حماس.. حسابات خاطئة

2012/11/26
Updated 2012/11/26 at 11:07 صباحًا

التصعيد الأخير في القتال بين إسرائيل وحماس أخذ العديد من المراقبين بالمفاجأة. وكانت عملية الرصاص المصبوب التي شنتها إسرائيل ضد حماس في العام 2008، قد أفضت إلى خلق حالة هدوء مشوب بالحذر بين الجانبين المتحاربين. كما أن الإفراج في العام الماضي عن جلعاد شاليط (الجندي الإسرائيلي الذي كان قد اختطفه مسلحون فلسطينيون في العام 2006) في مقابل إطلاق سراح ألف أسير فلسطيني، منح المراقبين المزيد من الأمل في أن تكون إسرائيل وحماس قد وجدتا طريقة لإدارة الصراع بينهما. لكنه حدث بعد ذلك أن هاجمت حماس دورية إسرائيلية محمولة داخل الأراضي الإسرائيلية في 10 تشرين الأول (نوفمبر)، وردت إسرائيل على ذلك باغتيال أحمد الجعبري، قائد حماس العسكري. وفي هذه المرة، لم يتوقف العنف الذي أعقب الحادثتين بسرعة، وإنما ذهب القتال إلى مزيد من التصعيد لعدة أيام.
ونظراً للدمار الذي أحدثه الصراع الأخير الكبير بين إسرائيل وحماس، فإن حسابات حماس في الطريق إلى هذه الجولة من القتال تظل محيرة بشكل خاص. وربما يكون التفسير النموذجي هو أن حماس صعّدت حملتها من إطلاق الصواريخ في وقت سابق هذا العام في محاولة منها لكسر الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة. وتحت النار، اضطرت إسرائيل إلى الرد.
ومع ذلك، يبقى هذا الجواب غير مرض ولا مقنع إلى حد كبير. ففي نواح كثيرة، كان قد تم كسر الحصار بالفعل. صحيح أن قطاع غزة صغير، وذو كثافة سكانية عالية، ومحصور بين إسرائيل ومصر، ويعتمد على كلا البلدين لمرور الناس والبضائع، وكل ذلك يجعل منه مكاناً خانقاً إلى حد ما. ومع ذلك، فإن جهود إسرائيل لفرض رقابة صارمة على حدود المنطقة، والتي بدأت بعد فوز حماس في الانتخابات هناك في العام 2006، خفتت بالتدريج. وبعد كارثة العلاقات العامة التي تلت سوء تعامل إسرائيل مع أسطول المساعدات التركية المتجه إلى غزة في العام 2010، ازداد تدفق السلع عبر الحدود الإسرائيلية إلى غزة بشكل كبير. وعلاوة على ذلك، كانت الأنفاق المحفورة تحت الحدود بين مصر وغزة، والتي كانت معظم البضائع القادمة إلى غزة من خلالها مهربة، قد أصبحت من الكثافة بحيث اتخذت وضعاً يشبه المعابر الحدودية الرسمية. وفي الواقع، يمكن أن يكون حجم التجارة التي تنتقل عبر الأنفاق قد وصل إلى ما يقرب من 700 مليون دولار سنوياً.
إلى حد ما، كانت لحماس مصلحة سياسية في تكريس فكرة الحصار، والتي يمكن أن تستخدم لإثارة الغضب ضد إسرائيل وحشد الدعم الشعبي. وعلاوة على ذلك، فقد كان من المنطقي أن تحتفظ الحركة ببعض القيود على حركة البضائع إلى غزة، بما أن صناعة التهريب ساعدتها في رفد خزائنها. وهكذا، وعلى الرغم من أن الحياة في غزة ربما لم تكن بكل ذلك اللطف والسهولة بالنسبة لسكان غزة، فإن رغبة حماس في كسر الحصار لا تشكل تفسيراً مقنعاً لعنفها المتجدد ضد إسرائيل.
ثمة، في واقع الأمر، عاملان دفعا حماس إلى تصعيد حملة القصف: المنافسة التي تلقاها من الجماعات السلفية، واعتقاد حماس بأن محيطها الاستراتيجي قد تحسن في أعقاب الربيع العربي. ومنذ تم انتخاب حماس، فإنها وجدت في الجماعات السلفية في غزة منافسين تصعب إدارتهم بشكل خاص. ولم تكن فتح، منافس حماس الرئيسي قبل تمكن الأخيرة من الدفع بها إلى خارج المنطقة في العام 2006، تشكل مثل هذا التحدي: فمع فقدان عملية أوسلو للسلام مصداقيتها، وانسحاب إسرائيل من قطاع غزة الذي يعزى إلى حد كبير (على الأقل في النفسية الغزية) إلى أنشطة حماس المسلحة، لم تعد بقايا حركة فتح تستطيع المنافسة. لكن الفصائل الجهادية الصغيرة، مع ذلك، تمكنت من تجسيد روح القتال والمقاومة. وقد ظلت، خلافاً لحماس، متحررة من القيود التي يفرضها الحكم على مسألة النقاء الأيديولوجي.
وتحت الضغط، حاولت حماس مراراً وقف التهديد السلفي، ولم تتورع عن استخدام القوة الغاشمة لتحقيق ذلك. وجاءت أوضح التجليات في آب (أغسطس) 2009، عندما قتلت حماس زعيم جماعة جند أنصار الله، وهي جماعة سلفية كانت قد تحدت علناً سلطة حماس، بالإضافة إلى عدد من أعضائها. لكن اضطرارها إلى التراجع عن استخدام العنف المفرط لقمع السلفية في غزة، والذي كان يمكن أن يكون مكلفاً للغاية بالنسبة لحماس، جعل الأخيرة عاجزة عن القضاء على التحدي السلفي. وأخذت تراقب بقلق بينما تظهر الجماعات السلفية الجديدة وتتعزز في مختلف أنحاء القطاع.
ثم تزايدت الضغوط على حماس في أعقاب الانتفاضات العربية للعام 2011. وكانت الثورة المصرية والفوضى التي أعقبتها في شبه جزيرة سيناء بمثابة ريح معاكسة تهب على أشرعة السلفيين في غزة. وأطلق انهيار الأنظمة الاستبدادية في شمال أفريقيا طوفاناً من الأسلحة والمقاتلين، والتي وجهها السلفيون إلى شبه جزيرة سيناء. ولأن الجيش المصري لم يكن قادراً على السيطرة على المنطقة، حول السلفيون الغزّيون شبه الجزيرة إلى قاعدة انطلاق لمهاجمة إسرائيل. وقد اعتقدوا (محقين) بأن إسرائيل، الحريصة على عدم قتل معاهدة سلامها مع مصر، لن تجرؤ على الرد مباشرة.
وفي الواقع، لجأت إسرائيل إلى إحباط الهجمات المنطلقة من سيناء وقطاع غزة بأفضل ما تستطيع من خلال منع سكان غزة من الوصول إلى سيناء في المقام الأول. وفي عدد من المناسبات، استهدفت إسرائيل قادة السلفية في عمليات استباقية في غزة. ورد السلفيون بإطلاق الصواريخ على بلدات إسرائيل الجنوبية. وأصبحت فترات الهدوء بين جولات العنف أقصر وأكثر ندرة.
وفي واقع الأمر، قدم النظام الإقليمي الجديد لحماس معضلة خطيرة. فباعتبارها حاكم قطاع غزة، لم تستطع الحركة أن تجلس على الهامش بينما تقوم إسرائيل باستهداف الأراضي الواقعة تحت سيطرتها. لكنها كانت غير قادرة على كبح جماح السلفيين بشكل كامل من دون أن تثبت، مرة وإلى الأبد، أنها لم تعد حركة مقاومة. وهكذا، أصبح الخيار الوحيد أمام حماس هو أن تتسامح مع الهجمات. وقد صورتها في الداخل بوصفها وسيلة لإدامة النضال ضد إسرائيل. أما في الخارج، فقد رفضت الاعتراف بأي دور لها فيها على الإطلاق، بغية تقليل خطر التعرض لضربة ارتدادية. ومع مرور الوقت، أدت الضغوط التي مارستها كوادر حماس بالمنظمة إلى الاضطلاع بدور أكثر نشاطاً في كل جولة من جولات العنف.
وعلى الرغم من ذلك، كان الخلل في منطق حماس هو افتراضها أن إسرائيل ستتعاون، ولن تعمد إلى الرد. لكن إسرائيل لم تسمح لحماس بالإفلات من المسؤولية، وطالبت حماس بتأكيد سيطرتها على الفصائل الراديكالية. ومن أجل تعزيز الرسالة، شنت إسرائيل هذا العام عدداً من الغارات على أهداف تابعة لحماس. ولأنها أصبحت هدفاً في حد ذاتها، أصبحت حماس أقل قدرة، حتى على ضبط نفسها هي. وفي النهاية، عمدت إلى استئناف ضرباتها الخاصة لإسرائيل، وهي الخطوة التي استقبلتها مختلف كوادر حماس بالتهليل، وهي التي ربما كانت ستنشق، لولا مثل هذه الهجمات، وتنضم إلى الجماعات الأكثر تطرفاً.
كان أحد حسابات حماس الخاطئة الأخرى هو توقع أن تكون مصر داعمة لأعمالها، وهو ما سيسمح لحماس، مقروناً بخوف إسرائيل من خسران علاقتها مع النظام في القاهرة، بتصعيد الصراع دون أن يخرج الأمر عن نطاق السيطرة. ولم يكن ذلك الأمل بلا قاعدة. ففي شهر آب (أغسطس)، قام الرئيس المصري محمد مرسي بإحالة قيادات الجيش العليا على التقاعد، وتولى السيطرة الكاملة على شرطة مصر وأمنها الخارجي والداخلي. وكان هذا التطور ذا أهمية خاصة، بالنظر إلى أن المجلس العسكري الأعلى الذي كان يحتفظ بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة، لم يكن مهتماً كثيراً بمساعدة حماس. لكن الحركة كانت مخطئة مرة أخرى. إن علاقات حماس الأوثق مع مصر لم تثبط إسرائيل عن الرد على الضربات بالمثل.
وبعبارات بسيطة، لم تكن بيئة حماس الاستراتيجية الجديدة إيجابية كما كانت تعتقد. وعندما حاولت أن تدفع أبعد بحدود إسرائيل، ضغطت إسرائيل في الاتجاه المعاكس. والآن، أصبحت المجموعة واقعة في مأزق. إنها في حاجة إلى وقف للقتال يحفظ لها ماء الوجه، ويكون من شأنه أن يتيح لها ادعاء تحقيق بعض المنجزات التي تساوي وتستحق الدمار الذي لحق بغزة هذا الشهر. وحتى بعد ذلك، ستظل المجموعة تواجه نفس التوتر القديم القائم بين أيديولوجية المقاومة والمسؤوليات التي يرتبها الحكم. وفي كل هذه الفترة، سيظل منافسوها السلفيون كامنين، مشكلين تحدياً لالتزامها بالكفاح ضد إسرائيل. وإذا كانت حماس تريد تجنب تصعيد مماثل في المستقبل، فإنها ستحتاج إلى اتخاذ إجراءات صارمة ضد هذه المجموعات والانقضاض عليها. لكن ذلك يأتي بثمن -في الشعبية والشرعية- والذي لا تبدو حماس مستعدة لدفعه. كما يجب على حماس أيضاً أن تقوم أخيراً بالتحول من حركة مقاومة إلى حزب سياسي عادي. وربما تتلقى دفعة من القاهرة حتى تستطيع القيام بذلك. ويقدم تحالف حماس مع الإخوان المسلمين في مصر للمجموعة بعض الغطاء الذي تحتاجه لتحقيق هذا الانتقال الذي تمس الحاجة إليه. وبالإضافة إلى ذلك، يشكل الإخوان المسلمون المصريون نموذجاً جيداً لتحذو حماس حذوه. وفي غياب هذا التحول السياسي لحركة حماس، فإن أي وقف لإطلاق النار مع إسرائيل لن يصمد لفترة طويلة. وستبقى الجولة المقبلة من العنف قابعة في الانتظار هناك، فقط وراء الأفق القريب.
باراك مندلسون* – (فورين أفيرز(
*أستاذ مساعد للعلوم السياسية في كلية هافرفورد، ومؤلف “مكافحة الجهادية: الهيمنة الأميركية والتعاون بين الدول في الحرب على الإرهاب”.
*نشر هذا الموضوع تحت عنوان: Hamas’ Miscalculation: Why The Group Thought It Could Get Away With Striking Israel

ترجمة: علاء الدين أبو زينة- الغد الاردنية.

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً