حروب الشرق الأوسط تكشف عن أميركا المتناقضة…بقلم:رامي خوري

shello
shello 2014/02/13
Updated 2014/02/13 at 10:46 صباحًا

MDF10674

‹›


بين الحين والآخر وفي الأرض الاستثنائية للولايات المتحدة، حيث أمضي بضعة شهور أعلّم في جامعة، تصطف التطورات لتكشف على نحو متزامن الحكمة الدائمة والشذوذ المعمق في المجتمع.
لقد خبرت هذه اللحظة قبل أيام قليلة عندما قرأت مقالين في صحيفة عرضا هذين الجانبين المتناقضين من مجتمع أميركي معقد. وانعكس ركوب الرأس وقوة الولايات المتحدة في استطلاع للرأي العام الأميركي عكس أحاسيس الرجال والنساء العاديين في عموم البلاد، بينما كانت المغالطات والإجرامية المتأصلة التي ترفع عالياً رأسهم البشع جلية في كلمات مسؤول رفيع في إدارة الرئيس (السابق) جورج دبليو بوش.
وأظهر الاستطلاع الذي أجراه مركز أبحاث “بيو” وصحيفة “يو اس أي توداي” أن معظم الأميركيين اليوم يشعرون بأن الحربين في العراق وأفغانستان لم تحققا أهدافهما وهو ربما ما يكون مسوغاً مهماً وراء تردد الجمهور في الشهور الأخيرة في استخدام القوة ضد سورية أو إيران. وفي الأثناء، يوسم مهووسو الحرب الجمهوريون القدماء بأنهم بطيئون في التمتع بالتقاعد، كما يبدو، وبالنسبة لمستشار الأمن القومي لجورج دبليو بوش، ستيفن جيه هادلي فقد كتب في تعليق في صحيفة وول ستريت جورنال يوم 31 كانون الثاني (يناير) أنه يجب على الأميركيين أن يفخروا بما أنجزوه في العراق الذي يراه بلداً ما يزال من الممكن أن يكون مثالاً لديمقراطية معقولة في العالم العربي.
ويبدو منطقياً وحقيقياً أكثر الإشارة إلى إن الحرب الأنغلو- أميركية التي شنها بوش ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير، على العراق  كانت سبباً  أصيلاًً ودائماً للعديد من التهديدات الأمنية والتوترات الطائفية التي تعصف بالكثير من الشرق الأوسط اليوم.  إلى ذلك، تلقى العالم المتمدن للمتشددين السلفيين والتكفيريين والإرهابيين في عموم العراق وسورية ولبنان وأراضٍ مجاورة أخرى أكبر تعزيز مفرد له عندما مسحت الحرب التي شنت بقيادة أميركية النظام العراقي وبنيته الأمنية وسمحت للمتطرفين المرتبطين في تنظيم القاعدة بالتمركز في العراق وبالتمدد من هناك  إلى بلدان أخرى.
ويقدر اليوم أن ثمة عشرات الآلاف من المقاتلين السلفيين والتكفيريين المدربين والذين يتمتعون بالخبرة ينشطون في منطقة غرب إفريقيا بشكل ضخم، لأن  بوش – بلير والمسؤولين الجهلة في الغالب مثل هادلي ونائب الرئيس ديك تشيني ومستشارة الأمن القومي الأميركي في حينه غوندوليزا رايس وآخرين، ذهبوا للحرب بذرائع زائفة وحولوا العراق بالتالي إلى نوع من الأرض اليباب حيث انتعش الإرهابيون.  ومن ثم كذب هؤلاء المسؤولون المتهورون فيما يتعلق بسبب غزوهم للعراق وتراهم يواصلون الكذب اليوم.
إلى ذلك، ذهبت أغلبية من الأميركيين إلى الموافقة على الحرب في العراق في العام 2003 لأن ذلك كان بسبب حاجة قوية وملحة لمعاقبة أحد ما – أي أحد كما  تبين – انتقاما لهجمات 11 أيلول (سبتمبر) من العام 2011 على الولايات المتحدة والتي شنها تنظيم القاعدة.  واستغل بوش وبائعو النفط بذكاء مثل هادلي ذلك الغضب الجماهيري والذي تحول إلى هستيريا لمهاجمة أفغانستان والعراق عبر الادعاء بأنه كان لدى العراق أسلحة دمار شامل ولم يعثر عليها أبدا ربما لأنها لم تكن موجودة أبدا. وبعد مرور عقد لاحقا ولأنه أدرك حجم خسائر الحرب وزيف ادعاءات وكذب إدارة بوش اصبح لدى الشعب الأميركي وجهة نظر أكثر وضوحا بكثير عن تلك المغامرات المكلفة.
وأظهر استطلاع الرأي العام الذي نشرته يو اس أي توداي ومركز أبحاث بيو قبل أيام قليلة أن غالبية 52 في المائة من الأميركيين أحسوا أن الولايات المتحدة فشلت في الغالب في تحقيق أهدافها في العراق ما يمثل قلبا لأغلبية 56 في المائة كانت قد قالت في تشرين الثاني (نوفمبر) من العام 2011، فيما كانت الولايات المتحدة تغادر ذلك البلد، ان الولايات المتحدة قد نجحت هناك غالبا.
وشعرت أغلبية مشابهة تقريبا من الأميركيين أن الولايات المتحدة كانت قد فشلت في الغالب في تحقيق أهدافها في أفغانستان، حيث عادت طالبان للظهور اليوم وحيث يبدو الضعف والاهتزاز على حكومة أفغانستان.  إلى ذلك كان الشعب الأميركي قد شعر في العام 2003 وبواقع 3-1 بان حرب العراق كانت القرار الصحيح، لكن اليوم وبهامش 50 في المائة إلى 38 في المائة يقول الأميركيون انه كان قرارا خاطئا.
لعله مثير للمخاوف أن يستمر هادلي في تقديم نفس الأطروحات القديمة الزائفة التي كان بوش قد استخدمها لشن الحرب قبل عقد، من أن الحرب ستهزم القاعدة وتقلل من تهديد الإرهاب وانتشار أسلحة الدمار الشامل وتروج الديمقراطية والتعددية والازدهار الاقتصادي وتخلق حلفاء دائمين لأميركا. حسنا، لكن كل واحدة من تلك الادعاءات أثبتت انها زائفة – ولسوء الطالع وكأنها أهداف جديرة.  لكن الأميركيين العاديين أصبحوا أكثر حكمة راهنا، حيث رفضت الأغلبية شن حرب من جانب واحد في أراض قصية لا يملك الأميركيون سوى القليل من المعرفة عنها.
ويجب على الشعب الأميركي أن يقرر ما إذا كان سيقدم للمحكمة اولئك المسؤولين الرفيعين الذين كذبوا عليه وخدعوه وأخذوه إلى حرب خاسرة في الأعوام 2001 – 2003 . ولعله أمر جيد أن نرى أن الشعب الأميركي قد نضج وثاب إلى رشده، بينما يستمر مسؤولو إدارة بوش في دفع أيديولوجيتهم الخرقاء وتحطيماتهم العاطفية.

الغد الأردنية

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً