تراجع الحريات الإعلامية في مصر: إلى أين؟…بقلم:ميريام بيرغر

shello
shello 2014/02/16
Updated 2014/02/16 at 12:10 مساءً

file

 

 

‹›عادت مصطلحات “محظور” و”إرهابي” لترتبط مرة أخرى بذكر جماعة الإخوان المسلمين في كل وسائل الإعلام المصرية تقريباً. وفي المقابل، تسهب وسائل إعلام الدولة والإعلام الخاص على حد سواء في الإشادة بتوجهات الحكومة المدعومة من الجيش. وقد أصبحت الصحف والبرامج الحوارية على شاشات التلفزة، وهي أكثر منافد الإعلام المصري شعبية، تفرط كلها في الثناء على الجيش وتمجد استعادته الثورة، وتحذر بحماسة من الخونة الذين يعارضونه، حيث توصم كل الأخبار ووجهات النظر المناقضة بأنها مؤيدة للإخوان، وبالتالي تشكل خطراً على البلاد.

ليس من المستغرب أن تكون وسائل الإعلام المصرية قد بشرت إلى حد كبير بخطوة الجيش، وبقيت صامتة بينما انقض على جماعة الإخوان والأصوات المعارضة: فطوال عقود، عمل خليط سام من المصالح السياسية والاقتصادية على خنق تطور واحترام آليات لصناعة وسائل إعلام مستقلة وشفافة. والآن، بينما تمر مصر بالسنة الثالثة منذ الإطاحة بحسني مبارك في العام 2011، يستعد الكثيرون لاختبار المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الحملة الأخيرة ضد الإعلام.

تقول رشا عبدالله، أستاذة الاتصال الجماهيري في جامعة القاهرة في محادثة هاتفية من القاهرة: “إننا نعيش في دوامة مستمرة. لقد عدنا إلى حيث كنا في حقبة مبارك، وإنما بدعم الجماهير هذه المرة”.

مع ذلك، يحذر هشام قاسم، الناشر القديم وعدو مبارك، من أن التراجع في الحريات الإعلامية كان سيئاً -لكن مصر والمشهد الإعلامي تغيرا بشكل أساسي بحيث يصعب أن يعودا إلى حالة القمع السابقة.

يقول قاسم، الذي كان قد أصدر في العام 2004 صحيفة “المصري اليوم”؛ أول صحيفة عربية مملوكة للقطاع الخاص: “إنني لا أرى هذا التدهور الخطير الذي يتحدث عنه الكثيرون. إنني أدرك، ربما أكثر من الآخرين، طبيعة الإعاقات الخطيرة والمشاكل التي تعاني منها وسائل الإعلام في مصر. ولكن، هل سيمكن تكميم أفواه وسائل الإعلام حقاً؟ هل ستتدهور الأمور؟ كلا، مطلقاً”.

في الحقيقة، امتلك العديد من الصحفيين المصريين بعد الثورة التمكين اللازم لكسر الحدود القديمة والمطالبة بحرياتهم في غرف الأخبار. وإلى جانب الصعود الأفقي في المنافد الإعلامية الجديدة والفضاءات الإعلامية، مع ذلك، ناضل الصحفيون من أجل تغيير شكل ملكية هذا القطاع والنماذج التي تعتلي قمته. الآن، بينما يتعزز التأييد لرئاسة لوزير الدفاع عبد الفتاح السيسي، وتجري تبرئة الكثير من رجالات حقبة مبارك من التهم الموجهة إليهم، يبدو النظام القديم لقطاع الإعلام وأنه يستعيد المزيد والمزيد من القوة.

جاءت تكوينات وسائل الإعلام المسيسة منذ فترة طويلة على حساب التغطية المستقلة والمستدامة التي تمكن الصحافة المحلية والحكم المسؤول. لم تتم أبداً هيكلة وسائل الإعلام المصرية كمؤسسات ربحية تحددها المنافسة الحرة أو النزيهة. بدلاً من ذلك، تعتمد وسائل الإعلام إلى حد كبير على فوائض السياسة والأعمال من الدولة والممولين الأثرياء. هذا النموذج الذي تشوهه الدعاية وتجعله منحرفاً يضع أرقام المستهلكين ومطالبهم في الدرجة الثانية وراء ميول الرجال الحاكمين على القمة، ويخنق ثقافة الابتكار والشفافية، ويزاحم الأصوات والوسائل البديلة ويقصيها. والآن، في الأشهر التي انتقضت منذ إسقاط مرسي، أصبح العنف الذي يمارس ضد الصحفيين أيضاً مكمن قلق قويا متصاعدا.

تحت حكم محمد مرسي المعادي، تكثف خطاب الكراهية والتحريض على العنف في وسائل الإعلام المصرية. وقد روجت القنوات التلفزيونية الإسلامية، مثل المحطة التابعة للإخوان المسلمين “مصر 25” وقنوات “الحافظ” و”الناس” الإسلامية، محتوى طائفي ومناهض لليبرالية، مبررة بوضوح قتل الأقباط المسيحيين والشيعة المسلمين. وفي مناخ يزداد استقطاباً باطراد، مارست وسائل الإعلام العربية المملوكة للدولة دورها متعدد الطبقات -عاكسة إلى حد كبير أفكار الحزب الحاكم، في هذه الحالة مرسي، وردت وسائل الإعلام الخاصة -التي تعود ملكية الكثير منها إلى رجال ذوي روابط بنظام مبارك- بنقد غير متوان لمرسي وأنصاره، والكثير من مكونات الحركة الثورية. (ضمن هذه الفئات، كانت لوسائل الإعلام الناطقة بالإنجليزية تاريخياً فسحة أكبر).

مع تنامي الحصانة، أصبحت مصر الآن ثالث أخطر بلد على الصحفيين، وفقاً للجنة حماية الصحفيين. وقد توفي سبعة صحفيين في الميدان منذ حزيران (يونيو) إلى آب (أغسطس) 2013، مقارنة بثلاثة توفوا خلال السنتين السابقتين. وفي الخريف، تعرض صحفيان مصريان كانا يعملان في سيناء إلى الاعتقال والمحاكمة أمام محاكم عسكرية. وفي كانون الأول (ديسمبر)، سُجن أربعة من مراسلي محطة الجزيرة الناطقة بالإنجليزية بتهم مشكوك فيها. وخلال احتفالات كانون الثاني (يناير)، تم اعتقال سبعة صحفيين على الأقل، بينما هاجم الغوغاء الصحفيين، متهمين بعضهم خطأ بأنهم يعملون لقناة الجزيرة. وتعرض عشرات آخرون للإصابات، والاعتداءات أو الاحتجاز في الأشهر منذ الإطاحة بمحمد مرسي. ووفقاً للجنة حماية الصحفيين، تعرض ما لا يقل عن 45 صحفياً للاعتداءات، وتم اعتقال أكثر من 44 صحفياً منذ تموز (يوليو). وتعرض عدد آخر لا حصر له من الصحفيين إلى الطرد أو النقل من وظائفهم بسبب مواقفهم السياسية -أو الخشية من تبني مثل هذه المواقف.

جزء من المشكلة هو الهستيريا الجماهيرية التي يغذيها خطاب الدولة والإعلام، والتي استحوذت على الكثير من المصريين الذين يسعون إلى الاستقرار بعد ثلاث سنوات من الاضطراب المحلي والإقليمي. وقد أصبح الصحفيون -خاصة صحفيي الجزيرة- متنفساً مقبولاً للغضب والخوف المتعمقين. الأمن يقود إلى الاستقرار، كما تقول الفكرة المقبولة -والصحفيون يعقدون هذه المعادلة. ومع أن الكثيرين في داخل الجسم الإعلامي يعتقدون بخلاف ذلك، فإن الضغوط من أجل تثبيت هذه الفكرة تتعاظم.

استيعاب العنف والتهديدات، مصحوباً بضعف المؤسسات الإعلامية، ترك الصحفيين مع عدد قليل من الوسائل لعرض قضايا حقوقهم والنضال من أجلها. وبالإضافة إلى الضغوط السياسية العلنية، فقد الكثيرون من الصحفيين وظائفهم في الأشهر الأخيرة، مع تضاؤل الأموال في سوق مصر الإعلامية الفاسدة وغير المستقرة إلى حد كبير. ويعبر الصحفيون المحليون في المحادثات باستمرار عن رغبتهم في المزيد من التدريب المهني والأخلاقي -لكن الوصول إلى هذه الموارد والاهتمام الجدي يبقيان محدودين عند أولئك الذين يعتلون القمة.

على سبيل المثال، جعلت نقابة الصحفيين المصريين من دورات التدريب المهني والأمني أولوية، لكنها ما تزال تعاني من المشكلات السياسية والمالية طويلة الأمد. (تعد نقابة الصحفيين المصريين دستورياً اتحاداً محظوراً للصحفيين. وفي السنوات الأخيرة، تشكلت العديد من النقابات البديلة، وإنما بلا تأثير يذكر). وعندما فرق الجيش بعنف اعتصام رابعة العدوية يوم 14 آب (أغسطس) -وهو ما أسفر عن مقتل أربعة من الصحفيين- لم تقم نقابة الصحفيين بإدانة العنف. ومن الجدير بالملاحظة أن ضياء رشوان، رئيس نقابة الصحفيين المصريين وعضو لجنة الخمسين التي تولت إعادة صياغة الدستور، هو شخص ناصري ويُنظر إليه على أنه متعاطف مع الجيش. وكان قد تم انتخاب رشوان في شهر آذار (مارس) الماضي في انتخابات تأطرت كخطوة في اتجاه لا تسييس النقابة -وتراجع قوة الإخوان المسلمين في النقابات المهنية، وهي مصدر رئيسي للنفوذ السياسي في حقبة مبارك. والآن، أصبح أحد التزامات حملة رشوان الرئيسية -زيادة استقلالية النقابة عن الدولة سياسياً ومالياً، في حكم المجهض بفعل الحقائق السياسية مرة أخرى.

تقول مريم الصعيدي، عضو مجلس نقابة الصحفيين المصريين، مشيرة إلى صمت النقابة إزاء أحداث 14 آب (أغسطس): “بعض الناس الذين ينتقدوننا معهم حق. وكان أحد زملاء الصعيدي المقربين، أحمد عبدالجواد، واحداً من الصحفيين الثلاثة الذين قتلوا بينما كانوا يغطون أحداث ميدان رابعة”. وتضيف الصعيدي: “كان يجب أن نفعل أكثر. لكن بعض النقد جاء، على الجانب الآخر، من أناس لديهم وجهات نظر سياسية مختلفة. وبالتالي، يشكل ذلك تسييساً للإعلام”.

وسط هذه التوترات، يكرس الدستور الذي صودق عليه حديثاً العديد من التحسينات لحرية الإعلام -ولو أن الدرجة التي سيتم بها تطبيقها تبقى مجهولة. وتعيد المادة 70 من الدستور تأكيد حق حرية الإعلام، وتتطلب تقديم إخطار بفتح صحيفة جديدة، ملغية بذلك نظام الترخيص المسيس القديم الذي كرسته الدساتير السابقة. كما تجرم المادة 71 الرقابة على الإعلام، باستثناء “أوقات الحرب أو التعبئة العامة”. وينشئ الدستور هيئة جديدة لتنظيم الإعلام، مزيلاً سيطرة مجلس الشورى (الذي ألغي الآن)، لكنه يترك التقسيم الدقيق للسلطة غير واضح حتى الآن. كما ألغيت عقوبة السجن بتهمة القذف والتشهير، سوى في حالات التحريض التي يمكن تفسيرها بشكل فضفاض وتأويلها حسب الرؤى السياسية.

في حين أوقفت اضطرابات مصر العملية التشريعية إلى حد كبير، يتكهن المعلقون بترجيح وضع قوانين الإنترنت المخصوصة على الطاولة قريباً. وكان الأردن قد عدل في العام 2012 قانون المطبوعات والنشر لديه، ليتضمن مواد جديدة للحد من حريات الإنترنت. ويشعر العديد من ناشطي الإعلام في المنطقة من أن الأردن، الذي حظي طويلاً بالإشادة على حرياته الأوسع نسبياً، سوف يصبح النموذج الجديد للحد من فضاء الإنترنت.

يقول عبد الله: “كان الإحساس في حقبة مبارك أن ذلك كان مجرد لعب أطفال على تويتر. لكن الإنترنت أصبح الآن وسيطاً إعلامياً معترفاً به أثر مما كان حاله في ظل حكم مبارك”.

في واقع الأمر، كان هناك نحو 150.000 من مستخدمي تويتر النشطين في جميع أنحاء مصر في نهاية العام 2011. وبحلول شهر آذار (مارس) من العام 2013، ارتفع هذا العدد إلى أكثر من 520.000، وفقا لتقرير وسائل الإعلام الاجتماعي العربي. كما يشهد فيسبوك ارتفاعاً أكثر بكثير، من 4 % من مستخدمي الإنترنت في في نهاية العام 2010، إلى أكثر من 16 % بحلول آذار (مارس) 2013.

أتاح فضاء الإنترنت أشكالاً جديدة من جمع الأخبار وتبادلها -من جماعات صحافة المواطن، موقع الأخبار “مدى مصر”. ومع ذلك، وفي اتجاه متصاعد يتسع في نطاق المنطقة، تم جلب العديد من مستخدمي الإنترنت الذين يحظون بالشعبية وبعض الساسة إلى المحاكم بناء على تغريدات أو تعليقات على فيسبوك. وفي الأيام الأخيرة فقط، وجهت إلى السياسي الليبرالي عمرو حمزاوي تهمة إهانة القضاء على أساس تغريدة أرسلها على تويتر، كما وجدت إحدى المحاكم مستخدم التويتر الشعبي أحمد أنور مذنباً بتهم إهانة وزارة الداخلية و”إساءة استخدام وسائل الاتصال”. وهناك الحالة المعروفة، قضية “أبله فاهيتا”، دمية شركة فودافون الإعلانية المتهمة بأنها إرهابية بناء على إعلان تجاري بث على موقع يوتيوب.

فيما تلوح آفاق أيام مظلمة في أفق مصر، ما يزال قاسم يملك سبباً للتفاؤل. وبعد أن ناضل ضد إعلام نظام مبارك لعقول، يتنبأ قاسم بأن الأمر سيستغرق جيلاً آخر حتى تتمكن وسائل الإعلام المستقلة من كسر القالب -لكنه لا يمكن وقف هذا المسار في نهاية المطاف. ويقول قاسم: “الناس يصبحون أكثر انتقاداً”. ووصف منتدى صحفياً حضره مؤخراً، وصف فيه صحفي من صحيفة الأهرام كيف كانت الأوامر تأتي إلى الصحيفة وتطلب نشر محتوى معين. ويقول قاسم: “قلت، اسمح لي، لكن حال الأهرام كان هكذا دائماً… الآن فقط أصبحت تجد مساحة أوسع وتستطيع أن تنتقد. في السابق لم تكن تستطيع أن تكون كذلك مطلقاً”.

بينما يصبح التحدث في السياسة مع الغرباء سبباً للاشتباه مرة أخرى في مصر، سوف تشكل الأشهر القليلة المقبلة اختباراً لمدى إدامة هذه المساحات المكتشفة حديثاً من الحريات الإعلامية -أو العثور على طرق جديدة للتحايل مرة أخرى على الخطوط الحمراء التي لا تني تتسع.

 

الغد الأردنية

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً