كل إنسان ويتنفس أسفل رقبته، فان ذلك ينطبق أيضا بوضوح على الأشخاص الأذكياء المفكرين المشاركين في اعداد المخطط الهيكلي للقدس.

ترجمــة وإعداد:  سعيد عيّـاش

المركز الفلسطيني للدراسات الاسرائيلية ” مدار”.

 

 

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً