تدخل الغرب في ليبيا.. فشل متخف في ثوب النجاح

shello
shello 2014/05/22
Updated 2014/05/22 at 9:53 صباحًا

pqhv589s


كانت هناك بعض الأخبار الجيدة التي خرجت من ليبيا هذا الشهر. فقد تقرر استئناف صادرات النفط من ميناء زويتينة بعد أن توصل الثوار الذين يسيطرون عليه إلى اتفاق مع الحكومة. وفي إشارة متفائلة أخرى، انعقد البرلمان الانتقالي من أجل اختيار رئيس وزراء جديد. (استقال رئيس الوزراء السابق بعد أن هاجم الثوار عائلته).
لكن التصويت على اختيار رئيس الوزراء لم يسر سيراً حسناً. فقد أقدم مسلحون على اقتحام البرلمان، وشرعوا في الصراخ، وأرغموا النواب على التخلي عن خططهم.
هذه هي ليبيا اليوم: كل خطوة إلى الأمام تعقبها خطوتان إلى الوراء. ولا تستطيع الحكومة المركزية حتى أن تقوم بتنفيذ المهام السيادية في داخل مبنى “الكابيتول” الخاص به.
يقول راند كريستوفر من مؤسسة (راند) في كتابه “إسقاط القذافي” إن أطروحتين رئيسيتين كانتا حاضرتين في داخل إدارة أوباما فيما يتعلق بالتدخل في ليبيا. الأولى كانت ذات طابع إنساني، مبعثها القلق من قيام القذافي بذبح مواطنيه. وكانت الثانية تتصل بالربيع العربي، وفكرة أنه “يجب النظر إلى الولايات المتحدة على أنها تدعم الانتفاضات في مختلف أنحاء المنطقة”.
لما كان سقوط القذافي سريعاً، فقد نُظر إلى التدخل في ليبيا على نطاق واسع باعتباره نجاحاً، بما أنه لم يتم خسران أرواح في معسكر التحالف، ولأن ثمن التدخل الاقتصادي كان منخفضاً. ولكن، ومع أن المهمة قد أنجِزت بطريقة رائعة، فإن التداعيات كانت أكثر إشكالية مما يتم الاعتراف به بشكل عام.
جاء تدخل حلف شمال الأطلسي (ناتو) بعدما كانت تغييرات موجعة قد حدثت مسبقاً في المنطقة، وشكل خيار التدخل انحيازاً لصالح تسريع إيقاع التغيير. وقد خلف ذلك بلداً يعاني من عدم الاستقرار، كما ألحق الضرر بجيران ليبيا أيضاً.
شهدت جماعات الجهاديين نمواً استثنائياً منذ سقوط القذافي. وقد نشر تقرير حول هذا الموضوع بعنوان “القاعدة في ليبيا: لمحة” في شهر آب (أغسطس) 2012، من إصدار وحدة الأبحاث الفيدرالية في مكتبة الكونغرس الأميركية. وخلص التقرير إلى أن “بضع مئات من أفراد القاعدة” يعملون الآن في ليبيا، وأن السلفيين الجهاديين المتحالفين معها إيديولوجياً أصبحوا يسيطرون على “عشرات المساجد وأماكن العبادة”. وهكذا، كان الكثير من الجهاديين يتدفقون إلى ليبيا، حتى أن متعاقداً يعمل في قضايا الإرهاب وصف البلد بأنه “وودستوك قذرة” (في إشارة إلى بلدة أميركية تقام فيها مهرجانات موسيقية وتؤمها خلائط من الناس).
كان الجهاديون يستفيدون من معسكرات التدريب في جنوب ليبيا، ومن الدفق غير المنضبط للأسلحة. وبالإضافة إلى الأسلحة التقليدية، يعتقد بأن قطعاً معقدة، مثل صواريخ أرض جو، قد هربت من ترسانة القذافي.
يستخدم الجهاديون الأراضي الليبية كملاذات آمنة. وكان هذا هو واقع الحال في أزمة الرهائن التي حدثت في منشأة غاز أميناس الجزائرية في كانون الثاني (يناير) 2013: حيث قيل إن المهاجمين كانوا قد تدربوا في معسكرات تقع في جنوب ليبيا واستخدموا أسلحة ليبية. وفي تلك العملية، تم أخذ حوالي 800 شخص كرهائن، وقُتل ما لا يقل عن 39 منهم.
تمتاز ليبيا بحدود مسامية نفاذة مع مصر، وقد استمعت هيئة من الخبراء الأميركيين إلى أدلة تشير إلى أن حركة الأسلحة التي اتجهت إلى شبه جزيرة سيناء المصرية وقطاع غزة “شملت أنظمة دفاع جوي محمولة للأفراد وصواريخ موجهة مضادة للدبابات”. وفي كانون الثاني (يناير)، قام متشددون متمركزون في سيناء بإسقاط طائرة عمودية عسكرية مصرية بصاروخ أرض جو. وتقترح هيئة الخبراء الأميركيين وتقارير الصحافة أن ليبيا كانت المكان المرجح لمنشأ تلك الصواريخ.
في 19 آذار (مارس)، أغارت القوات المصرية على “ورشة” في منطقة عرب شركس، حيث كانت خلية من تنظيم أنصار بيت المقدس تقوم بصنع قنابل وأحزمة متفجرة. وتمت مصادرة خمسة أطنان من المتفجرات، وقال مصدر لوسائل الإعلام إن ليبيا هي بلد الأصل لهذه المتفجرات. وتشعر تونس بقلق مماثل من أن الوضع الأمني في ليبيا يؤثر في داخل حدودها، فيما البلد مشتبك بحملة ضد الجماعة الجهادية “أنصار الشريعة في تونس”. وقال المدير العام للأمن القومي في تونس إن أعضاء الجماعة يتلقون التدريب في ليبيا، وإنها تتلقى التمويل من مصادر ليبية (من بين مصادر أخرى).
من جهتهم، شعر المسؤولون الجزائريون بالقلق منذ وقت طويل جراء التأثير الذي قد يحدثه تدخل حلف الناتو في ليبيا. وتشكل جماعة “القاعدة في المغرب الإسلامي” موضع قلق خاصا للجزائر، لأنها تعتبر الجزائر واحداً من أهدافها ذات الأولوية القصوى. وقد اكتشفت القوات الجزائرية مخبأ ضخماً للأسلحة بالقرب من الحدود الليبية في شهر تشرين الأول (أكتوبر) 2013، والتي زُعم أنها ضمت “100 صاروخ مضاد للطائرات، ومئات الصواريخ المضادة للطائرات العمودية، والألغام، والقذائف الصاروخية”.
بالإضافة إلى ذلك، كان للتدخل في ليبيا تأثير على مالي الواقعة إلى الجنوب الغربي من ليبيا أيضاً. وقد تمكنت مجموعة من الجماعات الجهادية المرتبطة بالقاعدة، بما فيها منظمة القاعدة في المغرب الإسلامي، والانفصاليون الطوارق، من السيطرة على شمال مالي في أعقاب اندلاع الانتفاضات العربية، مما استدعى تدخلاً بقيادة فرنسية في كانون الثاني (يناير)، 2013.
لثورة الطوارق في مالي تاريخ طويل، لكن الإطاحة بالقذافي غيرت الديناميات. فقد كان دكتاتور ليبيا داعماً لانفصال الطوارق، وفقد الانفصاليون الطوارق بذهابه راعياً مهماً. وتمكنت الجماعات الجهادية من استغلال خسران الطوارق رعاية الدولة، وأبرموا معهم تحالفاً متجذراً في المصلحة أكثر من الإيديولوجية. وبالإضافة إلى ذلك، كان الآلاف من ثوار الطوارق قد ذهبوا إلى ليبيا للقتال كمرتزقة إلى جانب القذافي.
باختصار، يبدو أن تدخل حلف الناتو كان خطأ استراتيجياً كبيراً. وقد كلف الوضع الذي تركه هذا التدخل وراءه في ليبيا المزيد من الأرواح التي فقدت في مالي، ومصر، والجزائر، وربما تونس. وبفعل رغبتنا في الوقوف إلى الجانب الصحيح من الربيع العربي، أفضى تسريع الأحداث المضطربة في المنطقة فعلياً إلى جعل إمكانية تأثير الدول الغربية على النتائج بشكل إيجابي أكثر صعوبة. وكان ذلك ضاراً بالمصالح الغربية؛ كما كان ضاراً بالمصالح المحلية أيضاً، من منظور إنساني.
ربما يكون من الصعب سماع أن هذا التدخل حسن النية أنتج من الضرر أكثر مما جلب من النفع فيما يبدو. ومع ذلك، يظل من الضروري تقييم تأثير أي عمل عسكري بعيون صافية متبصرة.

*مسؤول رفيع في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، وأستاذ مساعد في برنامج الدراسات الأمنية في جامعة جورجتاون.

الغد الأردنية

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً