جهاز كيري العبثي لصناعة “اللاسلام”…بقلم: وليم كوك

shello
shello 2014/03/04
Updated 2014/03/04 at 11:03 صباحًا

Untitled-1

من أجل الاستيعاب الأمثل للعقلية الإسرائيلية، ومرجعية الكراهية الصهيونية، ومن أجل قطع كل الشكوك باستحالة تحقيق السلام مع إسرائيل مهما اختلفت ألوان مبادرات السلام وأجهزة صناعة هذا السلام عديمة الجدوى، يعرج الكاتب الشهير وبروفيسور اللغة الإنجليزية، وليم كوك، مبتعداً عن السجال السياسي التقليدي في وصف “قصة” إسرائيل وتناول القضية الفلسطينية، ليستعير بعضاً من الأدب اليهودي السيريالي، الذي قام الكاتب “فرانز كافكا” بروايته قبل أكثر من نصف قرن من إقامة هذه الدولة العنصرية. وفرانز كافكا، هو كاتب تشيكي يهودي كتب بالألمانية، ورائد من رواد الكتابة الكابوسية. وهو يعد واحداً من أفضل أدباء الألمان في فن الرواية والقصة القصيرة، عاش ما بين الأعوام 1883 و1924، تعلم الكيمياء والحقوق والأدب في الجامعة الألمانية في براغ (1901)، وهو يتحدر من عائلة يهودية متحررة. وخلال حياته تقرب من اليهودية، فتعلم العبرية وأمضى وقته في الكتابة الأدبية التي رأى فيها هدف وجوهر حياته. وقد نشرت كتابات كافكا بعد مماته، على يد صديقه المقرب ماكس برود، الذي لم يستجب لطلب كافكا بإبادة كل كتاباته بعد موته بسبب قناعه “كافكا” بحتمية الإبادة والتدمير الذاتي كنهاية لكل قصة أو قضية “كقصة إسرائيل” و”وجودها”. كانت حياته مليئة بالحزن والمعاناة، بما في ذلك علاقته بوالده. حيث كان كافكا مثقفا حساسا وقع تحت حكم والد مستبد وقوي. وعن والده، واستبداده، وواقع حياته المحصورة ضمن جدران الخوف والكراهية في منعزل حيه اليهودي في براغ، كتب كل إنتاجاته. (مداخلة من المترجم).
لقد قام الصهاينة بفرض وجود دولة إسرائيل على الشعب اليهودي، عبر استغلال الخوف المتجذر في قلوب اليهود. وأوهمت الصهيونية اليهود بأن العالم يرغب في تدميرهم والقضاء عليهم. وليس من مكان يحتمي فيه يهود العالم إلا في فلسطين، حيث تتركز فيها حقوقهم التاريخية في الأرض، وحيث يمكنهم حماية أنفسهم بأنفسهم من جميع أعدائهم؛ إلا أنهم في حاجة إلى ضمان هذه الحماية عبر الربط بين بقائهم على قيد الحياة وبين تلك الأمم التي لديها القوة والقدرة والرغبة في ضمان أمنهم. وهذا يتطلب منهم بالتالي، السيطرة على مثل هذا “الحبل السري” المرتبط بأصدقاء لهم مثل الولايات المتحدة الأميركية، وإنجلترا، وفرنسا، وألمانيا، وكندا، وأستراليا، والذين سيصبحون في نهاية المطاف بمثابة “المحامي” و”الحامي” لهم. ذلك يشبه تماماً قصة الحاخام لوف الذي ابتكر كائنا غولاً توراتياً أسطورياً (
Golem)، ليحمي المعزل اليهودي في براغ في القرن السادس عشر (يمكن الاطلاع على القصة في كتاب “أمة الغيلان”A Nation of Golems,” Cook, 2009).
بالإضافة إلى جوقة “المحامين” و”الحماة” هؤلاء، هناك الحاجة إلى قبضة قانونية محكمة، يتم استخدامها ضد كل “أولئك الذين ينتقدون الدولة الصهيونية”، ومن الأمثلة على ذلك، القانون الصادر عن الكونغرس الأميركي بتاريخ 6/2/2014 في الجلسة الثانية للكونغرس الأميركي 113 لسنة 2014، تحت رقم (
H.R. 4009(113th Congress, 2nd Session, 2014)؛ حيث تم تمرير مشروع قانون، يتم بموجبه تعديل قانون التعليم العالي الخاص بسنة 1965، وذلك لحجب التمويل الحكومي عن المؤسسات التعليمية الأميركية المشاركة في أي نشاطات تقاطع المؤسسات الأكاديمية الإسرائيلية بموجب هذا القانون”). حالياً في إسرائيل، توجد عقلية مدفوعة بقوى تفوق نطاق المنطق وتتعداه. ويقدم الروائي “كافكا” تصوره لهذه الظاهرة في كتابه: “التحولات” Metamorphosis، والذي يتناول قصة نوعية سوريالية، يستيقظ بطل الرواية فيها ذات صباح ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة عملاقة. ومع ذلك، يبدو أنه قد حافظ على استقرار قواه العقلية. لكن مخاوفه تنبع من كونه رجلاً فاته القطار، واضطراره إلى مواجهة عائلته التي قام بصدها عبر سلوكه المقيت، وخوفه من والده المستبد بشكل مريع، وفقدان وظيفته، إضافة إلى خسارته للمال الذي كان مخصصاً لعائلته. تلك الاضطرارات المحتملة التي أدت وبسبب خوفه الفطري من احتمال طرده، أو من احتمال موته، ليتحول إلى حشرة مسخ كريهة هائلة. كلماته لم تكن مفهومة ووعيه الفطري لمحيطه جعله يشعر بالاختلاف عن الواقع المحيط به، بل جعله يشعر بأنه غير مؤهل ليكون مرحباً به في مجتمعه. وفي نهاية المطاف، ليصبح منبوذاً ومطروداً بل ومدمراً في صميم ذاته. هذا الخوف العميق، الذي ينبض بداخله، ويقض مضجعه خلال منامة، ربما أصبح ككابوس مرعب، لكنه بدا له كواقع حقيقي.
قال “كافكا” ذات مرة: “أنا من صميم خيال وجداني الجمعي، وأنا غير قادر على أن أكون من صميم أي شيء آخر”. فمنزله الذي عاش فيه، ومدينته المحيطة بمنزله، والجدار المحيط بالمدينة بصورة مجازية، كلها كانت كمرآة عكست هوية ذاته الحقيقية كراو للقصص؛ جدران داخل جدران، داخل جدران، ومن ثم الاستيقاظ داخل غرفة نومه المحاطة بالمزيد من الجدران بعد كل ليلة من ليالي أيام حياته. تلك الجدران تحكي واقع العالم الحقيقي الذي عاش بداخله. عالم من الخيال، أما الحقيقة، فتأتي على هيئة أحلام، توقظ في ذاته مخاوفه العميقة الكامنة. مخاوف أولئك المجبرين على الحياة في منعزل منفصل عن جميع الآخرين، بسبب هويتهم المختلفة المغلفة بعقلية قبلية مغلقة. تلك العقلية التي تعتمد في معناها وفهمهما للذات على أولئك الذين يتحكم بهم منطقهم الخاص، لكنها لا تحدد لهم ماهيتهم فقط، بل ومن هم أيضاً، ولماذا هم، ومن ثم كيف سيتصرفون بسبب عقلية الخوف المتجذرة في ذواتهم. كذلك تماماً، أحاط عالم “كافكا” الضيق حياته بأكملها في أحد أقدم الأحياء اليهودية الأوروبية المعزولة والمنعزلة في براغ. وكما سماها “كافكا”: “زنزانة سجني-هي قلعتي”. لكن “كافكا” تحول في حلمه إلى حشرة مسخ، بشعة وكريهة، لينطلق خارج قبضة واقعه المسيطر عليه ومعتزل حيه اليهودي، عبر تقزيم كل تلك الجدران المحيطة بغرفته، وسقف تلك الغرفة، وليتحرر بعدئذ من “مستعمرته العقابية”، هروباً من “الحكم”، وتملصاً من “المحاكمة”، ليجد حياة جديدة، لعلها كانت حينها في أميركا.
يجسد كتاب “التحولات” حالة العقلية القبلية المتزمتة، حيث الوجدان المقيد والمحاصر داخل مجتمع مغلق يفرض على كل فرد من أعضائه مجاراته واستيعابه، رغم استحالة هذا الاحتمال. ليس لأن المجتمع يرفض بوعيه هذا الاستيعاب، وإنما لأن الفرد يخشى من (الآخرين) من أفراد القبيلة، ومن كل من هم ليسوا من القبيلة. فإذا حاول الانفلات خارجاً، تولد خوف عميق لديه من أن يجده هؤلاء الآخرون بغيضاً، مثل الحشرة البشعة الكريهة “المسخ”، فيصبح منبوذاً. لذلك، لا يجد لنفسه مهرباً من تلك القبيلة، ومن مخاوفها المدفونة عميقاً داخل وجدانها، سوى عبر تدمير كل من قد يعتبرهم “الأعداء”، بغض النظر عن احتمال مسالمة هؤلاء “الأعداء”، أو إمكانية مهادنتهم، أو صفاء نيتهم، أو عدم وجود أسباب للخوف منهم، لكن عليه تدميرهم لأنهم ليسوا من القبيلة.
تحليل “كافكا” الرائع واختراقه للعقلية القبلية، وسيطرتها الغادرة عليه وهو المراقب، والقاضي الذي يسترشد بقاعدة بسيطة: “الشعور بالذنب ليس أبداً موضع شك”. قاعدة لا تنطبق فقط على من هم ليسوا من القبيلة، وإنما على أعضاء القبيلة ذاتهم كذلك، كلهم مذنبون، وجميعهم يهددون الأمن، وسيطرة الكيان الصهيوني، ولتصح العبارة: “اليهودي كاره للذات”. وكما يفتخر “الضابط” بإجراءات “المستعمرة العقابية” في تحديد الذنب، فإن المدانين جميعهم يكونون تحت سيطرة السلطة، ولا يمكنهم توقع الحصول على أي حقوق تحت القانون، وهم يفهمون أن المسيطرين لديهم السلطة المطلقة للاعتقال، والسجن، والإدانة، والحكم بالموت، أو بأي شيء آخر ضمن صلاحياتهم المطلقة، كالاعتقال بدون محاكمة، والسجن إلى أجل غير مسمى، والتنفيذ، فضلاً عن القيام بالاغتيالات خارج نطاق القضاء والقانون.
وعند مساءلة “الضابط” عن إجراءاته العقابية وسؤاله عن شرعيتها، وحيث إن الأسئلة الواضحة بحاجة إلى أجوبة واضحة ومنطقية ليست في متناول يد “الضابط”، حينها يجد “الضابط” نفسه في وضع غير مريح. فكيف لأي شخص مساءلة السلطات عما ينبغي على السلطات فعله لضمان أمن الناس؟ ومن أجل قيام “الضابط” بتبرير موقفه، يجد نفسه وبشكل عفوي وتلقائي، وقد أخضع نفسه للاستجواب تحت نفس “آلة التعذيب” التي كانت مصممة لاستدراج اعترافات المعتقلين، وبالتالي تبرير حكم السلطات، نظراً لأن حكم السلطات لا شك في أنه حكم “عادل فقط”. ومن المفارقة هنا أن “كافكا” يحكي كيف تهيج “آلة التعذيب” هذه، وتثور على صاحبها في نهاية المطاف، ليصبح مصمم هذه الآلة آخر ضحاياها، بعد تحولها إلى وحش لا تمكن السيطرة عليه.
تصورات “كافكا” وتخيلاته تقول إنه عندما تفرض دولة ما إرادتها على إرادة جميع شقيقاتها من الدول، فإنها تصبح بمثابة الوحش أو الغول “
Golem” العملاق الفولاذي، الذي ينتهي بتدمير نفسه وبإرادته المطلقة. إنه يحفر قبره بنفسه في نهاية المطاف؛ تماماً كما يكون حال “الضابط” حسب وصف “كافكا”، والذي تنال منه ذات الأدوات التي استخدمها لتعذيب معتقليه، وحسب أحكام سلطاته هو، ليصبح جسده معلقاً فوق القبر المفترض أن يدفن سجينه فيه. هناك، سيصبح معزولاً، مداناً، ممقوتاً للأبد بسبب وحشيته وجنونه وغطرسته.
لنأخذ بعين الاعتبار، ما اقترفته وتقترفه الحكومة الصهيونية منذ نشأتها تحت سيطرة “الوكالة اليهودية”، والأحد عشر متحكماً بهذه الوكالة اليهودية في البيت الأحمر، والقرارات التي اتخذها هؤلاء نيابة عن اليهود الذين كانوا وقد وصلوا إلى فلسطين. وكما قام الدكتور إيلان بابيه بوصفه في كتاب “التطهير العرقي لفلسطين”، للإرهاب الذي استخدمه الصهاينة ضد حكومة الانتداب البريطاني في فلسطين، من أجل الضغط على البرلمان في لندن للتغاضي عن الجرائم التي ارتكبوها ضد البريطانيين أنفسهم، إضافة إلى التغاضي عن المجزرة التي اقترفوها بحق المدنيين الفلسطينيين في دير ياسين وأكثر من 30 مجزرة أخرى قاموا بارتكابها على أراضي سكانها الأصليين في فلسطين. ومن أجل التحكم بالمهاجرين الجدد من اليهود القادمين من أوروبا، استخدموا أساليب التخويف والتهديد كما هو موثق بالوثائق التي صادرتها شرطة سلطات الانتداب، وكل ما هو الآن متوفر من ملفات السير ريتشارد كاتلينغ في “دار محفوظات رودوس”، والتي ما هي سوى واحدة من الصور الجلية لسطوة الصهيونية بالقوة على اليهود الهاربين من ألمانيا وغير ألمانيا، ومن ثم فرض إرادتها على كلا الشعبين الفلسطيني واليهودي خلال أواخر الثلاثينيات وحتى سنة 1948 من القرن الماضي.
عندما يتم فرض التواطؤ بالجريمة على الناس الأبرياء من خلال الإكراه والتخويف، يصبح لدينا فهم للحقيقة الكامنة في سرد “كافكا” القصصي، وبالتالي يتاح لنا التوقف لبرهة، وإدراك كيف لدولة كهذه شن عدوان على بلد كالعراق من أجل تدمير منشأته النووية، وعلى سورية أيضاً، ومحاولة إجبار العالم الغربي على الاعتداء على بلد مثل إيران؛ إنه إدراك للدوافع الكامنة وراء غزو بلد كلبنان بدون مبررات شرعية؛ وغزو مرتفعات الجولان السورية والتحفظ عليها، بل وقضمها وضمها، وتدمير قطاع غزة بما يخالف كل القوانين الدولية التي ينبغي مراعاتها في تحديد سلوك الدول تجاه غيرها من الدول الأعضاء الأخرى في المنظومة الدولية؛ بل وأيضاً، إدراك كيف لهذه الدولة المارقة أن تذهب بعيداً في تحديها لمنظمة الأمم المتحدة، والسيطرة عليها من خلال السيطرة على الولايات المتحدة الأميركية.
إن كل ما نحن في حاجة إليه من أجل فهم العقلية العدوانية لهذه الدولة، هو ما يعكسه غزوها لقطاع غزة خلال أعياد ميلاد سنة 2008، وعدوانها على شعب ضعيف محاصر بقوات جيش هذه الدولة، وسلاح جوها وبحريتها، إضافة الى استخدام الفوسفور الأبيض المحرم دولياً ضد شعب لا يمكنه الفرار من حتفه أو الآلام الحارقة المهولة التي يتسبب بها هذا السلاح غير الإنساني. فلماذا استخدام مثل هذه الوحشية ضد شعب محاصر من كل الجوانب، لا يمتلك من القوة العسكرية ما يعطيه القدرة للدفاع عن نفسه أو بيوته، أو حتى إمكانية الفرار من إرهاب الغزو اليهودي وعدوانه؟ لماذا يتم استخدام مثل تلك القوة البربرية، مع العلم بأن الشعب المحاصر هذا، لا يمتلك من وسائل القوة ما يكفي لتدمير الدولة الصهيونية؟ ما حقيقة هذا السلوك غير العقلاني الملازم لثوران غضب دولة تزعم التحضر، إلا إن كان هو ذاته خوفا غير عقلاني من “التدمير الذاتي”، إن لم يتم القضاء على الأعداء الافتراضيين كضمان لأمن شعب إسرائيل (يمكن الاطلاع على “غريزة البقاء” في هذا السياق)؟ هنا، يجب الاستماع إلى أصوات أولئك الذين في مواقع السلطة والنفوذ في تبريرهم لمحاولة القضاء على شعب قطاع غزة:
* ابن شارون قال: “سووا غزة بالأرض، أعيدوها للعصور الوسطى، إنهم يجب أن يموتوا”.
* وزير الداخلية الإسرائيلي إيلي يشاي، قال: إن عملية “عمود الدفاع” ستستمر وستتوسع، والحرب على غزة: “يجب أن تكون مؤلمة جداً وصعبة… إن هدف هذه العملية هو إعادة غزة إلى العصور الوسطى. وحين يتحقق ذلك، ستهدأ إسرائيل للسنوات الأربعين المقبلة”.
* مايكل بن آري من حزب الوحدة الوطنية الإسرائيلي، دعا الجنود الإسرائيليين إلى قتل أهل غزة بدون تفكير وبدون رحمة، كما وقال للجنود أيضاً: “ليس هناك أبرياء في غزة، ولا تدعوا الدبلوماسيين الذين يريدون الظهور بمظهر حسن أمام العالم، يعرضون حياتكم للخطر -قوموا بقتلهم الآن”.
* الحاخام الإسرائيلي البارز يوسف يعقوب، ابن الحاخام عوفاديا يوسف، وفي خطبة له في كهف الحرم الإبراهيمي في الخليل، بارك الجنود الإسرائيليين وحثهم على: “أخذ العبر من التاريخ وتعلم كيفية ذبح العدو”.
كيف يمكننا تفسير صرخات الكراهية غير الإنسانية هذه، ضد مكان وشعب هذا المكان الأصلي. ذلك الشعب الذي لم يمتلك القوة أبداً لمهاجمة الدولة الصهيونية إلا بدافع من اليأس المطلق، أو كملاذ أخير لأولئك الذين لهم كل الحق في المقاومة، وكل الشرعية في مهاجمة القوة المحتلة لأرضهم وديارهم بشكل غير شرعي؟
هذا هو صوت الجنون الذي لا يمكنه التواجد في عالم عاقل يشعر بالقلق، والرحمة، والحب، والذي ينشد السلام الحقيقي ويتطلع إليه، وهو ليس ذلك “السلام” أو (شالوم) الذي يستخدمه اليهود في تبرير حقوقهم عبر التحفظ على السلطة المطلقة، والسيطرة على كل من قد يهددون أمنهم، بينما يتنكرون لذات الحق إذا كان للآخرين.
هذا العالم لم يعد عالم مفهوم “القبيلة” القديم؛ وهو عالم يسترشد بالقانون الدولي الذي وضعته شعوب هذا العالم بقبول متبادل. وهذا ينبغي أن ينطبق على دولة إسرائيل أيضاً، ومنذ أن وقعت بالقبول على ميثاق حقوق الإنسان الدولي، ومعاهدة جينيف التي قامت بتعريف جرائم الإبادة الجماعية بناء على جرائم الإبادة التي تعرض لها اليهود ذاتهم على أيدي النازيين. لكننا نجد هذا التعريف لجرائم الإبادة الجماعية، يهان ويتم تحديه من قبل الدولة الصهيونية، التي ارتكبت على مدى عقود طويلة من الزمن، وما تزال ترتكب أبشع جرائم الإبادة الجماعية في فلسطين، تماماً على وقع الإبادة التي كان قد ارتكبها النازيون بحق اليهود ذاتهم، بينما العالم ينظر ويراقب ولا يفعل أي شيء لردع هذه الدولة المارقة الخارجة عن كل قانون.
ربما الآن، يمكننا فهم رواية “كافكا” الخيالية. تلك الرواية التي تستطيع تنويرنا أكثر من أصوات الترهيب الملعون الصامتة؛ وقد صال “كافكا” وجال داخل صدور البشرية وأحشائها، ليكشف النقاب عن مكامن الخوف والكراهية التي تمد دولة إسرائيل بقوة إرهابها المفروض على الشعب في فلسطين، ولبنان، وسورية، والأردن، وفي غزة. ذلك الإرهاب الذي استغلت الصهيونية تعاليم الديانة اليهودية لممارسته من أجل السيطرة على أولئك الفارين من أوروبا، والمهاجرين سعياً وراء الأمن والراحة على أرضٍ ربما كانت لتكون ملاذاً آمناً للشعب اليهودي، جنباً الى جنب مع شعب تلك الأرض الأصلي، لكنها بدلاً من ذلك تحولت إلى قوة احتلال غير شرعية، وعديمة الرحمة، بل ومدمرة ومرتكبة للجرائم بحق هذ الشعب، مالك تلك الأرض الحقيقي، شعب أرض فلسطين.
هذا يقودنا إلى مسألة “جهاز فعل لا شيء” أو “جهاز صناعة السلام” عديم الجدوى الذي يستخدمه الصهاينة لخداع شعوب المعمورة كافة، بالقول إنهم يرغبون نهاية سلمية للأزمة عبر حل الدولتين عن طريق التفاوض. لكنهم في الواقع لا يرغبون بشيء سوى القضاء على الوجود العربي في (إسرائيل)، والقضاء على كل العرب الآخرين الذين يقطنون في (يهودا والسامرة)؛ وكان هذا بالذات هو هدفهم منذ وصولهم بالأساس الى أرض فلسطين. وهكذا، لن يأتي “جهاز السلام” المتولد من جديد بواسطة الثنائي أوباما وكيري بأي سلام، ولن تبصر دولة فلسطينية مستقلة النور عبره أبداً. دعونا ننتهِ هنا بالعبارت النبوئية المؤسفة لأكثر المتحمسين لإسرائيل ولوجه إسرائيل الحقيقي، لصورة إرهابي برؤياه غير الاعتيادية، أحد أكثر الإسرائيليين اعتباراً في تاريخهم البغيض، رئيس وزراء إسرائيل الأسبق مناحيم بيغن، متزعم إحدى أخطر العصابات الإرهابية اليهودية، الذي وصف دير ياسين بالرائعة، وقال: “الحال في دير ياسين، كما هو الحال في كل مكان آخر، سوف نقوم بالهجوم على العدو وذبحه، يا الله، يا الله، أنت من اخترتنا للقيام بالفتح”.
ليس هناك غير هذا الاحتمال المرعب لملء تلك الدولة الجديدة، الدولة اليهودية، الدولة التي استخدمتها الصهيونية لخدمة “المستوطنين”. أولئك الذين لا يفكرون سوى بطريقة تفكير أسلافهم قبل 3500 سنة، بطريقة قبلية، كأولئك الذين يعيشون كل يوم من أيام حياتهم بطريقة غرائزية مسكونة بالكراهية، متنمرين بمخالب الخوف والترهيب، وبشكل دائم، منتظرين أعداء جدداً من القبائل الأخرى الراغبين في تدميرهم. هي عقلية المرعوب من خياله، والمستعد ليسبق غيره بالقتل والذبح والنحر خشية أن يصبح هو الضحية، وبالتبرير الدائم بأن الآخرين جميعهم يشكلون خطراً داهماً يتربص بهم ويريدون إبادتهم بأي وسيلة ممكنة. ومن أجل الإبقاء على هذه العقلية البائدة سائدة في عقولهم، قام الصهاينة بخلق ذلك المكان المحاط بكوابيس جدران الخوف والكراهية الذي لا يختلف عن “جحر كافكا” وحيه اليهودي المعزول في براغ، حيث “الأعداء غير المرئيين يزحفون في الأنفاق المظلمة”، ليبتدع الراوي “كافكا” شخصيته من وحي المكان، وليصبح هو الوحيد في شعوره بأنه “مهدد ومحاط بالأعداء، ليس فقط أولئك الأعداء الخارجيين، بل والأعداء الضمنيين أيضاً، والأعداء في باطن الأرض”، بمن فيهم الأعداء الأسطوريون: “الذين أعتقد بوجودهم جميعاً”.

الغد الأردنية

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً