“خاتم سُليمى”.. سرديّة في عشق حلب!

shello
shello 2024/07/09
Updated 2024/07/09 at 12:56 مساءً

الايام – بديعة زيدان:عبر حكايات الحب ثلاثية الأبعاد، ما بين سلمى العطار السورية التي تحمل الجنسية الفرنسية، والعديد من الأسماء، والمُوسيقيّ الإيطالي سيلفيو كارولوني ويُعرف بـ”شمس الدين” لفرط انخراطه في عوالم التبريزي الصوفية، والمصوّر الإسباني لوكاس أورتيز، ينهض السرد من بين ركام مدينة حلب السوريّة، مشكلاً حكاية واقعية ومتخلية في آن، تكاد تكون المدينة هي صاحبة الحضور المحوري فيها، تجمعت بين دفتي رواية حملت اسم “خاتم سُليمى” للروائية السورية ريما بالي، الصادرة عن “تنمية” في القاهرة، ونافست على الجائزة العالمية للرواية العربية بدورتها الأخيرة، بوصولها إلى القائمة القصيرة.
ما بين سليمى و”شمس الدين” و”لوكاس”، ثمة قاسم مشترك، رغم اختلاف خلفيّاتهم ورؤاهم وأهوائهم، ألا وهو عشق “حلب”، المدينة الشغف والغواية، والتي تحاول أن تنهض من تحت الأنقاض والأحلام التائهة في أزقة وحواري لم تعد كما كانت قبل ثورة 2011 في سورية.
وتفرض المدينة سحرها على كل من يسكنها، حتى الغرباء عنها، فتتغيّر ذائقتهم، وطبائعهم، بل ودياناتهم أحياناً، كما حال “شمس الدين” الأربعيني، الذي يهجر آلة الغيتار معشوقته التاريخية ويرتبط بـ”القانون”، في حين تهيم “سلمى” ابنة التاسعة عشرة به عشقاً، رغم فارق السن بينهما، فليجأ إلى كتاب “المثنوي” لجلال الدين الرومي، لعله يغيّر أفكارها هذه، ويتركها رفقة الصوفي الكبير لعامين، لتصل إلى قناعة مفادها أنها لا تحب “شمس الدين”، لأن الحب “ما هو إلا خرافة من اختراع العقل البشري”، لكنه يبقى يستوطن كيانها، وتريده “أكثر من أي شيء آخر في الحياة”، فتعيش سنتين أخريين مع مرجعيّات صوفية أخرى، حتى تكمل التسع سنوات، ليبقى ساكنها، بينما تسكن هي دواخل لوكاس المصوّر.
ولعل هذه المعادلة الصعبة تنطبق على علاقة كل من الثلاثة بحلب المدينة، التي جمعت الإيطالي والإسباني بالسورية الفرنسية، صاحبة الدكّان الصغير ومقتنية الأثريات والتحف، التي صنعت بنفسها نسختين من ذلك الخاتم بوحي من “خاتم سليمان”، كان يبدو شاحباً وقديماً ذا نقوش سوداء وفيروزية تشبه تنّيناً ملتفاً حول نفسه، ما يرمز للمدينة السورية الموغلة بالقدم والمثخنة بالجراح، لتهدي إحداهما إلى “شمس الدين”، الذي أطلق عليه اسم “خاتم سليمى” لا “خاتم سليمان”، ولتبقى النسخة الثانية من الخاتم بحوزتها.
أما لوكاس المصوّر الإسباني فكان التقى سلمى، خلال زيارة عمل له في العام 1995 إلى المدينة السورية، وحضر خاتمها، وقتذاك، في أحد صوره، حيث أخذ الكاميرا والتقط “الصور للقنطرة الأثرية القديمة المصبوغة بلون ذوبان الشمس، وكف سلمى مرفوع نحوها ذو الخاتم الذي تناجي تنانينه التنانين الحجرية المنحوتة على الحجر العتيق”، حتى أنها عندما استادرت إليه، ووجّه العدسة نحو وجهها، وضحكت بصوت مرتفع، “غمر الضياء البرتقالي المُحتضِر خدّيها”، وارتعش قلبه.
وفي خضم اشتعال شغفها بسوق حلب، حيث دكّانها، ودكاكين العطارة، وباعة السجاد والبسط، شكلت سلمى مجموعة ثمينة من المقتنيات التي حرصت أن تجمع الجمال والندرة، كما هي مدينتها التي تسكن كل منهما الأخرى.
“قطع غير عادية، ميّزها أن لكل منها قصّة، والقصة روح.. كانت تنحني أمامها سلمى بخشوع، وهي تلفّها برفق في قلب تلك النقوش المجدولة بإتقان وحب، وأنفاس وعرق ودم، وتاريخ ووجدان”.
من ناحية أخرى، وتلبية لشغفها باكتشاف آثار حلب وتراثها، تنتسب لجمعية “العاديات”، وهي جمعية أهلية تعنى بالتراث العمراني والأثري واللامادي في حلب، تأسست في العام 1924 تحت اسم “جمعية أصدقاء القلعة”، واكتسبت أهميتها من طبيعة تكوين مؤسسيها الأوائل، ما عكس حالة التنوع الثقافي والاجتماعي للمدينة، حينذاك، فقد ضمت شيوخاً وعلماء، وكبار مؤرخين ورجال دين، وبالإضافة إلى شخصيات مثقفة بارزة من أطباء ومهندسين وقناصل، كان جميعهم من “مريدي” حلب، كما هو حال سلمى و”شمس الدين” ولوكاس.
اشتعلت سورية بعد العام 2011، وكان لوكاس غادرها قبل الثورة بسنوات، في حين أصر الإيطالي “شمس الدين” على البقاء فيها رغم الخطر الشديد، كما هو حال سلمى التي رفضت مرافقة أسرتها إلى فرنسا.
في أواخر صيف 2012 حاول لوكاس الاتصال بمن لم تغادره يوماً، حين وصلته أخبار اقتراب المعارك من حلب، المدينة التي كانت تعنيه كما تعنيه صاحبة الخاتم، لكن محاولاته بقيت دون جدوى، بسبب انقطاع الإنترنت عن المدينة، وحين تواصل معها، بعد عناء، حاول إقناعها باستثمار جواز سفرها الفرنسي لمغادرة سورية، لكنها تمسكت بحلب، ليقرر تحت ضغط شغف حبّه لها، ورغبته الحلم بتصوير الفقر والحروب والإرث التاريخي والمُهمشين، أن يعود إلى جغرافية القلب، ولو بشكل غير شرعي، ليعيش رحلة الموت في الطريق من إسطنبول إلى حلب، مروراً بتفجير سيارة مفخخة فور دخوله تهريباً إلى سورية، ومشاهد القرى المحروقة الملبدة بالغبار والدخان، وحيث الأطفال الذين يتملكهم الرعب، كما يرافقهم الجوع والانتظار، في طريقه إلى حيث سلمى، مروراً بكل أشكال الحواجز، إلى أن شعر بفوّهة رشاش في ظهره، ومن ثم عصبة تغطي عينيه، في إشارة إلى أن سورية لم تعد كما كانت حين عرفها، كما حلب، ومع ذلك يبقى الشغف مُحركاً ليس للبقاء فقط، بل للعودة إلى حيث الموت يفرد جناحيه العملاقين.
لم يتمكن لوكاس من التقاء سلمى، فبعد ما تعرّض له من أسر وعزل في حلب، وإجبار جيش النظام السوري له على التوثيق المُصوّر لروايتهم، أجبروه على العودة إلى بلاده، ليستعيد رحلته السابقة للمدينة التي أحبها وأحب صاحبة الخاتم فيها، والصور التي التقطها لكل ما هو جميل وخلّاب بمساعدتها، وللأمسية الموسيقية التي قدّمها “شمس الدين” وترافقا سوياً للاستماع إليه هناك في حلب، التي عانت منذ آب 2012، وعلى إثر سيطرة “كتائب الجيش الحر”، من حصار وشح في المواد الغذائية، وانقطاع الكهرباء والماء، في حين فقد “شمس الدين” بيته بكل محتوياته النفيسة، بما فيها آلاته الموسيقية، كما تفرّق أعضاء فرقته، حيث مزقتها الحرب كما مزقت حلب والبلاد، التي يغادرها دون مقدمات لعله يشفى من مرض عضال اكتشفه على حين غرّة، عائداً إلى بلاده، ومُرسلاً الخاتم من إيطاليا إلى إسبانيا، ليبقى شاهداً على العشق الثلاثي لحلب التي يشكل الخاتم رمزية لحيواتهم وعلاقتهم فيها، ولعراقة المدينة وجمالياتها التي أفقدتها إياها حرب “الأخوة الأعداء”.
رواية “خاتم سليمى” لريما بالي، تحكي شيئاً من حلب المدينة بتراثها ومعمارها وتاريخها وثقافتها وفنونها وصناعاتها وحجارة بيوتها وحواريها وأطعمة ناسها وروائحهم التي لم تغادر المكان وإن غادروها إلى جغرافيّات أخرى داخل البلاد أو خارجها، أو رحلوا بصاروخ أو برميل بارود أو رصاصة طائشة أو غير طائشة، في سرديّة امتد زمنها منذ نهاية تسعينيات القرن الماضي ومطلع الألفية الثالثة حتى العام 2017، راصدة عشرين عاماً من علاقات حب متشابكة ما بين الثلاثي متعدد الجنسيات، وما بينهم وبين حلب التي احتضنت حكاياتهم أحياءً وأمواتاً أو ينتظرون.

Share this Article