جهاز كيري العبثي لصناعة “اللاسلام” (2-1)… بقلم : وليم كوك

shello
shello 2014/03/03
Updated 2014/03/03 at 10:52 صباحًا

john-kerry

 

‹›من أجل الاستيعاب الأمثل للعقلية الإسرائيلية، ومرجعية الكراهية الصهيونية، ومن أجل قطع كل الشكوك باستحالة تحقيق السلام مع إسرائيل مهما اختلفت ألوان مبادرات السلام وأجهزة صناعة هذا السلام عديمة الجدوى، يعرج الكاتب الشهير وبروفيسور اللغة الإنجليزية، وليم كوك، مبتعداً عن السجال السياسي التقليدي في وصف “قصة ” إسرائيل وتناول القضية الفلسطينية، ليستعير بعضاً من الأدب اليهودي السيريالي، الذي  قام الكاتب “فرانز كافكا” بروايته قبل أكثر من نصف قرن من إقامة هذه الدولة العنصرية. وفرانز كافكا، هو كاتب تشيكي يهودي كتب بالألمانية، ورائد من رواد الكتابة الكابوسية. وهو يعد واحداً من أفضل أدباء الألمان في فن الرواية والقصة القصيرة، عاش ما بين العامين 1883 و1924، تعلم الكيمياء والحقوق والادب في الجامعة الألمانية في براغ (1901)، وهو يتحدر من عائلة يهودية متحررة. وخلال حياته تقرب من اليهودية، فتعلم العبرية وأمضى وقته في الكتابة الأدبية التي رأى فيها هدف وجوهر حياته. وقد نشرت كتابات كافكا بعد مماته، على يد صديقه المقرب ماكس برود، الذي لم يستجب لطلب كافكا بإبادة كل كتاباته بعد موته بسبب قناعة “كافكا” بحتمية الإبادة والتدمير الذاتي كنهاية لكل قصة أو قضية “كقصة إسرائيل” و”وجودها”. كانت حياته مليئة بالحزن والمعاناة، بما في ذلك علاقته بوالده. حيث كان كافكا مثقفا حساسا وقع تحت حكم والد مستبد وقوي. وعن والده، واستبداده، وواقع حياته المحصورة ضمن جدران الخوف والكراهية في منعزل حيه اليهودي في براغ، كتب كل إنتاجاته. (مداخلة من المترجم).

يستخدم الصهاينة “جهاز سلام خاص بفعل الأمور عديمة الجدوى”، وذلك من أجل خداع الناس في أرجاء العالم للاعتقاد بأن الصهيونية ترغب في حل سلمي للقضية الفلسطينية عن طريق التفاوض، بما ويجعل حل الدولتين ممكناً في نهاية المطاف. لكن الواقع يشي بأن الصهيونية لا ترغب في تحقيق أي شيء سوى القضاء على الوجود العربي في إسرائيل (عرب فلسطين 1948)، كما والقضاء على الوجود العربي أيضاً في أراضي يهودا والسامرة (الضفة الغربية).
سنة 2010، قمت بتحرير كتاب “محنة الفلسطينيين: “تاريخ طويل من الدمار”، الذي يحتوي على مجموعة من المقالات لكتاب عالميين مشهورين، قاموا بكشف النقاب عن عملية التطهير الجماعية الجارية في فلسطين على أيدي قوة احتلال ما تزال قائمة حتى يومنا المعاصر هذا في سنة 2014. يوماً تلو الآخر، وبشكل منهجي، تستمر عملية التعذيب البطيء، ويستمر التدمير كما ويستمر الموت، والعالم ينظر ولا يفعل شيئاً لتحقيق العدالة للشعب الفلسطيني. وفي هذا السياق، يوضح الدكتور “جيف هالبر” كيف أن السعي من أجل “السلام”، يتعرض دائماً للشلل على أيدي إسرائيل، في أن بقية العالم غير مبالٍ بالظروف التي يواجهها الشعب الفلسطيني بشكل يومي ومستمر. وفي هذا الشأن، يوضح الدكتور هالبر الواقع هناك كالتالي:
تتمحور استراتيجية إسرائيل منذ نشأتها وحتى يومنا هذا، حول تجاهل الفلسطينيين ومحاصرتهم، إضافة إلى لتواطؤ مع حكومات تعمل على عزل الفلسطينيين، ودون جدوى: استثنائهم كطرف ذو شأن، بل وإخراجهم من الساحة كلياً. وهذا بالذات ما كان واضحاً في مفاوضات السلام في مدريد. فعندما سمحت إسرائيل للفلسطينيين بالمشاركة، سمحت لهم فقط بالمشاركة كجزء من الوفد الأردني. وكذلك كان واقع الحال في عملية “أوسلو” للسلام، عندما أصرت إسرائيل على تلقيها رسالة من الرئيس ياسر عرفات تفيد صراحة بالإعتراف بدولة إسرائيل “كدولة شرعية” من دول الشرق الأوسط، ثم مطالبتها لاحقاً بإضافة عبارة محددة تفيد بالإعتراف بإسرائيل “كدولة يهودية”، (وهما الأمران اللذان حصلت عليهما إسرائيل بكل تأكيد: اعتراف عرفات بها كدولة شرعية، واعتراف الولايات المتحدة بها كدولة يهودية، وما تزال تعمل على إخضاع الفلسطينيين وإجبارهم على الإقرار بذات الإعتراف). ذلك في حين لم تعترف إسرائيل أبداً بالحقوق الجماعية للشعب الفلسطيني، أو حق هذا الشعب في تقرير مصيره بنفسه. وكان إسحق رابين صريحاً جداً فيما يتعلق بالسبب وراء ذلك: إذا اعترفت إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، فإن دولة فلسطينية مستقلة ستغدو أمراً واقعاً وهذا وعد لا تريد إسرائيل منحه للفلسطينيين إطلاقاً وتحت أي ظرف من الظروف. وباستثناء تصريحات غامضة من قبيل: “عدم الرغبة بالسيطرة على شعب آخر”، و”إن أيدينا ممدودة للسلام”، لم تبد إسرائيل في أي يوم رغبتها بأي إطار حقيقي من المفاوضات أو السلام إطلاقاً. وتدعي إسرائيل بأنه يجب أخذ الفلسطينيين بعين الاعتبار. لذلك، وحسب إسرائيل: فإن “على الفلسطينيين التكيف مع مقترحاتنا أيا كانت تلك المقترحات”، و”إن الفلسطينيين ليسوا شركاء على قدم المساواة معنا في مطالبهم بدولة تنافس دولتنا اليهودية”. (كتاب “المشكلة مع إسرائيل” جيف هالبر 2007).
قبل سبع سنوات، وبالتحديد بتاريخ 22 تشرين الثاني (نوفمبر) 2007، كنت قد كتبت مقالاً حول خطة جورج بوش الخاصة بإحلال السلام في الشرق الأوسط. تلك الخطة التي تم استخدام اسم مدينة أنابوليس عنواناً لها، حيث تم تفويض كونداليزا رايس كمبعوثة للولايات المتحدة الأميركية بالاجتماع مع المسؤولين الإسرائيليين والفلسطينيين والتوسط بينهم. وقد تتبعت في ذلك المقال واقع ووقائع عملية السلام الفاشلة منذ نهاية الإنتداب البريطاني على فلسطين، وحتى العام 2007. والآن، ها نحن قد أصبحنا في العام 2014، وليس هناك سلام حتى هذه اللحظة – لكن هناك الآن، مرة أخرى، مبادرة جديدة للسلام تجري تحت الوصاية الأميركية ذاتها، تماماً مثل كل المبادرات السابقة. وعلى ما يبدو، فإن كل رئيس أميركي جديد، يجد من مكونات بروتوكول رئاسته ضرورة طرح مبادرة خاصة به للسلام في الشرق الأوسط. ذلك مع علم كل رئيس أيضاً، وبشكل مسبق وحتمي، بأنه لا سلام يمكن لأي رئيس تحقيقه في هذه المنطقة. لماذا؟ لماذا يذهب كل رئيس شوطاً بعيداً، ليطرح مبادرة سلام خاصة به، مع علمه المسبق بحتمية فشلها؟ لماذا الاستمرار في ممارسة أساليب الوهم والتضليل؟ ولمصلحة من تتم ممارسة كل ذلك؟ وإلى أي نهاية يا ترى؟
على رف كتبي، يستريح جهاز صغير ماكر، احتفظت به منذ عقود طويلة. وهو جهاز فضولي قد يستحوذ على تفكير الأطفال والكبار على حد سواء. جهاز غريب وغير مالوف، له مقبض يجعله يبدو وكأنه ذو نفع. كما له قرصان مسننان، يتصلان بإسطوانة دائرية صغيرة، ويتقاطعان مع بعضهما بعضاً كلما تم تحريك المقبض. ولهذا الجهاز اسم: “جهاز فعل لا شيء”. وهناك بدون أي شك، شخص قام بابتكار هذا الجهاز، وهناك شخص آخر قام بصناعته، وشخص آخر اقتنى هذا الجهاز مثلما هو في حالتي. فإذا قام مقتني الجهاز بتحريك المقبض، عمل الجهاز على فعل “لا شيء” سوى الدوران. وهنا أكرر أسئلتي السابقة، لكن هذه المرة، بخصوص هذا الجهاز الصغير عديم النفع والجدوى: لماذا يتم بذل كل هذا الجهد من أجل خلق شيء لا ينفع لشيء على الإطلاق؟ لماذا هدر الوقت على الأوهام؟ ولمصلحة من يتم فعل ذلك؟ وإلى أي نهاية يا ترى؟
يجلس هذا الجهاز العبثي على رف كتبي وبجانب كتابي: “محنة الفلسطينيين”. بل ويبدو كما وأن الثنائي أوباما وكيري لديهما ذات الجهاز، وربما يكونان قد استلهما من هذا الجهاز التافه “عدم جدواه ونفعه لفعل أي شيء على الإطلاق”، ليطلقا مبادرة سلام جديدة، هما يعلمان تماماً بأنها لن تفضي إلى أي نتيجة. لماذا؟ هل يكون ذلك من أجل إظهار أنهما غير خاضعين لسيطرة الدولة الإسرائيلية وقبضتها؟ أو للدفاع عن نفسيهما من التصورات بأنهما قد تخليا عن التفكير بأي حل سلمي في أرض فلسطين، كحل الدولتين مثلاً؟ أو لربما أيضاً، لتمديد الوقت وإطالته من جديد، لتتمكن إسرائيل من سرقة المزيد من الأرض، وخلق المزيد من المستعمرات، بما يتيح لإسرائيل المجال لمواصلة إبادتها البطيئة والمتدرجة للقضية الفلسطينية وتصفيتها للشعب الفلسطيني على أرضه؟ لعل خلق الوهم هنا، هو أفضل للثنائي أوباما وكيري من عدم فعل أي شيء على الإطلاق.
لكن، ماذا بخصوص الحكومة الإسرائيلية؟ ولماذا يا ترى نجدها منخرطة في هذه المهزلة؟؛ هذا شيء محير بالنسبة لي، بسبب علمي التام بأنها لا نية لديهم للاعتراف بحق الفلسطينيين في دولة، قبل التفكير بإقامة هكذا دولة في الأساس. وفي واقع الأمر، وعلى مدار 65 عاماً، رفض الإسرائيليون حتى فكرة قيام دولة فلسطينية. وكما أوضح “هالبر” بشكل تفصيلي، فإن الحكومات الإسرائيلية أفسدت أكثر من 19 محاولة لإنشاء مثل هذه الدولة، فليس هناك أي منطق أو أي تفسير منطقي يفيد بنية إسرائيل التوصل لحل الدولتين، أو بأن السلام هو رغبة إسرائيلية، أوبأن الولايات المتحدة هي وسيط نزيه لجلب كلا الطرفين إلى طاولة مفاوضات جديدة، ومن ثم رفع السقوف عالياً عبر فرض شروط جديدة تعجيزية لا يمكن للفلسطينيين القبول بها إطلاقاً، وبالتالي الحفاظ على ممارسة ذات الخدعة لخمس وستين سنة أخرى، حتى الانتهاء بشطب فلسطين كاملة، وليس فقط ما يعادل 11 % من أراضي الضفة الغربية (استخدمت إسرائيل آليات قانونية وبيروقراطية معقدة من أجل السيطرة على أكثر من 50 % من أراضي الضفة الغربية. كذلك، قامت بتخصيص هذه الأراضي لإقامة المستوطنات، وإنشاء محميات مختلفة التسميات، من أجل تنفيذ خطط إستيطانية مستقبلية أخرى. يمكن الرجوع إلى موقع
http://ifamericansknew.com/ لمعرفة المزيد عن ذلك). يجب تسليط الضوء، وبشكل أعمق، على دوافع الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، وإصرارها على خداع العالم عاماً بعد عام. وبعد كل شيء، لم يتطرق أحد حتى الآن لتوضيح هذه الدوافع أو حتى محاولة تفسيرها أو تبريرها.
لعله ينبغي علينا، مرة أخرى، أن نلتمس الحكمة المتوارية خلف الوهم والخيال. علينا استكشاف المجهول في السرد الذي يحفر عميقاً في مكنونات العقل الباطني. علينا الحفر عميقاً داخل أحشاء الإنسان، والسعي وراء الأمعاء والعضلات والأوتار العصبية والعظام، وصولاً لموقع الحقيقة، حيث تقيم التطلعات الوجدانية، وحيث يصب ربيع المشاعر، وردود الأفعال الكامنة. حيث لا تستطيع المقابض والأدوات الطبية الجراحية الوصول اليها، إذا كان “الفهم” هو الغاية المطلوبة. علينا الغوص في اتجاه هذا “الفهم”، حيث الذات الداخلية لطفل ومنذ ولادته، والتي تعاقبت أجيال وأجيال من الخوف المتراكم على طمس هذه “الحقيقة”، ليصبغ الخوف هويته، ويتحكم بذاته حالما يكبر، وليصبح مثقلاً بكراهية متراكمة، وينضم إلى حيز الوجود الجمعي، جاهداً في محاولة بائسة للبقاء والدفاع عن الذات. كراهية، باتت كمصدر متجدد لدم تنبض به قلوب، على وقع يخالف وقع نبض قلوب البشرية جميعها، كراهية تنبع من خوف عميق متجذر، يسعى أصحابه للحفاظ على أمنهم الذاتي عبره، وآمالهم الخاصة ، وسمتهم المميزة “كقبيلة”، ضد كل من يحاول تهديد وجودهم، كجزء من هذه الإنسانية وكرامة هذا الوجود.
في كتابه “
A Fragment“، يروي الكاتب اليهودي “كافكا”، قصة رواها له والده الذي سمعها بدوره من ملاح بحري غريب. تقول القصة بأن “سوراً عظيماً سيتم بناؤه لحماية الإمبراطور. وكما تعلمون، فإن الأمم الكافرة، بما فيها من شياطين، غالباً ما تجتمع أمام القصر الإمبراطوري من أجل إطلاق السهام النارية السوداء على الإمبراطور”. بكل تأكيد، هناك جزء خفي يتعلق بالإمبراطور، والقصر الإمبراطوري، وجدار حمايته وحاشيته؛ فلسوء حظ الإمبراطور، هناك دائماً أمم كافرة ستجتمع حول القصر من أجل إطلاق السهام النارية عليه، ولذلك، لن يتمكن الإمبراطور أبداً من حماية نفسه، بل سيكون لديه خوف مستمر، وكل حماية يبتكرها الإنسان للوقاية من هذا الخوف، ستكون نهايتها حتمية، ومع نهاية كل حماية، يتولد خوف آخر من جديد. وحسب “كافكا”، فإن “الشعور بالذنب لا يمكن أن يكون موضع شك”، فالخوف موجود داخل الجدار، ومهما ارتفع الجدار وزادت سماكته، فإن الخوف سيبقى مستمراً وبشكل دائم ممن هم داخل الجدار، وممن هم خارجه أيضاً، بل ومن الذات ومن غير الذات. ولعل من الغريب أن الصهاينة وجدوا أسباباً لبناء السميك من الجدران، لتخدمهم كحماية من أعدائهم الظاهريين، مغفلين بطبيعة الحال موعظة “كافكا” هذه. ومن المفارقة هنا، أنني وفي سنة 2004، كتبت عن جدار الخوف الخاص “بشارون” ذاته:
حسب اعتقادي، فإن “جدار الخوف” الخاص بشارون، هو إساءة لكلا الطرفين، الإسرائيليين والفلسطينيين على حد سواء، بل هو يتعدى على المسؤوليات الأخلاقية لأي شخص متحضر في أي مكان من العالم. لقد استعد شارون لبناء الجدار عبر زرع أساساته داخل أحشاء قومه من اليهود أنفسهم. بزرع الخوف العميق في صميم وجدان كل إسرائيلي، من أربعة ملايين (إرهابي)!، بل وزرع الخوف في عقل كل إسرائيلي من مستقبل لا يحمل معه أي أمل بأي سلام. وبعدما قام بدوس السلطة الفلسطينية وسحقها بجرافاته العملاقة وقضم أراضيها بالجدران الإسمنتية، لم يترك مجالاً لأي مفاوضات، بل وترك اليهود دون أمل بأي سلام، لتبقى الحرية له هو فقط، حرية تشييد “الجدار”.
فلنتأمل قليلاً، لنرى كيف سيؤمن الجدار حماية للشعب الإسرائيلي: هذا الجدار يلوح يومياً في أفق الإسرائيليين ليذكرهم بأنهم فشلوا في تحقيق هدفهم الأساسي، وهو الاستيعاب السلمي لليهود من كل أرجاء العالم والمجيء بهم إلى ملاذ آمن منحتهم إياه أوروبا وأميركا، حيث يمكنهم العيش فيه بكرامة واحترام، وبدون ضغينة أو خوف من عنصرية تمارس ضدهم، أو أي كراهية أو اضطهاد؛
ذلك الجدار سيذكرهم يومياً بأنهم قاموا بحشر شعب فقير ومحروم ضمن جدران تعزله عن بقية العالم. جدران، تحول بين هذا الشعب وبين حقوله ومحلاته التجارية وأقربائه وعائلاته، تماماً كما اختبر يهود أوروبا من معاناة في بولندا، والنمسا، وروسيا، وهنغاريا، وتشيكوزلوفاكيا.”
ذلك الجدار سيذكرهم بالخوف يومياً، من أنه يوماً ما، سيلتف شخص ما، أو سيخترق شخص آخر هذا الجدار، فيطيح بحماية الجدار لهم، كما هو الحال في كل قصص التاريخ السحيق – مثلما حدث لشعوب “الهون” وسور الصين العظيم، أو الفرنسيين الذين شيدوا “خط ماجينو” قبل الحرب العالمية الثانية، فأطاح به الألمان واخترقوه دونما عناء– كل ذلك، يجعل من جهود شعب كالإسرائيليين الذين يحاولون إخضاع إرادة شعب آخر كالفلسطينيين، جهوداً عبثية لا مستقبل لها.”
ذلك الجدار سيذكرهم يومياً بأن ديمقراطيتهم المزعومة تسخر من نفسها، لأنها ديمقراطية تعمل على إحكام الطوق على شعب بأكمله وأمام أنظار العالم أجمع، من دون الالتفات لكل اعتراضات المجتمع الدولي. ديمقراطية مجتمع إسرائيلي كفر بكل القيم الإنسانية النبيلة، وأصر على أحقية اليهود المطلقة، من بين كل شعوب الأرض، في ارتكاب مثل هذه التصرفات الشنيعة.”
ذلك الجدار سيذكرهم يومياً بما اختلقوه من وحش وهمي متربص بهم، اختلقوه في صميم وجدانهم ليبعث الخوف في شكل كوابيس تقض مضاجعهم، بسبب ما ارتكبوه من جرائم بحق الشعب الفلسطيني، شعب أرض فلسطين الأصلي.”
ذلك الجدار، الذي يقف مثل نصب تذكاري أمامهم، وبأثره على نفوسهم، يصنع نفس الأثر الذي صنعته المسيرة التوراتية حول أريحا: “وقد دمروا تماماً كل ما كان في المدينة، ونحروا الرجال والنساء، الصغار في السن والكبار، والثيران، والأغنام، والحمير، كلهم بحد السيف (كتاب يهوا من العهد القديم
Joshua 6:21).”
ذلك الجدار سيذكرهم يومياً، بكل اسم من أسماء الفلسطينيين الذين نحروهم بدون ذنب، سواء كانت تلك الأسماء مرئية لهم أم غير مرئية، والمنحوتة على الشواهد الاسمنتية، تماماً كما وأسماء اليهود الذين سقطوا ضحايا لجرائم النازيين الفظيعة، والمنحوتة على الشواهد الرخامية في مقبرة “ذكرى محرقة اليهود” في فلوريدا.”
أخيراً، ذلك الجدار سيذكرهم يومياً، بأن هذ الجدار ما هو سوى البداية لجدران ستمتد شمالاً وجنوباً على طول الحدود مع الأردن، وشمالاً أبعد من ذلك على طول الحدود مع سورية ولبنان، وجنوباً على طول الحدود مع سيناء المصرية، وربما على طول الشواطئ البحرية،  وبالتالي، إتمام الإطباق على اليهود داخل سجون جدرانهم هم ذاتهم، على حد تعبير “وليم كوك” في كتابه الصادر سنة 2004 بعنوان: (السور، الحاجز، الجدار: بماذا يمكننا تسميته؟) 
Fence, Barrier, Wall: What’s in a Name?”.
هل يمكننا السؤال هنا، كما تساءلت عن حالة “جهاز فعل لا شيء”، لنقول: لماذا؟ ماذا يدفع بالعقل إلى تدمير ما يدعي وجوب حمايته؟ لماذا الاستمرار ببناء المزيد من الجدران، عدا عن إبقاء أولئك الذين لا ينتمون إلى القبيلة خارج هذه الجدران، وإبقاء المنتمين إلى القبيلة نظيفين، كيلا يتلوث نقاء عنصرهم، فيفقدوا سمتهم المميزة، وتميزهم عن الآخرين؟ أو ربما ستعمل الجدران على تحريرهم من الخوف الذاتي العميق الذي يهدد وجودهم، عبر تطهير محيطهم من كل ما بإمكانه تدميرهم، لأن من يحاول تدميرهم هو ليس واحدا منهم؟ (يتبع!)


*وليم كوك، هو بروفيسور اللغة الإنجليزية في جامعة لا فيرن، في جنوب كاليفورنيا. وهو مؤلف كتاب (محنة الفلسطينيين: تاريخ طويل من التدمير
The Plight of the Palestinians: a Long History of Destruction)، وكتاب (في إغتصاب فلسطين: القضاء على الأمل، العدالة المرفوضة The Rape Of Palestine: Hope Destroyed, Justice Denied,)، وكتاب (تتبع الخديعة: سياسة بوش الشرق اوسطية
 
Tracking Deception: Bush Mid-East Policy) إضافة الى كتاب (مذكرات نيفاريا The Chronicles Of Nefaria.). هو كذلك، محرر أخبار MWC NEWS)


*نشر هذا المقال في موقع:
 
MY CATBIRD SEAT
على الرابط الإلكتروني:
http://mycatbirdseat.com/2014/02/william-cook-the-do-nothing-peace-machine-why-zionism-negates-peace/

أعلى النموذج

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً