توني بلير.. نفس خطاب المحافظين الجدد المعادي للعرب والمسلمين…بقلم:جيمس زغبي

shello
shello 2014/05/14
Updated 2014/05/14 at 10:20 صباحًا

فهرس

 

.

مثل العديد من الليبراليين “الصقور” من قبله، قفز رئيس الوزراء البريطاني السابق، توني بلير، إلى الجانب المظلم من معسكر المحافظين الجدد. وكان هذا قيد العرض مؤخراً في كلمة رئيسية له ألقاها في المقر الرئيسي لموقع “بلومبيرغ” في لندن. وبعد قراءة وإعادة قراءة الكلمة التي جاءت بعنوان “لماذا الشرق الأوسط يهم؟”، صدمتني درجة التشابه بينها وبين “الدعاية السياسية” التي استخدمها الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش أثناء التحضير لشن الحرب على العراق.
مثل بوش، استهل بلير وأنهى كلمته في بلومبيرغ بملاحظة منذرة، والتي كانت مصممة لتجييش الجمهور باللعب على فكرة الخوف. ولأنه عانى مشكلة من حقيقة أن الرأي العام في الغرب أصبح متوجساً وخائفاً من أي مغامرات أخرى في الشرق الأوسط في حقبة ما بعد حرب العراق، سعى بلير إلى إخافة جمهوره من أجل حثهم على الانضمام إلى القتال ضد ما وصفه بأنه “التهديد الأكبر الموجه للأمن العالمي” -الإسلام الراديكالي المتطرف. وفيما يقترب من أن يكون لغة هستيرية، حذر من أن “هذه النظرة الراديكالية والمسيسة للإسلام… تتنامى. وهي تنتشر في كل أنحاء العالم… وفي مواجهة هذا التهديد… فإننا نبدو بلا حول أمام مواجهته بفعالية”. وفي هذه اللغة الصادمة والمروعة المحببة جداً لدى المحافظين الجدد، يصف بلير هذا الصراع بين الخير والشر بأنه “المعركة الأساسية” في زماننا -واحدة “يجب أن ننحاز فيها إلى طرف”.
لماذا يهم أن ننخرط في هذا القتال ونلحق الهزيمة بالإسلام الراديكالي في الشرق الأوسط؟ يضع بلير هنا أربعة مسوغات: النفط، وقرب الإسلام الراديكالي من أوروبا، وإسرائيل، ومستقبل الإسلام. وهذا البند الأخير هو الذي يحظى بحصة الأسد من انتباه بلير، فيما هو يركز على الصراع الدائر بين أولئك في العالم الإسلامي الذين يعتنقون وجهة نظر متسامحة للدين وأولئك الذين يتحركون بنوازع تطرفية.
بالنسبة لبلير، فإن الشرق الأوسط هو بؤرة هذا التطرف الخطير. فقد كان العرب المسلمون هم الذين خلقوه وصدروه للعالم. ويمضي بلير إلى الزعم بأنه عندما يوجد الإسلام المتطرف في أماكن أخرى بين الإندونيسيين والماليزيين أو المسلمين الأوروبيين على سبيل المثال، فإنهم “لم ينشروا هذه الأفكار… وإنما استوردوها” من الشرق الأوسط.
على النحو الذي أصبح نموذجاً مفضلاً لدى المحافظين الجدد، يبذل بلير جهداً روتينياً لخلق الاعتقاد بأنه لا يتحدث عن الإسلام كله، وإنما يتحدث عن تياراته المتطرفة وحسب. لكننا نجد في النهاية أن إدانته كاسحة جدلاً بحيث يبدو وأنه يشمل العالم العربي والإسلام والنزعة التطرفية كلها معاً. وبينما يقول إن الصراعات في كل منطقة يجب أن تفهم في سياقها الخاص والفريد من نوعه، فإنه لا يتطرق إلى حقيقة أن هناك في جذر كل واحدة من هذه الصراعات نفس الإسلام الراديكالي، حسب رؤيته.
كل هذا يقودنا إلى استنتاج أن الشرق الأوسط يهم الغرب، في الحقيقة، نظراً لأن الفوضى في داخل المنطقة والتطرف المستورد من الشرق الأوسط يشكل تهديداً للنفط ولإسرائيل ولأمن أوروبا. وفي توصيته، يقول بلير: “يجب علينا أن ننحاز” وأن ننضم إلى القتال ضد النزعة التطرفية الإسلامية. وتبدو حاجته ملحة جداً لخوض هذه “المعركة الضرورية” إلى درجة أنه يقترح المشاركة مع روسيا والصين اللتين يقول إنهما تواجهان نفس التهديد. بل إنه يقترح دعم حكومة الأسد لإلحاق الهزيمة بالمتطرفين الذين يكسبون أرضية في الحرب الطويلة الجارية في ذلك البلد.
كان ما وجدته صادماً بشكل خاص في الكلمة برمتها هو جهود بلير الاستثنائية لتبرئة نفسه من الحربين الكارثيتين في العراق وأفغانستان، ومن مقاربة الغرب غير القائمة على مبدأ والفاشلة لصنع السلام الإسرائيلي-الفلسطيني. فبالنسبة لبلير، كان السبب وراء فشل الجهود المبذولة لتحرير العراق وأفغانستان في إنتاج ديمقراطيتين هو الإسلام المتطرف وغير المتسامح. وماذا عن السبب في فشل عملية السلام في الشرق الأوسط؟ مرة أخرى يقترح أن المتهم هو الإسلام الراديكالي.
ربما يسمح مثل هذا الهراء لتوني بلير بإمكانية النوم أثناء الليل. لكنه لا يشرح المسوغات وراء حالات فشل الغرب، ولا هو يوضح المسببات الجذرية للتطرف أو كيفية التعامل معه. وبالإضافة إلى ذلك، فإن قوله إنه جرى استيراد وتعليم الأفكار المتطرفة ببساطة، يشير إلى تجاهل بلير ذكر الأسباب الفعلية وراء هذه الحركات. وليست الفكرة القائلة إن إيديولوجية ما قد “تم استيرادها” بأكثر من ملاحظة سخيفة يحاول بلير رفعها الى استنتاج شمولي. إنها لا تشرح بأي شكل من الأشكال السبب في أن هذه الإيديولوجية -أو أي إيديولوجية أخرى- تكسب أرضية وتجد جمهوراً متقبلاً في أجزاء من الشرق الأوسط وآسيا وأوروبا.
ثمة درس بسيط ينبغي لبلير أن يتعلمه، هو أن كون فكرة ما موضوعاً للوعظ على منبر أو منصة لا يضمن أن يكون لها معتنقون. ومن أجل انتشار فكرة، فإن من الضروري أن توجد الشروط لانتشارها، وأن تكون هناك جماهير تستجيب لرسالتها. وفي حالة التطرف الراديكالي العنيف، فإن أسبابه الجذرية تتعلق بوجود خلخلة اقتصادية معمقة و/أو تفكك مجتمعي (قد ينجمان عن الحرب والاحتلال وتفشي البطالة الضخمة وحالات الهجرة القسرية) أو التغريب النفسي (قد ينجم عن القمع أو سياسات التفرقة والإقصاء).
بالنظر إليها انطلاقا من هذا الضوء، فإن أسباب النمو في التطرف المخصوص الذي يهم توني بلير، يمكن أن تكون متنوعة، كمثل حربه على العراق، أو سكوت الغرب على معاملة إسرائيل المذلة للفلسطينيين، أو قمع روسيا والصين للأقليات المسلمة لديهما، أو فشل أوروبا في دمج المسلمين في مجتمعاتها بنجاح واستيعابهم تماماً كمواطنين متساوين. ونظرا لأن الاعتراف بهذه الوقائع قد يثبت أنه أشبه بابتلاع قرص دواء مر، فإن بلير يجد من الأسهل عليه والأفضل له أن يلوم الضحايا.
في النهاية، يظل الجزء الأكثر إشكالية في كلمة بلير هو أنه قد يكون محقاً على أحد المستويات فيما يتعلق بالأزمات والتحديات التي تواجه الناس في الشرق الأوسط. غير أنه يتجاهل المسببات الجذرية لهذه الأزمات، ولا يقترح شيئاً أكثر من جولة أخرى من “صدام الحضارات”، والتي لن تتمخض عن أي شيء. من الواضح أن الناس في الشرق الأوسط يحتاجون إلى إلحاق الهزيمة بالتطرف غير المتسامح والعنيف. لكن ما يحتاجونه من الغرب حتى يكسبوا هذه الحرب لا يعدو كونه جرعات صحية من العدالة وبناء القدرات، والاستثمار في رأس المال الإنساني في المنطقة.
لكن تركيز بلير الواضح على مسائل النفط، وإسرائيل، وأمن أوروبا، والمعركة الإيديولوجية الجارية في داخل الإسلام، فإن البعد الإنساني لهذا الصراع والاحتياجات الإنسانية التي تجب تلبيتها لإلحاق الهزيمة بالتطرف لا تبدو وأنها مدرجة على أجندته.

الغد الاردنية

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً