جغرافية القيم الأوروبية

shello
shello 2014/06/05
Updated 2014/06/05 at 9:45 صباحًا

KNFragileFlag_220

باريس–  في مواجهة إعادة تأكيد روسيا على تقاليدها الإمبراطورية والأساليب الخادعة والانعكاسات من الماضي السوفييتي، كيف ينبغي لأوروبا أن تستجيب؟ هل تعطي الأولوية لقيمة الجغرافيا أم لـ”جغرافية القيم”؟
أولئك الذين يتجهون إلى الخيار الأول يفعلون ذلك باسم “واقعية الطاقة” قصيرة الأجل، زاعمين أنه أمر بالغ الأهمية أن يتم التوصل إلى اتفاق مع روسيا، لأن أوروبا تفتقر إلى الغاز والنفط الصخري الموجودين في أميركا. ووفقاً لهذا المنطق، فإن الولايات المتحدة قادرة على الحياة من دون روسيا، على النقيض من أوروبا.
علاوة على ذلك، يرى الواقعيون أن سلوك أميركا المتجاسر في التعامل مع أقدم حلفائها وأكثرهم إخلاصاً -والذي انعكس في فضائح المراقبة الأخيرة التي تورطت فيها وكالة الأمن القومي- تسبب في إفقاد فكرة “مجتمع القيم” مصداقيتها. وإذا كانت أميركا لم تعد تحترم القيم التي تتفاخر بها، فما الذي قد يجعل الاتحاد الأوروبي يخسر الوفاق مع الكرملين باسم التمسك بهذه القيم؟
يزعم هؤلاء الواقعيون أيضاً أنه من خلال مواءمة مواقف الاتحاد الأوروبي مع مواقف حلف شمال الأطلسي، فقد اختارت أوروبا بتهور إهانة روسيا -وهي طريقة عمل غير مجدية وخطيرة. وقد حان الوقت، كما يقولون، لتفعيل سياسة تهدف إلى التوفيق بين الحس التاريخي والجغرافي السليم وبين ضرورات الطاقة. والواقع أن مستقبل أوروبا يرتبط ارتباطاً شديداً بمستقبل روسيا، في حين أدارت أميركا ظهرها لأوروبا، بدافع من عدم الاهتمام إن لم يكن خيبة الأمل. والاحتفال بالماضي المجيد -الذكرى السبعين لساعة الصفر (نزول قوات الحلفاء على شواطئ نورماندي في فرنسا المحتلة)- من غير الممكن أن يخفي الحاضر المنكمش: فبالرغم من أن أوروبا قد تحاول تنويع مصادر الطاقة، فإنها لا تستطيع أن تستغني عن روسيا في المستقبل المنظور.
يتساءل الواقعيون عن السبب الذي قد يدفع المرء إلى الموت من أجل الأوكرانيين الذين هم أكثر فساداً وأقل تحضراً من الروس أنفسهم؟ وقد حصلت أوكرانيا على الفرصة كدولة مستقلة ولكنها فشلت، فكانت ضحية لفساد نخبها السياسية. لقد حان الوقت لإغلاق هذا الفصل التعيس.
وهذه الرؤية ليست نظرية. فبوسعنا أن نجدها في مظاهر متنوعة في مختلف أنحاء الاتحاد الأوروبي، على اليمين واليسار، وفي كل المهن. ويبدو أن تصور انحدار الولايات المتحدة النسبي وفقدان الاتحاد الأوروبي العميق للثقة في قيمها ونموذجها يضفي الشرعية على الموقف الذي ينبني في كثير من الحالات على بقايا مشاعر أقدم عهداً من معاداة أميركا.
أما المسار الآخر، الذي يؤكد على إعلاء شأن جغرافية القيم على قيمة الجغرافيا، فهو ذلك الذي اختاره الآباء المؤسسون للمشروع الأوروبي وحلف شمال الأطلسي. ووفقاً لهذه الرؤية، فإن الفشل في إدراك مخططات بوتن الإمبراطورية من شأنه أن يزيد من خطر وقوع أوروبا فريسة لشكل غير كريم من أشكال التبعية.
بالنسبة لأوروبا، فإن الالتفات إلى أصوات صفارات الإنذار القادمة من الشرق -التي تعزف لحن التكامل بين قوة روسيا الاستراتيجية وقوة الاتحاد الأوروبي الاقتصادية- سوف يكون أقرب إلى دفع الإتاوة لعصابات المافيا طلباً للحماية. ولكن، كيف لنادي الديمقراطيات أن يعتمد بشكل كامل على قوة استبدادية تعرب علناً عن احتقارها لأنظمة أعضائه السياسية “الضعيفة” لتأمين نفسه؟
ليس من قبيل المصادفة أن يجد هذا الخطاب الروسي الذي يعارض الديمقراطية والمهاجرين والمثلية الجنسية الدعم بين أكثر أحزاب الاتحاد الأوروبي محافظة وتطرفاً وانغماساً في النزعة القومية. وعلى النقيض من هذا، فإن نموذج الاتحاد الأوروبي يستمد قوته وجاذبية من طبيعته الديمقراطية. ويبدو أن الأوروبيين الذين توقفوا عن الحلم بأوروبا، والذين يعتبرون السلام والمصالحة، وقبل كل شيء الحرية، من الأمور المفروغ منها، لا يدركون حجم المخاطر.
الواقع أن تبني منطق المصلحة الوطنية في التعامل مع قضية الطاقة، على النحو الذي يجعل أوروبا معتمدة على روسيا لتدبير نحو ثلث مواردها من الطاقة، قد يكون بمثابة الانتحار. ولا وجود للبدائل. ولن تستطيع أوروبا أن تقول “لا” للكرملين وشركة غازبروم، إلا إذا امتلكت الإرادة اللازمة للقيام بذلك.
إن السياسة الوحيدة الممكنة التي قد تكون واقعية وكريمة، تتألف من تركيبة من الحزم والعزيمة لوضع حدود لروسيا بقيادة بوتن. ولأن أميركا لم تعد كما كانت على وجه التحديد (بعد أن فعلت الكثير في عهد جورج دبليو بوش والقليل في عهد باراك أوباما)، فإن التحالف الذي يستند إلى القيم يصبح أكثر أهمية من أي وقت مضى.
هذه القيم هي التي أدت إلى سقوط سور برلين وحفزت المتظاهرين في كييف على تحدي الشتاء الأوكراني الوحشي، فخرجوا إلى الهواء الطلق في الميدان. ومن آسيا إلى أفريقيا، يبدو أن الناس لديهم فهم أفضل كثيراً من الأوروبيين لأهمية القيم الأوروبية. وما عليك إلا أن تنصت إليهم وهم يشيدون بالسلام والمصالحة، وحتى المساواة النسبية (مقارنة بالولايات المتحدة) في قارة أوروبا.
بالنسبة للاتحاد الأوروبي، فإن الاختيار لم يكن قط أكثر وضوحاً مما هو الآن. وإذا كان له أن يبقى ويزدهر، فلا بد أن يضع جغرافية القيم فوق أي شيء آخر.

دومينيك مويسي*

*مستشار رفيع في المعهد الفرنسي للشؤون الدولية، وأستاذ في المعهد الدبلوماسي الفرنسي.
*خاص بـالغد، مع “بروجيكت سنديكيت”.

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً