جنرال ليبيا في متاهته

shello
shello 2014/06/02
Updated 2014/06/02 at 9:25 صباحًا

65xncycn

تقف ليبيا على عتبات الانزلاق في أتون أسوأ عنف تشهده منذ ثورة العام 2011، والذي يلقي بالبلد في داخل مرحلة جديدة من الانتقال المثقل بالمشاكل، ويشكل تحديات جديدة للولايات المتحدة. فقد شن الجنرال المتقاعد، خليفة حفتر، الذي يقود ائتلافاً متنوعاً من القبائل الشرقية وضباط الجيش السابقين والساسة ذوي الاتجاه العلماني، هجوماً ضد الميليشيات الإسلامية في بنغازي. وانشقت لتنضم إلى جانبه وحدات بكاملها من سلاح الجو وقائد القوات الخاصة الكارزمية في المدينة.
سرعان ما انتقل العنف إلى طرابلس. فقد عمد حلفاء حفتر في العاصمة إلى مهاجمة النواب المنتخبين في البلد، المؤتمر الشعبي العام، مطالبين بإغلاقه. كما انضمت إلى قوات حفتر ميليشيات قبائلية من مدينة الزنتان الواقعة في غربي ليبيا، والتي تكن العداء للإسلاميين. وفي الرد على ذلك، قام المؤتمر الشعبي العام، الذي يهيمن عليه الإسلاميون، بدعوة ميليشياته الحليفة من مدينة مصراتة من أجل الدفاع عنه.
مع ذلك، يبدو البلد وأنه قد تفادى حتى الآن اندلاع حرب أهلية واسعة النطاق. وفي الأثناء، ما تزال ميليشيات مصراتة المفعمة بالقوة، والتي تعتبر بطاقة قوية، على الحياد. وفي تسوية تلوح في الأفق، ستجري انتخابات لاختيار مجلس تشريعي جديد يوم 25 حزيران (يونيو).
لكن سابقة خطيرة قد سجلت، نظراً لأن ليبيا تنزلق نحو سياسة انقلابية واستيلاء عسكري على السلطة. وتفتح حملة حفتر الباب مشرعاً أمام تحديات عميقة للسياسة الأميركية التي ما تزال حتى اللحظة تشهد سيطرة الصراعات على بنغازي، وتركيزا على مكافحة الإرهاب والتزاما ببناء جيش ليبي جديد.
تبدو الانقسامات في ليبيا معمقة ومتعددة الأبعاد، ولا يجب أخذ رواية الليبراليين في مقابل الإسلاميين على عواهنها. ففي بنغازي، يتحدث أصدقاء لي عن سيادة مشاعر الإعياء والخوف بسبب المطحنة اليومية للعنف في المدينة. وفي الحقيقة، ثمة آخرون يشعرون بخيبة الأمل من المؤتمر الشعبي العام الذي يسيطر عليه الإسلاميون، والذي لم يفعل سوى النزر اليسير للسير قدماً بالبلد. وينظر إلى حفتر على أنه إما بطل سيخلص البلد من سياط العنف وإعادته إلى مسار الديمقراطية (إذا صدقت تعهداته)، أو رجل قوي في الانتظار، مثل العديد من القادة العرب، على استعداد لركوب الموجة الشعبية من أجل الارتقاء إلى سدة السلطة.
تبدو التشابهات مع عبد الفتاح السيسي في مصر واضحة، ولو أنها لا تجب المبالغة في تصويرها. فقد سُمعت في بنغازي، في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، دعوات متعددة لقدوم شخصية على غرار السيسي لتخليص البلد من الإسلاميين. ويبدو أن حفتر يستجيب لتلك المناشدة. ففي تصريحات صحفية، أعلن الجنرال ذو الشعر الرمادي أن هدفه هو “تطهير” ليبيا من الإخوان المسلمين ومن الإرهابيين. وتحدث مؤخراً نيابة عن “المجلس العسكري الأعلى” الذي يبدو أن اسمه مشتق مباشرة من مصر. وقد طرح خطاباً خطيراً يتضمن “التطهير” وعدم التسوية بلد يتوافر على تاريخ من بناء إجماع. ولا تبشر النتائج بخير بالنسبة لاستقرار ليبيا.
تمس الحاجة، في الأثناء، إلى إعادة تقويم تركيز الولايات المتحدة على إعادة بناء الجيش كرد فعل على أحداث بنغازي وكغرس وتد ضد الإرهاب الإسلامي. ولم يعد من الممكن في ليبيا اليوم التحدث عن جيش واحد وحسب في مقابل ميليشيات، بل عن جيوش عدة يدعي كل منها الشرعية والسلطة. وحتى قبل اندلاع العنف الأحدث، عصفت أنواء مجهولة بخطة أعدتها الولايات المتحدة -سوية مع بريطانيا وتركيا والمغرب وإيطاليا- لتدريب ما يعرف باسم “قوة الهدف العام” من حيث شمولية ومهمة القوة والإشراف المدني عليها. وعلى ضوء الاستقطاب الذي تشهده ليبيا، فإن من الممكن أن ينتهي المطاف بالبلد وقد أصبح بسهولة حارس قصر أو ميليشيا خاصة بقائد طموح مثل حفتر.
إن ما تمس الحاجة إليه راهناً هو إحداث نقلة إلى طريقة أكثر شمولية فيما يخص الأمن الليبي. ولا يتعلق الاستقرار هناك ببساطة بتدريب وتجهيز جيش جديد، وإنما يتطلب خلق هيئة على شكل مجلس للأمن القومي ووقف الدفعات السرية من تحت الطاولة إلى الميليشيات، وزيادة الرواتب للجيش والشرطة النظاميين وغير ذلك من التحسينات في البنية التحتية، لضمان أن لا تتحلل القوة الجديدة على طول الخطوط الفصائلية أو المناطقية.
لكن الحل النهائي لمتاعب ليبيا الأمنية يكمن في العالم السياسي -وتحديداً صياغة دستور وإصلاح المؤتمر وإجراء مصالحة قومية تحت رعاية عملية “الحوار الوطني” المستمرة. وهذه منطقة تستطيع فيها الولايات المتحدة ولاعبون خارجيون إسداء النصح وتقديم المساعدة المحسوبة، لكن الذي يجب أن يقوم بتحمل العبء النهائي هو الليبيون أنفسهم.
لعل الأهم من كل شيء هو أن على واشنطن أن لا تستجيب للتجييش السلطوي في البلد، والمتجسد في شخصية حفتر، بغض النظر عن أي مزايا ممكنة غير أكيدة وقصيرة النظر. وستكون هذه صفقة فاوستية ضارة، ليس لمستقبل ليبيا على المدى البعيد فقط، وإنما لقيم أميركا ومصداقيتها أيضاً.

فردريك فهري – (لوس أنجلوس تايمز)

 

*عضو رفيع في برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي.

 

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً