ثغرة إسرائيلية في الحرب على الإرهاب…بقلم:رغيد الصلح

shello
shello 2014/06/12
Updated 2014/06/12 at 10:10 صباحًا

 فهرس

تستمر إسرائيل في ممارسة ضغط على الحكومات الحليفة والصديقة للامتناع، أو على الأقل للحد من التعامل مع الحكومة الائتلافية الفلسطينية، فإن هذه الضغوط جديرة بأن تثير تساؤلات مهمة حول ما إذا كان التاريخ والتراث السياسي للأحزاب الممثلة في حكومة نتانياهو يسمح لها بمثل هذا السلوك. فحكومة نتانياهو تعترض على مشاركة «حماس» في الحكومة الفلسطينية. ويعود الاعتراض إلى أن إسرائيل تعتبر «حماس» حركة إرهابية. ويطرح هذا التصنيف لـ «حماس» السؤال عما إذا كانت حكومة نتانياهو مؤهلة هي نفسها للاضطلاع بدور الحَكَم في مسألة تصنيف الجماعات السياسية الفلسطينية وغير الفلسطينية بأنها منظمات إرهابية أو لا إرهابية، إلى جماعات متطرفة وجماعات معتدلة.

حتى الآن لا يوجد تعريف متفق عليه دولياً للإرهاب وللإرهابي. هذه الثغرة في الحرب الدولية ضد الإرهاب تعود إلى أسباب كثيرة، من أهمها معارضة إسرائيل عقدَ مؤتمر دولي للتوصل إلى هذا التحديد. وسبب هذه المعارضة أن إسرائيل تريد أن يبقى هذا التعريف فضفاضاً بحيث يمكن أن يدرج تحته اسم أي حزب أو جماعة أو قيادة تقاوم الاحتلال والتوسع الإسرائيلي. كذلك تعود هذه المعارضة إلى أن إسرائيل تريده محصوراً بالأفراد والجماعات فلا يطاول الكيانات السياسية مثل إسرائيل نفسها التي تمارس الإرهاب، في رعاية رئيس حكومتها بنيامين نتانياهو.

لقد نشأ رئيس الحكومة الإسرائيلي في مناخ متعاطف مع الجماعات الإرهابية الصهيونية. والده بنزيون نتانياهو كان أحد الناشطين والمؤيدين البارزين في التيار المؤيد لفلاديمير جابوتنسكي أحد أكبر دعاة العنف ضد العرب. فعندما سألت صحيفة «معاريف» الإسرائيلية نتانياهو الأب في عام 2009 عن رأيه في العرب وفي إمكانية السلام معهم، أجاب: «العربي عدائي وعدو بالفطرة. لديه نزوع طبيعي للتقاتل. طبيعته لا تسمح له بالمساومة. وجوده هو حرب مستمرة»! نتانياهو الابن لم يكن بعيداً من آراء البيئة الحاضنة التي نشأ وترعرع فيها، بل على العكس كان متعاطفاً معها. تعبيراً عن هذا التعاطف أطلق على أحد أبنائه اسم «يائير» وذلك تيمناً بزعيم «شتيرن» الجماعة الإرهابية الصهيونية الأكثر تطرفاً بين المنظمات الصهيونية. كان أبراهام شتيرن يستخدم اسم «يائير» للتمويه والتهرب من ملاحقة رجال الأمن والشرطة في فلسطين.

بين الجيلين السابق واللاحق، اكتسب رئيس الحكومة الإسرائيلية صفتي التطرف والتعاطف مع الإرهاب الإسرائيلي حتى إن تكليفه ترؤس الحكومة الإسرائيلية عام 2009 أثار ضجة عالمية وتوقعات بالغة التشاؤم حول مستقبل الأمن والسلام في المنطقة. انحسرت هذه التوقعات ليس لأنها ظلمت نتانياهو، ولكن لأن الفلسطينيين قدموا التنازل تلو الآخر، والتراجعات الكبرى عن اتفاقية كامب ديفيد حتى يرضى زعيم المتطرفين الإسرائيليين بالجلوس معهم ومواصلة مفاوضات السلام. وانحسرت هذه التوقعات أيضاً، لأن مظلة الأمان والإعلام الغربية التي تشارك نتانياهو موقفه تجاه العرب والفلسطينيين سارعت إلى تبييض صفحته وتسويقه دولياً باعتباره «براغماتياً» وليس متطرفاً.

تهمة الإرهاب ظلت تلاحق مؤسسي حزب «ليكود» لسنوات كثيرة حتى بعد قيام الكيان العبري. هذه الصفة أطلقت على مناحيم بيغن من جانب الحلفاء في بريطانيا، ومن جانب كبار العلماء والمفكرين اليهود من أمثال ألبرت آينشتاين وحنة أرندت وغيرهما. وصفة الجزار لاحقت شارون من القبية مروراً بغزة ضد الاحتلال، ووصولاً إلى صبرا وشاتيلا وظلت معه إلى مماته. وبين مؤسسي «ليكود» لعل إسحاق شامير يستحق لقب موقع الصدارة بين المتهمين. فحينما توفي شامير قبل عامين، نعاه رئيس الحكومة نتانياهو كزعيم «انتمى إلى جيل العمالقة الذين أسسوا دولة إسرائيل».

بين المنتمين إلى هذا الجيل من «العمالقة» – مع أن بن غوريون وشامير كانا قصيري القامة – اختلف شامير عن بن غوريون بأنه لم يمتلك الثقافة السياسية وعن مناحيم بيغن بأنه لم يمتلك الكاريزما، واختلف عن أبراهام شتيرن الذي كان يروج للإرهاب كتابة، بينما شامير مارس الإرهاب ضد الفلسطينيين وغير الفلسطينيين بيده وبإشرافه. الفرق بين شامير وغيره أن تجربته في ميدان الإرهاب كانت الصفة الغالبة على شخصيته إلى درجة أن الذين تابعوا سلوكه كرئيس للحكومة وجدوه لا يزال يعمل في الظلال، فيفضل الاجتماعات الثنائية والابتعاد عن اللقاءات العلنية، وكأنه لا يزال ناشطاً في عصابة «شتيرن»، أو في جهاز «موساد» الذي انضم إليه في ما بعد للقيام بكل أنواع النشاطات التي كان يقوم بها سابقاً.

لقد تصرف شامير كإرهابي «نموذجي» فرفض التنصل من تهمة الإرهاب. على العكس من ذلك حاول أن يضفي على الإرهاب قيمة أخلاقية فكتب قائلاً: «لا الأخلاق اليهودية ولا التقاليد اليهودية تمنع استخدام الإرهاب كوسيلة من وسائل الحرب… نحن بعيدون جداً من أي تردد معنوي عندما نمارس النضال القومي»… «إن هذا الإرهاب هو، أولاً وقبل كل شيء، جزء من الحرب السياسية التي تتلاءم بأفضل لغة ممكنة مع الأحوال القائمة». فهل تغيرت الأحوال القائمة بحيث بات من المستطاع أن تقلع حكومة نتانياهو عن استخدام لغة الإرهاب ضد الفلسطينيين والعرب؟ وهل تغيرت هذه الأحوال على نحو يبيح لحكومة نتانياهو التصرف كحَكَم في التمييز بين الإرهابيين وغير الإرهابيين؟

قد يقال هنا: صحيح أن المنظمات الصهيونية مارست الإرهاب في الماضي، ولكن بعد قيام إسرائيل، تخلى هؤلاء عن السلاح واندمجوا في الحياة السياسية السلمية. فضلاً عن ذلك، تقول الرواية إن ذلك الجيل من المؤسسين قد مضى، وحل محله جيل جديد لم يمارس الإرهاب. هذه المتغيرات تسمح، إذاً، لحكام إسرائيل اليوم أن يتحفظوا عن دخول «حماس» الحكومة الائتلافية الفلسطينية. ولكن هل تنطبق هذه الصورة على واقع الحكام الإسرائيليين اليوم؟

نسمع يومياً ونقرأ كل يوم شهادات كثيرة حول المناخ الإرهابي الذي يسود إسرائيل والموجه أساساً ضد العرب وضد الفلسطينيين. بين هذه الشهادات صدر أخيراً كتاب مهم للصحافي والمؤرخ العسكري البريطاني باتريك بيشوب، في عنوان «الحساب: الموت والمكيدة في أرض الميعاد». وبعد أن يعرض بيشوب نماذج من الأعمال الإرهابية التي قام بها الصهاينة ضد الفلسطينيين وضد البريطانيين، فإنه يبين الكثير من الأوجه التي تدل على أن هؤلاء حملوا معهم إلى كراسي الحكم تراث الإرهاب.

إنه يشير إلى أن نظريات شتيرن حول زواج القومية والدين باتت هي الغذاء الفكري للنخبة الحاكمة ولمناصريها من الشباب ومن المتدينين المتعصبين. ولقد اقتبس الزعماء الإسرائيليون الحاليون من القومية والدين كل ما يشجع على التعصب والعنف، وابتعدوا عما يحض على الابتعاد عن ارتكاب المظالم والافتراء على الجماعات البشرية والنيل منها ومن حقوقها. وفي ظل هذا النوع من التفكير تنتشر فكرة أن إسرائيل هي دولة يهودية وليست ديموقراطية، وهي الفكرة التي كان مائير كاهانا، زعيم حزب «كاخ» العنصري والإرهابي أول من بشر بها ودعا إلى تطبيقها.

ويعرض بيشوب في كتابه أيضاً المبادرات التي لا تنقطع لتمجيد الإرهابيين، خصوصاً من عصابة «شتيرن» الذين قاموا بتفجير المراكز العربية والفلسطينية خلال الأربعينات. وفضلاً عن عبارات التحبيذ والتمجيد التي يخص بها الزعماء الإسرائيليون أولئك الإرهابيين الذين تتلمذوا على أيديهم، فإن البلديات التي يسيطر عليها الليكوديون والمتطرفون لا تكف عن إطلاق أسمائهم على الشوارع الجديدة التي تشقها وعلى المدارس التي تبنيها. وتنتشر بين الزعماء الإسرائيليين ممارسات تدل على إعجابهم وتعلقهم بقادة المنظمات الإرهابية. منها مساهمتهم في تحويل المكان الذي قتل فيه أبراهام شتيرن إلى مزار يتوافد إليه «الحجاج» بكثرة للترحم عليه. ومنها أيضاً إطلاق اسمه الصريح أو السري على أولادهم، كما فعل بنيامين نتانياهو.

لو كان هناك تعريف متفق عليه دولياً للإرهابي لوضع بنيامين نتانياهو و «عمالقة» إسرائيليون كثر في قفص الاتهام وليس على منصة المدعي العام. إن الحرب ضد الإرهاب هي واجب إنساني، ولكنها تشكو من ثغرات أساسية منها أنها تستخدم لخدمة إرهابيين وإرهاب من لون معين مثل اللون الإسرائيلي، وتسمح للدول أن تمارسه من دون أن توجه إليها تهمة الإرهاب بدلاً من أن تكون حماية المجتمعات البشرية من إرهاب الدول والجماعات والأفراد هي هدف الحرب ضد الإرهاب.

الحياة اللندنية

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً