جردة سريعة لنتائج «الحلم الأميركي»… بقلم: جان عزيز

shello
shello 2014/03/18
Updated 2014/03/18 at 10:46 صباحًا

فهرس6

 

ليس بسيطاً مشهد الفوضى الذي تعمل إدارة واشنطن على زرعه في أنحاء العالم. بعضه مفهوم على خلفية الثأر المصحوب بالمصالح. وبعضه الآخر غير مفهوم بأي منطق كان. وقد تمضي عقود طويلة قبل أن تُرفع السرية عن ملفات الدوائر الاستخبارية في لانغلي أو غيرها. أو قد يكون علينا أن ننتظر «ويكيليكس» ثانية أو إدوارد سنودن آخر، لنكتشف خفايا «الانقلابات» المقنعة التي تتم منذ فترة في أكثر من نقطة من العالم، تهتم بها السياسة الأميركية وتهمّها.

ففي فنزويلا، مثلاً، كأن ثأراً حديثاً من أيام تشافيز ينفذ ضد خلفه. ثأر يذكّر البعض بانقلاب ألليندي في سانتياغو. ذاك الانقلاب الذي صودف أنه تم يوم 11 ايلول ايضاً. وهو ما رأى فيه ناووم تشومسكي 11 أيلول الأول، قبل 28 عاماً من 11 ايلول 2001! في طرابلس الغرب سلسلة من الانقلابات شبه اليومية. كأنها أيضاً ثأر آخر من القذافي. كأن ميتته المروّعة لم تكف لاعتبار من يقف في وجه «روما الجديدة». حتى هناك كان ثمة 11 ايلول ثالث، ذهب ضحيته سفير أميركي. سقط شهيداً بريئاً من أحقاد البربريين الذين قتلوه، كما شهيد سياسات إدارته. فيما ليبيا تنازع قبل تفكّك وحدتها القمعية الاصطناعية، وتكابد دفع الغرب لها صوب تقسيمها المثلث. أما جارتها مصر فتعيش بالمياومة. بين ثورة لم تعش وأخرى لم تصل بعد. وبين هواجس انفراط جغرافيا وإحباط ديمغرافيا، صارا فجأة مصرين لا مصر واحدة، طالما أن الكلمة مفرد أمصار! في قطر، حصل الانقلاب باللون الأبيض. جاء ضابط أميركي، سلم رسالة «البلاغ رقم واحد» ورحل. فحدد أمير وشيخ موعد رحيلهما فوراً. هما من كانا قبل اسابيع قليلة يفكّران على أنهما حاكما إمبراطورية إقليمية عظمى، ووكيلان حصريان للقيصر، من الخليج حتى المتوسط. حتى أن أحدهما ــــ لسخرية القدر ولعنته ربما ــــ لم يتوان عن مكاشفة القذافي نفسه، قبل اسابيع قليلة من شن الحرب عليه، بأن واشنطن طلبت منه إعداد الدراسات اللازمة لتقسيم السعودية. السعودية ذاتها التي أنشئت مع أول بئر بترول سنة 1932، وعاشت ثمانين حولاً، كما أعمار حكامها، في الحاضنة الأميركية. منذ جاءها روزفلت تواً من اجتماع يالطا. فيما الإعلام الأميركي اليوم، بدأ ينشر على صفحاته خرائط مشاريع تقسيمها، في شكل متزامن مع انشغال واشنطن بمشروع يالطا الثانية…
الفوضى نفسها حملها الأميركيون ومعهم كل الغرب حتى حدود روسيا. قبل شهر بالتمام كان رئيس أوكرانيا قد تشاور مع موسكو ووافق على تسوية. وقّع في 21 شباط على وثيقة حل داخلي. غير أن الحسابات الخارجية لم تتوافق مع بيدر كييف. فاستمر الشغب. وتحول فجأة من السلمي إلى العنفي. سقط الضحايا، حطب الثورات الملونة وأدوات السياسات المتلونة. فتكرر مشهد 2004. هل يُعقل ألا تكون واشنطن قد توقّعت رد فعل موسكو؟ هل من المنطقي أن يكون الأميركيون قد غفلوا عن أن خليفة بطرس الأكبر لن يترك أرض الأمير فلاديمير لقمة سائغة للغرب «المنحل المتحلل»، كما تصفه بروباغاندا الكرملين الجديد القديم؟ وأنه لن يسكت ولن يتراجع وسيكون جاهزاً مستنفراً كل جيشه وحصانه الأبيض وثياب لاعب الجودو، للذود عن ماضي القيصرية الحاضر اليوم مستقبلاً ومصالح؟! فرضيات كثيرة قد تبرز في هذا السياق: منها أن واشنطن غير مهتمة برد موسكو ولا بحسابات ما بعد ردّها. فهي في كل الأحوال رابحة. يكفيها أنها تغرز شوكة، ولو نيو ــــ نازية، في خاصرة الدب الروسي الحالم باستعادة زمن الثنائية القطبية. وهي تخزّه بها مجاناً. بلا كلفة مال ولا تضحية رجال. فإما أن تزعجه، وإما أن يزعج أوروبا. وفي الحالتين كسب أميركي. ثم إن هدف واشنطن ليس ضم غرب أوكرانيا إلى اتحاد كاترين أشتون. بقدر ما هو تمدّد الأطلسي إلى عنق الرفيق بوتين. هنا تبرز الفرضية الثانية للمغامرة ــــ أو المقامرة ــــ الأميركية. ماذا لو كان الرهان أو الهدف، هو تحديداً ما بدأ يولد من شبه جزيرة القرم؟ ماذا لو كان الغرض الأمركي المكتوم السري، دفع أحدهم إلى بداية تغيير الحدود في ذلك العالم القديم؟ وإعادة فضح خريطة القارة العجوز، على هشاشتها واصطناعيتها المتفجرة؟! بعد اليوم، وأياً كانت الحلول الأوكرانية، الأكيد أن القرم ستبقى روسية. خطوة قد تتحوّل أول حجر دومينو في لعبة خاضتها واشنطن مرتين سابقتين خلال ربع قرن. الأولى يوم سقط الاتحاد السوفياتي وصولاً إلى ما كان يوغوسلافيا. والثانية يوم رعت واشنطن نفسها قيام كوسوفو، خلافاً للقانون الدولي والشرعية الدولية اللتين تتذرّع بهما اليوم. فهل يكون المطلوب من القرم أن تكون الحجر الثالث والثابت، للعبة دومينو يحلم بها الأميركيون، كما يحلمون بحفلة مصارعة «سماك داون»، أو دربكة قطيعين في مباراة فوتبولهم الخاص، أو سحق زمرة من لاعبي هوكي على زجاج شفاف يتيح كل الإثارة لمشاهدتهم؟
هل يُمضي أهل القرار الأميركي أوقاتهم هذه الأيام أمام شاشاتهم العلنية والسرية، إلى جانب حزمة زجاجات جعة وأكياس بوشار، وبقايا تنورة لبائعة سيكار أو هوت دوغ، وهم يترقبون ما بعد القرم؟ فكل حدود أوراسيا وكل أوروبا مثل القرم. من بولونيا إلى فرنسا. ومن الباسك إلى اسكوتلندا. والأهم، هل يريدون بعد ذلك أو قبله، الفوضى نفسها لمنطقتنا، حيث لا يزال كتاب التاريخ يورد أن ويلسن، سلف أوباما، كان ضد سايكس ــــ بيكو؟ بين «الحلم الأميركي» الممسوخ كابوساً خارج «أرض الأحرار»، وبين «الفوضى الخلاقة» لفوضى مستدامة، كل شيء في حساب العم سام ممكن.

الاخبار اللبنانية

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً