خالد شعبان: الإغفاءة الأخيرة…بقلم : صقر أبو صخر

shello
shello 2014/04/15
Updated 2014/04/15 at 10:02 صباحًا

 sultan 11

أصل عائلته من صفد، لكنه ولد في دمشق مدينة الصفديين ومهجرهم التاريخي ومنارتهم الهادية، وترحلت عائلته إلى الأردن وأقامت في مدينة الزرقاء. أما هو فعاش جوالاً بين عمان وبيروت، ثم ألقى رحله في دمشق التي أحبها حتى الثمالة.
كان يمكن أن يُستشهد في الأردن إبان العمل الفدائي في أطواره الأولى. وكان يمكن أن يُستشهد في جنوب لبنان حين كنا نتنقل بين قواعد الفدائيين وقذائف إسرائيل. وكان يمكن أن تُميته قذيفة في شوارع بيروت في أثناء الحرب اللبنانية، أو رصاصة من رصاصات الغدر في المأساة السورية، أو في حادثة سير مثلما انقلبت بنا السيارة يوماً في الدامور في سنة 1975، أو تغتاله إسرائيل لأنه مارس العمل السري ضدها. لكنه نجا من الأهوال كلها، ولم يُشفَ من لجاجة العودة إلى بلاده الأولى.
لم توافق إسرائيل على عودته إلى رام الله مثلما عاد كثيرون، بل كان من القلة التي رفضت إسرائيل حقه في العودة. وحجبت عنه السلطات الأردنية جواز سفره طوال أكثر من ربع قرن وأقامت سداً أمام حتى زيارة أهله. ولم يجد غير الشام ليقيم فيها بلا أي قيود. ومَن غير دمشق يحتضن الفلسطيني المجرد من الوطن ومن جواز السفر؟
لم يترك دمشق في آلامها الأخيرة، وظل مقيماً فيها، متنقلاً بين أحيائها، فلا يكاد يودعها لأيام حتى يعود إليها لشهور. وكانت الشام أمه المريضة، وكان بقاؤه فيها بلسماً لروحه المقسّمة بعدما تزوجت ابنته في لبنان، وغادر ابناه إلى الخليج، وتناثر أهله في قفار الأردن.
دون الطريق إلى فلسطين سدود كثيرة. ومع ذلك لم يدرِ أن شرايينه كانت مسدودة أيضاً. كثيراً ما حاول فتح هذه السدود لعله يرجو عودة، ولو قصيرة، إلى بلاده، لكنه لم يحاول البتة فتح شرايين جسده. وعلى الطريق إلى رام الله، قريباً من فلسطين، خانه هذا الجسد، ففتح شرايين قلبه للمرة الأولى والأخيرة، وغفا في رحلته النهائية، وكانت عيناه مفتوحتين على سماء فلسطين، وجسده مغموراً بالضوء، وحواسه متسربلة بأغاني الرعاة الآتية من جبال الجليل.
” السفير ” اللبنانية

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً