حبس المدين.. جدل بين قانون التنفيذ والاتفاقيات الدولية: كيف نحفظ الكرامة الإنسانية وحقوق المواطنين.. بالقانون؟!

shello
shello 2021/12/15
Updated 2021/12/15 at 12:01 مساءً

46.126 أمر حبس بسبب الديون منذ بداية 2021.. بينهم (3011) أمرًا ضد النساء

مدينون عاجزون موقوفون.. ودائنون ينتظرون حقوقهم.. .. آخر العلاج الكَي..
تقرير: عبير البرغوثي
حينما تطبق الدنيا بنوائبها على الإنسان، تبدأ رحلة الصراع مع الحياة، تنقلب الأمور رأساً على عقب، فما كان هادئاً ومنظماً حتى الأمس القريب يصبح متناثراً وفي مهب الرياح والعواصف، هكذا هو حال كثيرين من بيننا رسموا لحياتهم مساراً  وفق معطيات الواقع، ومضت بعض صفحات هذا الواقع بكل هدوء، وبات الإحساس بأن الحلم أصبح أكثر قرباً من ذي قبل، ومهما كان الانتظار سابقاً طويلاً الا انه الان يعطي طعماً جديداً بعد الأيام الصعبة، بهذا الأمل أشخاص ضحوا بقسم كبير من دخلهم اليومي كأقساط لشراء منزل حلموا بأن يكون بيت العمر، بيت يخفف عنهم تكاليف الإيجارات.
هذا هو حال المواطنة (ن. ز) التي التقتها “الحياة الجديدة” في مركز إصلاح وتأهيل بيت لحم، تم توقيفها لعدم تسديد شيكات بنكية، تقول وهي محتجزة لمدة ثلاثة أشهر والدموع تحرق روحها: “كان حلم حياتي أن أسكن في بيت ملك، والبداية أنني كنت اعمل في محل ملابس، وقمت باستخراج دفتر شيكات بهدف شراء منزل، اشتراه والدي من شقيقه (عمي)، وبعدها عرض علي والدي أخذ نصف المنزل والقيام بترميمه والتخلص من معاناة الإيجار، وبهدف ترميم المنزل قمت بكتابة شيكات للقائمين على الترميم والصيانة وبالفعل قمت بترميمه وإيصال التيار الكهربائي للمنزل، ومضت هذه المرحلة وكأننا في فصل جديد من حياة أفضل”.
إلا أن الحياة لا تمضي بالنوايا الحسنة في كثير من الأحيان، “فبعد سنتين من السكن في المنزل الذي استنزف كل شيء من حياتنا المادية، سواء ما يوفره الزوج من عمله داخل الخط الأخضر أو دخل ما كنت أنا أقوم به من أعمال متفرقة مثل تنظيف البيوت وعمل وجبات طعام على التواصي، بدأت الأمور تسوء، فقد تعرض  زوجي  لحادث أقعده عن العمل وسبب له عجزًا في العمود الفقري”، هنا انقلبت الدنيا على رأسنا، فقد قام شقيق والدي (عمي) باسترجاع المنزل بسبب أن والدي لم يقم بسداد الشيكات وكانت تقريبا 100 شيك باسمه، حيث تعرض والدي لوعكة صحية أدت الى قطع قدمه وتوقف عن العمل وبات غير قادر على سداد الشيكات ما دفع عمي لاسترجاع المنزل مني”، تقول (ن. ز) .
الدين بشيك أو بغيره هو التزام قانوني وأخلاقي للمدين تجاه الدائن، لكن التحدي في الاساس هو في البحث عن طريقة وحلول تساعد المدين على الالتزام بسداد الدين حتى تستمر الحياة الاقتصادية والاجتماعية، فالمواطنة ” ن . ز” التي قابلناها في مركز التوقيف تقضي مدة موقوفية لثلاثة أشهر، بعد أن ضاقت بها الدنيا وأصبحت في مواجهة سداد شيكات ترميم المنزل وقيمتها 30 ألف شيقل، انتظمت في السداد في البداية، بعملها في كل ما يساعدها على الايفاء باحتياجات الدين والاسرة، من تنظيف المنازل وعمل وجبات طعام لمن يطلبها، الا انها في نهاية المطاف لها طاقة على التحمل، فالضغط الجسدي ومشاق الحياة وهموم الدين نالت من صحتها حتى دخلت في وضع صحي حرج ودخلت في غيبوبة في مستشفى المقاصد لمدة 28 يوما عام 2017 ومن حينها توقفت عجلة الحياة لتصبح رهن الاعتقال دونما قدرة على ايجاد مخرج يمكنها من مواصلة الحياة التي كانت تحلم بها، في بيت صغير يضمها وابنتها ذات السبع سنوات والزوج المقعد بعد رحلة من العمل كحال الآلاف الذي انقطعت بهم سبل الحياة وباتت زوجاتهم طوق النجاة في بحر تترنح فيه سفن الحياة تحت ضربات أمواجه العاتية.
هذه الحالة تطرح تساؤلات كثيرة ومهمة أمام الجهات المعنية، هل عقوبة الاعتقال لثلاثة أشهر أو تجديدها أو تمديدها هي الآلية الناجحة لسداد الديون؟ وهل هي الطريقة التي أثبتت نجاعتها في دول العالم أم أن هناك دولاً اوقفتها لتبحث عن طرق جديدة؟ وهل الحكم في هذه القضايا بنص القانون أم بروحه، لحالات يسبق فيها الحال الإنساني عن جمود كلمات القانون التي تمر عليها الايام والسنوات دون تعديل او تغيير؟
وفي الواقع الفلسطيني الذي انهكته سنوات الاحتلال وفاقمت من تحدياته تداعيات جائحة كورونا بأبعاده كافة، وكشفت الازمة الاخيرة ظاهرة تستدعي التوقف من قبل كافة الجهات ذات العلاقة، الا وهي حبس المدين لأسباب تتعلق بعدم سداد الدين للمدة المحددة في قرار حبسه أو لحين الوفاء بالدين الذي صدر قرار الحبس بمناسبته، حيث “ما زال القانون الفلسطيني يعترف بحبس المدين كإحدى وسائل التنفيذ الجبري لاستيفاء حقوق الدائنين جبراً عن المدين إذا لم يؤدها برضاه” وفق ورقة سياسات اعدتها الهيئة المستقلة لحقوق الانسان مؤخراً، رغم أن الكثير من البلدان حول العالم، ألغت حبس المدين من قوانينها الداخلية، وابتكرت طرقاً ووسائل أخرى لضمان الحقوق والحفاظ على الكرامة الإنسانية للمدين.

حبس 3943 منذ 2017
تشير بيانات الجهات المختصة لدخول مئات الأشخاص من بينهم نساء الى السجون لتخلفهم عن سداد الديون لمدة قد تصل في مجموعها إلى (91) يوماً في السنة الواحدة، فوفق بيانات جهاز الشرطة العامة (3943) شخصاً أدخلوا مراكز الإصلاح والتأهيل بأوامر حبس على ذمة ديون مدنية خلال السنوات الخمس الماضية، منهم (63) ذكرًا وأنثى واحدة ما زالوا نزلاء في مراكز الإصلاح والتأهيل، وأصدرت المحاكم في الضفة منذ بداية العام الحالي  46.126 أمر حبس بسبب الديون، بينهم (3011) أمر ضد النساء، وأن 33.591 شخصاً صدرت ضدهم أوامر حبس في السنتين الأخيرتين عن الدين نفسه، ما يشير إلى أن حبس المدين ليس دائماً فعالاً في مسألة سداد الديون.
العميد حقوقي – مقداد سليمان/ مدير مراكز الاصلاح والتأهيل في الشرطة الفلسطينية أوضح بناء على بيانات بهذا الشأن أنه “خلال عام 2019 تم دخول 114 نزيلة الى مراكز الإصلاح والتأهيل على خلفية قضايا مالية، وخلال 2020 تم دخول 37 نزيلة على خلفية قضايا مالية، وحتى تاريخ 30/11/2021 تم دخول 45 على خلفية قضايا مالية وديون”.
ويضيف: “مدة التوقيف على خلفية قضايا الدين وحسب الدائرة القانونية، تتراوح بين شهر و90 يوما أو 21 يوما على الا تتعدى الـ 91 يومًا خلال العام ولا تتجدد، والهدف إعطاء المدين فرصة لتأمين ما يمكنه من سداد الدين”.
وفي سياق متصل، يوضح سليمان: “حاليا يوجد 7 مراكز للإصلاح والتأهيل في الدولة،  تضم 13 دائرة وهدفها تصويب سلوك النزيل وصقل شخصيته من خلال اخضاعه لبرامج تأهيل تضم 7 برامج يتم تنفيذها من خلال كادر مركز الاصلاح والتأهيل، ومنها برامج محو الامية، برامج رياضية، برامج دينية، برامج ثقافية، الى جانب مكتبة تضم 7500 كتاب موزعة على جميع المراكز، حيث يتم كل هذا العمل بالتعاون مع الجهات ذات العلاقة مثل وزارة التربية والتعليم ووزارة التنمية الاجتماعية،، الخ ”
انضمام فلسطين إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية 2014 يقتضي مراجعة مسألة حبس المدين
يشكل انضمام فلسطين للعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية فرصة مهمة لإعادة مراجعة الوضع الحقوقي والقانوني حول حبس وازالة التعارض اذا وجد مع التزامات دولة فلسطين في إنفاذ أحكام العهد في منظومتها القانونية والقضائية، خاصة “وان المادة (11) من العهد تحظر صراحةً سجن الإنسان لمجرد عجزه عن الوفاء بالتزام تعاقدي” والحديث للهيئة المستقلة لحقوق الانسان، ويعزز هذه الضرورة للعودة من جديد لحوار حول هذه المسألة الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها الفلسطينيون وغياب شبكة حماية اجتماعية شاملة وعادلة، وتتفاقم هذه الظروف لأسباب الجائحة وتداعيات اجراءات الاحتلال التي تعيق التنمية الاقتصادية الشاملة بسبب قيود الحركة والاستثمار والتواصل الاقتصادي مع العالم الخارجي.
بهذا الصدد يؤكد جواد عبيدات/ نقيب المحامين “أن الغاء حبس المدين سيكون له مخاطر عديدة ستنجم عند التطبيق متمثلة بتهديد الأمن المجتمعي وتشجيع الفلتان الامني خصوصاً في ظل عدم ايجاد ووضع بدائل تحمي حقوق الدائنين،  كما أن الآثار السلبية لهذا الموضوع ستطال الاقتصاد والمجتمع على حد سواء،  كما يوجد فرق بين المعسر وبين الممتنع عن السداد، كما أن  أن أمر الحبس وفق قانون التنفيذ النافذ موجه للمدين المقتدر الممتنع فقط، والترويج بخلاف ذلك عمداً أو عن عدم دراية غير دقيق بتاتا”.
ويضيف عبيدات: “إلغاء أمر الحبس في الحالة الفلسطينية يعزز منهج استيفاء الحق بالذات في ظل غياب البدائل القانونية لا سيما غياب السيطرة الفعلية على مناطق واسعة مثل مناطق (سي) والقدس لا تساعد على إيجاد بدائل”.
ويتابع: “وفيما يتعلق بالدول التي استغنت عن الحبس ووفرت وسائل تنفيذ جدية وفاعلة لجلب المدين وإلزامه بالدفع حملت المدين فوائد كبيرة على الدين، لا يمكن للمدين في واقعنا الفلسطيني تحملها بتاتاً، وبخصوص انضمام فلسطين للاتفاقيات الدولية بما في ذلك العهدان جاء بشكل استثنائي في اطار الانضمام السياسي وبالتالي غلب عليه واقع الحالة السياسية المتمثلة باستمرار الاحتلال ومحاولات الاستقلال والتحرر بالاستناد إلى المواثيق الدولية”.
وفي سؤال وجهناه لنقيب المحامين وهو هل أن تعديل قانون التنفيذ رقم (23) لعام 2005: لترشيد حبس المدين خاصة من النساء؛ سيكون حلا بديلا لحبس المدين وقد يؤدي الى إلغائه، يقول عبيدات: “استنادا إلى القانون فإن  الحبس هو آخر إجراء ولا يوجه الا للمدين المقتدر الممتنع، وهناك عشرات آلاف الحالات التي يقسط بها قيمة الدين الذي يزيد على ١٠٠ ألف مثلا بواقع ٣٠٠ شيقل ما دام اثبت عدم اقتداره والتزم بما استطاع، ولا يمكن أن يصدر له أمر حبس بهذه الحالة، وهذا ينطبق على المريض أيضا”.
وحول اذا ما كانت هناك جهود فلسطينية للوقاية من حبس المدين خاصة للنساء اللواتي يتم اجبارهن سواء من قبل الزوج أو احد افراد العائلة على توقيع شيكات او اخذ قرض لغرض معين؛ وعند عدم القدرة على السداد تدفع المرأة ثمن احتجازها وتوقيفها؟، “في تقديري الحالة التي تتحدثون عنها لا يمكن تعميمها في الواقع الفلسطيني وهي استثناء، وهي ليست حالة عامة في المجتمع الفلسطيني ويمكن أن يحدث في اي مجتمع بشكل عارض. أما حالة الإكراه على التعاقد فقد تمت معالجتها في القانون لإبطال اي تعاقد  تم بهذه الطريقة”، يجيب عبيدات.

جهود فلسطينية رسمية وأهلية تحتاج لمزيد من التنشيط
وشهدت الفترات السابقة مجموعة من المبادرات الرسمية والأهلية بهدف إعادة تنظيم حبس المدين، التي توصلت لعدد من التوصيات لإجراء بعض التعديلات على نصوص قانون التنفيذ من شأنها التخفيف من آثار حبس المدين على المرضى وعلى الحامل، لكنها لم تقدم توصيات بحظر سجن المدين المُعسر ما أبقى الموضوع مفتوحاً لمزيد من الجهد في قادم الايام.
وتتفق المؤسسات الحقوقية وفي مقدمتها الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان “ديوان المظالم” على أن مراجعة حبس المدين لجهة حظر حبس المدين العاجز عن الوفاء بالتزاماته التعاقدية، خطوة مهمة على طريق تعزيز منظومة حقوق الإنسان فلسطينياً بما ينسجم مع المعايير الدولية، وترى كذلك انه من الضرورة الحوار والبحث للوصول إلى اعتماد بدائل تحفظ حقوق الدائنين ولا تنال من الكرامة الإنسانية للمدينين، فالاساس هو ضمان سداد الالتزامات بما يحافظ على حقوق الدائن واحترام الانسان المدين بما يحقق الكرامة العامة للجميع.
عمار دويك/ رئيس الهيئة المستقل لحقوق الإنسان (ديوان المظالم) يؤكد ” تبذل الهيئة جهوداً في سبيل العمل على ترشيد حبس المدين، أبرزها الدعوات الرسمية الصادرة عنها للجهات ذات الاختصاص من أجل اتخاذ إجراءات تساهم في الحد من حبس المدين، وتجري مشاورات مع الأطراف الفاعلة مثل القضاء وسلطة النقد، من أجل حثهم على اتخاذ الإجراءات اللازمة لترشيد هذه الممارسة. في الفترة الأخيرة، عقدت ورشة ضمت جميع الأطراف ذات العلاقة لمناقشة الموضوع، وعلى إثرها أرسلت رسالة إلى رئيس مجلس القضاء الأعلى اقترحت عليه تعديل بعض نصوص قانون التنفيذ ساري المفعول بما يؤدي إلى ترشيد هذه الممارسة”.
ويتابع دويكات: “لا تمنع الاتفاقيات الدولية حبس المدين بصفة مطلقة، هي تسمح بحبس المدين المحتال أو المماطل “الذي يستطيع الدفع لكنه لا يرغب”، بينما تحظر صراحة حبس المدين الذي يعجز عن ذلك. والقانون الفلسطيني يتضمن ما يشير إلى ضرورة أن يفرق القضاة ما بين المدين العاجز والمدين المحتال، لكن في التطبيق العملي يظهر طمس هذه الفروق، القانون الفلسطيني من ناحية أخرى، تضمّن بعض النصوص التي تسهل اللجوء إلى الحبس، من خلال اعتماده إجراءات سهلة بالحبس، ومن خلال عدم اشتراطه استنفاد طرق التنفيذ الأخرى قبل اللجوء إلى الحبس”.
“وللتذكير فإن للأمر أبعادًا أخرى وتتشابك فيها تدخلات من أكثر من جهة مثل سلطة النقد والمصارف ومؤسسات التمويل الأخرى، إضافة إلى مسؤوليات الدولة في توفير مستوى كاف من العيش الكريم للمواطنين. لكن في جميع الأحوال يجب ألا تكون الديون بديلاً عن التزامات الدولة في تأمين الرفاه والعيش الكريم لمواطنيها”.
                                     

القانون الفلسطيني لا يلزم بتدرج اجراءات التنفيذ
يركز الاجراء في الحالة الفلسطينية على التنفيذ العيني المباشر، “والتنفيذ بطريق الحجز على أموال المدين تمهيداً لبيعها في المزاد العلني وتوزيع ثمنها على الدائنين، إلا أن القانون لا يلزم بالتدرج في اتخاذ وسائل التنفيذ الجبري، حيث بإمكان الدائن طلب حبس مدينه قبل أن يطلب التنفيذ العيني المباشر أو الحجز على الأموال. كما لا يحظر القانون الجمع بين وسائل التنفيذ، حيث بإمكان الدائن أيضاً طلب حبس مدينه والحجز على أمواله في آن. ويكون للقاضي في جميع الأحوال السلطة التقديرية في إجابة طلب الدائن بالحبس، طالما لم يثبت المدين أن لديه أموالاً كافية لسداد الدين” والحديث للهيئة المستقلة لحقوق الإنسان.
الشيكات والكمبيالات.. الأكثر شيوعاً للاقتراض
في الوقت الذي شهدت فيه الحياة المصرفية توسعاً في الاراضي الفلسطينية، اتسمت المرحلة السابقة بتيسير عملية الاقراض، لكنها تنطوي على تشدد على مسألة شروط وعقوبات السداد، فحسب وثيقة الهيئة المستقلة يقول المحامون والقضاة ان أكثر السندات التنفيذية التي تقدم إلى دوائر التنفيذ المختصة هي الشيكات والكمبيالات، فهي أسهل وسائل الاقتراض المنتشرة في فلسطين، هذه السهولة تقابلها قسوة في التعامل مع المدين إذا تخلف عن السداد لأسباب خارجة عن إرادته، (وبحسب بيانات لسلطة النقد الفلسطينية، فقد بلغت قيمة الشيكات المرتجعة في عام 2020 حوالي ملياري دولار، وهي تشكل تقريباً (11%) من مجمل الشيكات المقدمة للصرف).
من جهتها توضح سلطة النقد دورها ومهامها في هذا الشأن بالقول  “تقوم سلطة النقد بدور محوري ورئيس ضمن نشاطها ومهامها بتنفيذ برامج وحملات توعوية للجمهور في مختلف القضايا المصرفية، ومن ضمن الحملات التي تقوم بها سلطة النقد التعريف بماهية الشيك، وشروطه وأركانه، وضرورة الالتزام بالوفاء وسداد قيمته  كما تعرّف الجمهور بنظام تصنيف الشيكات في حال إرجاع المواطن الشيكات لأسباب فنية أو لعدم كفاية الرصيد، وتبين أيضا الإجراءات المتخذة للحيلولة دون استخدام الشيكات بطريقة مخالفة للقانون والتعليمات”.
وتضيف ” نفذت سلطة النقد حملات توعية لكافة فئات المجتمع والغرف التجارية والطلاب والنساء وأصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وعبر وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، ووسائل التواصل الاجتماعي، وكتيبات مطبوعة (بروشورات، بانرز، ورول اب)، وعبر الموقع الالكتروني لسلطة النقد، بالإضافة إلى توجيه المصارف لزيادة التوعية من خلال تكثيف جهودهم للتوعية بخصوص الشيكات”.
وفي سؤال وجهناه لسلطة النقد حول إمكانية القيام بخطوة “تلوين” ورق الشيكات بحيث يعطى كل لون لفئة، مثلا لون لموظفي الحكومة، لون لربات البيوت، لون لموظفي القطاع الخاص… الخ، بحيث يتم من خلال هذا الإجراء تحديد سقف ورقة الشيك؟، كانت الإجابة: “دأبت سلطة النقد منذ عدة سنوات على محاربة ظاهرة الشيكات المعادة لعدم كفاية الرصيد بسبب آثارها المدمرة على النسيج الاجتماعي والاقتصادي، حيث أطلقت نظام الشيكات المعادة في عام 2010 الذي يهدف إلى تصنيف العملاء وفق أسس معينة وبشكل آلي وحسب عدد الشيكات المعادة ودون تدخل من أي شخص، وتوفير هذه البيانات للمصارف من أجل مساعدتهم على اتخاذ القرار الصحيح والمساهمة في خفض حجم وقيمة الشيكات المعادة لعدم كفاية الرصيد، وتعزيز مكانة الشيك والحفاظ على مكانته القانونية والحد من تبعات المشاكل المصرفية والاقتصادية والاجتماعية”.
وتوضح “تجري سلطة النقد حالياً تقييما لمجموعة إضافية من الإجراءات التي تهدف للحد من ظاهرة الشيكات المعادة، حيث تم تكليف شركة قانونية خاصة لدراسة بعض الإجراءات المقترحة للحد من ظاهرة الشيكات المعادة منها تحديد سقوف للشيكات الشخصية، وتحديد الجيرو وتطبيق الوفاء الجزئي لقيمة الشيك”.
وحول اذا ما كان لدى سلطة النقد أية إجراءات وقائية تجاه حماية السيدات من حبس المدين، حال تعرضهن للغبن وتوريطهن من قبل أقاربهن سواء الزوج أو أحد أفراد عائلتها في التوقيع على شيكات لغرض معين؟
تقول: “بالرغم من أن هذا الإجراء قانوني وقضائي ولا يندرج ضمن اختصاص سلطة النقد كون المحاكم الجهة المختصة بالبت فيه، إلا أننا في سلطة النقد نرصد ونتابع هذه الظاهرة، ونضع المحددات اللازمة لتنظيم مسألة حصول العملاء على دفاتر شيكات دون وجود سبب أو علاقة تجارية، ونتابع مع المصارف بضرورة التحقق من الغاية من إصدار دفاتر الشيكات للعملاء والتدرج في إصدار دفاتر الشيكات ومراقبة استخدام الشيكات بعد الإصدار للتأكد من عدم إساءة الاستخدام”.
ممارسة القضاة في فلسطين تنطوي على مساحة للتساهل حسب القاضي
في الحالات التي تصل الى القضاء وبعد تسجيل السند التنفيذي، يتم إخطار المدين بمراجعة دائرة التنفيذ خلال سبعة أيام من تاريخ تبلغه الإخطار من أجل أن يعرض عليه تسوية تتناسب مع مقدرته المالية ومقدار الدين لدفع ما هو مستحق في ذمته من المبالغ المحكوم بها عليه، فإذا لم يراجع دائرة التنفيذ خلال المدة المحددة في الإخطار، فإن لقاضي التنفيذ أن يأمر بحبسه بناءً على طلب الدائن. أما إذا راجع المدين الدائرة لكنه لم يتقدم بتسوية مناسبة أو عرض تأمينات وطلب تقسيط الدين لمدد لم يوافق عليها المحكوم له فعلى قاضي التنفيذ أن يأمر بمثول الطرفين لجلسة يحددها لسماع أقوالهما وللتحقيق في القدرة المالية للمدين تسمى “جلسة اقتدار”.
وتبقى الكلمة الاخيرة للقاضي فإما أن يأمر بتقسيط الدين على أقساط يحددها -في الأغلب تكون شهرية- ويحدد قيمة كل قسط بصرف النظر عن رضا الدائن عنها، أو أنه يأمر بألا وجه للتقسيط وأن على المدين دفع الدين مرة واحدة حسب تقييمه لحالة وظروف المدين والوثائق والقناعة التي تتكون لديه، ما يعني أن القانون الفلسطيني من حيث المبدأ، يفرق في تنظيمه لحبس المدين ما بين المدين الذي يعجز فعلاً عن السداد والمدين المقتدر.
وحول إذا ما كان هناك فرق في التعامل من قبل القضاة مع قضايا حبس النساء على خلفية حبس المدين، مقارنة مع تعاملهم مع نفس القضية للرجال؟، تقول سيرين حوسوا/ محامية وناشطة نسوية “عادة ما يتم التعامل بذات النمط، ونحن مع سيادة القانون على الجميع دون استثناء أو تجاوزات او استغلال لوضع النساء في المجتمع، خاصة أن الشيكات أداة وفاء وائتمان وتتعلق بحقوق مالية للآخرين، فلماذا أقدم الرجل للمساءلة ولا أقدم المرأة؟، الأصل التعامل بالتساوي في هذه الأمور، وأنا مع أن يتم التسهيل على كلا الجنسين اذا كان ذلك ممكنا خاصة فئة الشباب والمشاريع الصغيرة وفي ظل الأوضاع التي يمر بها شعبنا على المستولى السياسي والأمني والاقتصادي والاجتماعي أيضا”.

خبراء: الرفض المتعمد أو مماطلة المدين هي السبب وراء إجراء حبس المدين
يتضح من تحليل موقف القانون وضوح النصوص التي تحدد الحالات التي يجوز فيها حبس المدين، وهي حالات تؤشر جميعها على وجود رفض متعمد من المدين للسداد أو المماطلة به في ظل توفر حقائق وقناعة لدى القاضي  بتوفر المقدرة على السداد، أو قيام المدين باجراءات للتهرب من السداد باخفاء أو تحويل ما يدلل على قدراته المالية، ويتضح كذلك أن السلطة التقديرية التي منحها  القانون للقاضي بمراعاة الحالة المالية للمدين في جدولة ديونه وحظر حبسه إذا ثبت له عجزه عن السداد. الا إن عدم نص القانون صراحةً على إلزام الدائنين والقضاة في التدرج باتخاذ وسائل التنفيذ الجبري، وعدم حظره الجمع ما بين وسائل التنفيذ، إضافة إلى المدة القصيرة التي يمنحها للمدين لمراجعة دائرة التنفيذ وهي سبعة أيام فقط، تمثل إشكاليات تجعل أحكام قانون التنفيذ غير متسقة مع بعضها البعض ولا تنسجم مع الغاية التي اعتمدها قانون التنفيذ بتجنب حبس المدينين الذي يعجزون فعلاً عن السداد، بالاضافة الى ملاحظة المحامون بأن جلسات الاقتدار التي من المفترض أن يتحقق القاضي خلالها من القدرة المالية للمدين، أصبحت بهدف تحديد قيمة الأقساط الشهرية المستحقة بصرف النظر عن الحالة المالية للمدين. وفق تقدير خبراء الهيئة المستقلة في هذا المجال.
في هذا الصدد أيضا كان لنا لقاء مع أنور الجيوسي/ الرئيس التنفيذي للشركة الفلسطينية للإقراض والتنمية – فاتن، الذي أوضح ” أن نسبة النساء الحاصلات على تمويل من فاتن هي 33.3% من إجمالي عدد المستفيدين، بعدد: 26.240 مستفيدة وبرصيد قائم بلغ: 38.700.000
وحول آلية التعامل مع حالات النساء التي تعجز عن السداد، وهل هناك من تعرضت لإجراء قانوني عند العجز عن السداد؟ أكد الجيوسي “نحن في فاتن نتجنب ونحاول قدر الإمكان عدم الذهاب للتعامل بشكل قانوني مع المتعثرين أو من يواجهون صعوبة في عملية السداد، لذا نقوم بالتعامل مع هذه الحالات بخصوصية ونراعي الظروف الصعبة التي تقف عائقاً أمامهم من الالتزام بعملية السداد بالشكل الطبيعي، لذا نوفر لهم مجموعة من الحلول التي تناسب وضعهم، مثل: تأجيل دفعات، إعادة هيكلة التمويل لتتناسب الدفعات مع إمكانياتهم وقدراتهم و تصل احياناً الى إعفائهم – في بعض الحالات القاهرة- مثل الوفاة أو المرض أو العجز وانقطاع مصدر الدخل الرئيسي للعائلة، وتجدر الإشارة الى أن كافة الملفات التي يتم تحويلها للقضاء تتم بعد استنفاد كافة الوسائل والسبل لحل الملف من خلال التواصل مع المستفيد من التمويل والكفلاء، كما أننا ملتزمو ن بتعليمات الجهات الرقابية بهذا الخصوص”.
ويضيف: “بما يتعلق باللجوء للإجراءات القانونية بحق النساء المستفيدات من تمويلات فاتن، فإنه لم يسبق لفاتن أن قامت بحبس سيدة منتفعة أو كفيلة من فاتن، كما حصلنا في فاتن على شهادة الحملة الذكية تقديراً لالتزامنا الجدي والحقيقي بحماية العملاء وحقوقهم. حيث جاء هذا الاعتماد بعد أن تمت عملية مراجعة مستقلة حثيثة قامت بها شركة (انكلوجن) وهي أحد شركاء الحملة الذكية، أظهرت أن فاتن تدعم وتلتزم بمعايير حماية العملاء في تقديم الخدمات المالية وغير المالية.
“وعند الحديث أيضاً عن الآليات المعمول بها لحماية حقوق العملاء، فإننا اتخذنا ونتخذ العديد من الإجراءات لتقليل الآثار السلبية التي من الممكن أن تحدث لمستفيدينا في ظل سوق فلسطيني متذبذب بفعل الظروف السياسية والاقتصادية التي نعيشها، لذا نحن نلتزم بشكل أساسي بمبدأ حماية المستفيدين من الوقوع بالمديونية، حيث نقوم بدراسة الطلبات التمويلية بشكل معمق والتعمق في جدواها ومنفعتها المتوقعة وقدرتها على الاستدامة وإحداث الأثر الحقيقي على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي لصاحبها، كما نبقي التواصل مفتوحاً طيلة عمر القرض مع مستفيدينا من أجل متابعة ومعالجة أي جديد ومساعدته في تجاوز أي صعوبات محتملة لضمان عدم وصوله لحالة التعثر لا قدر الله”.
“قد تصل الامور في بعض الاحيان الى اصدار حكم قضائي من المحكمة بحبس المدين، وهذا الامر  يكون بعد وصول التعامل مع المستفيد الى طريق مسدود وتعنت واضح في السداد وعدم وجود أية مبررات لعدم السداد، وهذه الحالات قليلة جداً والأمر متروك فيها للقضاء الفلسطيني، لاتخاذ الاجراء المناسب لضمان كافة الحقوق. وهنا نود الاشارة الى أن الشركة بعد حصولها على حكم قضائي تبقي أبوابها مفتوحة لأي حل يتقدم به المستفيد خاصة وأن العديد منهم عادوا للمتابعة مع الشركة من أجل تسوية مديونيتهم خارج إطار القضاء، وقامت الشركة حينها بتسهيل هذه العملية والتعاون مع المستفيد مع تجميد الإجراءات القانونية” يقول الجيوسي.
وحول عدم وجود صندوق مثل “صندوق الإقراض” الذي تتبناه مؤسسة “فاتن” في المؤسسات الأخرى، وهل يشكل وجوده عبئا على المؤسسة؟ يوضح الجيوسي “فاتن هي الشركة الأكبر والأوسع انتشاراً في قطاع التمويل المتوسط والأصغر في فلسطين وحجم محفظتها وقوة أدائها وعملها جعلها على مقدرة لإنشاء صندوق التكافل الاجتماعي لمستفيديها الحاصلين على تمويلات عمرها أقل من 48 شهرا، بغرض حمايتهم من حالات الوفاة، العجز، المرض أو الأضرار التي قد تلحق بهم بفعل ظروف خارجة عن إرادتهم مثل استهدافهم ومشاريعهم من قبل الاحتلال. تجدر الإشارة الى انه بالإضافة الى ما سبق فإن فاتن تقدم خدمة التأمين على حياة المستفيدين لمن تتجاوز عمر تمويلاتهم مدة 48 شهراً من خلال التعاقد مع شركات التأمين الخارجية”.

النوع الاجتماعي من أهم المخاطر التي ينطوي عليها حبس المدين
أسباب كثيرة دفعت الدول للبحث عن وسائل وطرق أخرى لتحصيل الديون، بعد ان توصلت لعدم فاعلية السجن مهما كانت مدته عن سداد المديونية، وكان من بين الجوانب الاكثر يتمثل في التداعيات والانعكاسات التي تنطوي عليها هذه الإجراءات من تأثيرات تطال أوضاع النساء، حيث يعمد بعض الدائنين في بعض الحالات إلى اشتراط أن يكون مصدر الدين موقعاَ من الإناث القريبات للمدين، لاعتقاده أن المدين وعائلته سيسددون الدَّين تحت أي ظرف كي يتجنبوا وصمة العار التي تلاحقهم لو دخلت إحدى قريباتهم السجن. وفي أحسن الأحوال، يمكن أن يشترط الدائن أن يكون كفلاء الدين من الإناث، وعادة ما تكون كفالة الإناث للدين بتوقيع كمبيالات قيمتها ضعف قيمة الدين الأصلي. وهنا يظهر البعد المتعلق بالنوع الاجتماعي لحبس المدين، هذه الفكرة أدت في بعض الحالات إلى إكراه ذكور العائلة لإناثها على الاستدانة لصالحهم أو لكفالتهم بما يشمل توقيع الشيكات والكمبيالات أو حتى بيع حليهن من أجل السداد في حال تخلفوا عن ذلك.
وهنا تؤكد سيرين حوسوا “للأسف، يتم توريط النساء بديون لا علاقة لهن بها من خلال الرجال في الأسرة مثل الأب، الزوج، الابن، سواء كان ذلك برضا المرأة بهدف حماية الرجل والتسهيل عليه، أو بالإجبار أو عدم علم وتحديداً في مجال استصدار شيكات وتحرير الكمبيالات بأسماء النساء وتحرير شيكات بأسمائهن مع عدم وجود أرصده كافية، معولين على عدم تقبل المجتمع لحبس النساء وبالتالي عدم المطالبة بالحقوق، أو العكس تماماً وتقديم الشيكات للشرطة وبالتالي تعريض النساء للحبس”.
طالما  انضمت فلسطين إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية عام 2014، الذي  تنص المادة (11) منه صراحةً على منع سجن الإنسان لمجرد عجزه عن الوفاء بالتزام تعاقدي، فلماذا لا يتم مواءمة التشريعات الفلسطينية مع هذه المادة؟ هنا تجيب حوسوا “فعليا انضمت فلسطين الى العديد من الاتفاقيات والمواثيق الدولية والتي يترتب عليها تعديل ومواءمة التشريعات والانظمة والسياسات، لكن عدم وجود مجلس تشريعي بالتأكيد معيق أساسي لأي عملية تعديل ومواءمة، أيضا الإرادة السياسية سبب رئيسي في عدم المواءمة، على سبيل المثال تم الانضمام الى اتفاقية سيداو دون أية تحفظات ولم يتم تضمين أي قانون بالاستناد اليها، كذلك الأمر القوانين الأخرى، فكل ما له علاقة بالمرأة والحقوق الإنسانية يتم إغفالها وعدم التعاطي معها وتحديداً حقوق المرأة”.
وحول أبرز الإجراءات الوقائية التي يمكن أن تحمي النساء من حبس المدين خاصة اللواتي يتعرض للغبن والظلم من قبل الزوج أو أحد أفراد العائلة وإجبارهان على كتابة شيكات أو أخذ قرض باسمائهن لغرض معين، تقول حوسوا: “أهم إجراء هو وعي النساء بشكل أساسي بمخاطر العمليات المالية وتحديدا إبرام أية عقود يترتب عليها التزامات مالية، إصدار شيكات من غير رصيد، التوقيع على شيكات او كمبيالات دون معرفة او الحصول على قروض، هذا جميعها تسبب الوقوع في مشاكل قانونية يترتب عليها مساءلة قانونية، إضافة الى اجراءات البنوك وسلطة النقد بشأن اصدار الشيكات بدون أرصدة والحصول على القروض وغيرها من معاملات مالية”.
في السياق ذاته يؤكد الدكتور رابح مرار/ معهد “ماس”: “من أبرز الإجراءات والسياسات الاقتصادية الوقائية التي يمكن اتخاذها بهدف حماية النساء من حبس المدين (الحبس على خلفية عدم القدرة على تسديد أقساط القروض ودفعات القروض)، خاصة النساء اللواتي يتم إجبارهن عليها من قبل الزوج أو أفراد عائلتها لأخذ قرض أو كتابة شيكات لهدف معين، هي عدم قبول كفالة النساء اللواتي لا يوجد لديهن عقد عمل رسمي سواء في الحكومة او القطاع الخاص، او أية وثائق تثبت قدرتها على السداد في حال تخلف الشخص المكفول زوج او أخ أو أب، الخ، إلى جانب توفير صناديق ضمان قروض حكومية، خاصة للفئات الفقيرة المهمشة التي من شأنها التقليل من الاعتماد على الكفيل في حال القروض المتعلقة بمشاريع صغيرة خاصة من مؤسسات الإقراض”.
القانون الفلسطيني يتضمن بدائل تحتاج تطويرًا خلاقًا
يرى خبراء وفقهاء القانون أن القانون الفلسطيني يتضمن بدائل لحبس المدين إذا ما تم تطبيقه تطبيقاً سليماً وأميناً، ويظهر ذلك من خلال إلزامه للقضاة المعنيين بالتفرقة ما بين المدين الذي يعجز عن السداد وهو الذي لا يجوز حبسه، بل التفكير الخلاق  باعطائه فرصة لإعادة تكوين قدرته المالية من خلال تأجيل ديونه وتقسيطها بمبالغ مناسبة ولفترات زمنية متباعدة هدفها تحصيل الحقوق دون إضرار بالطرفين قدر الامكان، مقابل المعاملة الحازمة تجاه المدين الذي يرفض السداد او يماطل او يتهرب او يحاول اخفاء قدراته مهما كانت أساليبه وحججه، مع الاشارة الى نقطة مهمة حول عدم النص صراحة على حظر حبس المدين الذي يعجز عن الوفاء بالالتزامات التعاقدية، وعدم إلزامه بالتدرج في اتخاذ وسائل التنفيذ الجبري قبل اللجوء إلى السجن، وعدم حظره أيضاً الجمع ما بين وسائل التنفيذ الجبري، إلا أنه بالعموم يمكن أن يمنع حبس المدين الذي يعتبر فعلاً عاجزاً عن السداد، وهذه من القواعد المهمة الواجب البناء عليها في المعالجات التنفيذية لقضايا التحكيم في المديونية وسبل تحصيل الحقوق وحماية كرامة الانسان.

“ياما في الحبس مظاليم”..
حال المواطنة “ن . ز” التي نتحدث عنها وربما هي مثال للعشرات غيرها، ليست حالة تتمرد على سداد الدين، او تتهرب منه، وقطعاً ليس القصد الدفاع عن الخطأ أو خلط الاوراق، لكن كيف لمواطنة تعثرت لأن الظروف عاندتها، وتفاقمت أزمتها بتردي وضعها الصحي، ولم تتمكن من مواصلة العمل اللائق براتب يكفي الحد الادنى من الاحتياجات والالتزامات، ان يكون التوقيف واعادة التوقيف سبيلاً لحل مشكلتها؟ وكلنا يعلم انه بمجرد ان تصبح خريجة سجن مهما كان السبب، فإن ذلك يعني وصمة ستلاحقها وتمنعها من أبسط الحقوق، وهل هكذا حالة سيكون من السهل على أرباب العمل توفير وظيفة لائقة لإنسانة مهددة بالاعتقال والتوقيف في أي لحظة؟
تقول “ن . ز”: “منذ اليوم الاول للتوقيف وأنا في معاناة صحية سيئة ومستمرة، وغير قادرة على العمل وسداد الشيكات، فقام أصحابها بالإبلاغ عني، وحاليا أنا محتجزة لمدة 3 شهور في مركز اصلاح وتأهيل بيت لحم، رغم أن التقارير الطبية أثبتت أنه لا يجوز احتجازي نظرًا لوضعي الصحي السيئ الا ان ذلك لم يشفع لي، وبعد خروجي من الاحتجاز سأكون في مواجهة سداد الشيكات ويمكن ان اكون معرضة للاحتجاز مرة أخرى، وانا اعيش في منزل لا يوجد فيه سوى ثلاجة وغاز بعين واحدة وغسالة لا تعمل، وإجار منزل 900 شيقل غير قادرين على سداده منذ 3 شهور ومعرضون للطرد رغم انه أبعد ما يكون عن كونه منزلا هو عبارة عن غرفة بمنافعها تحت الارض، حتى أنني غير قادرة على شراء الدواء، ورغم انني طلبت المساعدة من مؤسسات كثيرة الا انني لم أتلق أية مساعدة”.
وهنا لم يقطع بكاء ودموع هذه المواطنة الا صوت أحدهم يخبرها أن لها زيارة من والدتها التي تصطحب طفلتها ذات السبع سنوات، فالأم والطفلة والجدة في غرفة الزيارة وعيونهن متجهة للسماء بأن يكتب للأم فرجًا، وللأب الشفاء وللقانون تعديلاً يحمي حياة الانسان ويحفظ كرامته، ولم أتذكر في نهاية كلماتي الا ذلك القول “يا ما في السجن مظاليم” .
فيا سيدي الخبير بالقانون والتشريعات، فالقانون وجد ليضع حلاً لمشكلة بين الناس مهما كانوا، مؤسسات أو أفرادا، تماماً كما هي الوصفة الطبية التي يقدمها الطبيب للمريض بعد المعاينة وليس قبلها، وإذا تبين أن الوصفة لم تؤد للشفاء أو أدت لخلق عوارض غير محمودة، يعود الطبيب لمراجعة التشخيص وتعديل وصفة الدواء على أمل توفير العلاج، لأنه يسعى للقضاء على المرض وليس معاقبة المريض، هكذا يتجدد الطب وتستمر الحياة.

Share this Article