دبلوماسية “تويتر” لها حدود….بقلم:كريستوفر هل

shello
shello 2014/05/21
Updated 2014/05/21 at 9:41 صباحًا

فهرس


دنفر- أنتج لنا فن إدارة الدولة الأميركي في القرن العشرين شخصيات مثل دين أتشيسون، وهنري كيسنجر، وريتشارد هولبروك، وكثيرين آخرين ممن نجحوا في إيجاد التوازن بين قوة الولايات المتحدة ومسؤولياتها المتمثلة في تنمية العلاقات الرئيسية، وحل المشاكل، وبناء الهياكل الدولية. وقيل لنا مراراً وتكراراً إن “فن إدارة الدولة في القرن الحادي والعشرين” يَعِد بقطع أشواط أطول وبتقديم المزيد، لأن الدبلوماسيين الأميركيين -وأقرانهم في الدول الأخرى- أصبحوا الآن قادرين على استخدام “تويتر” و”فيسبوك” وغير ذلك من وسائل الإعلام الاجتماعية.
في ظل هذا العدد الهائل من المشاكل الدولية اليوم، فإن الدبلوماسية تحتاج حقاً إلى الجمع بين فن إدارة الدولة القديم من القرن العشرين وبين الأدوات الجديدة التي وفرتها التكنولوجيات الناشئة. ولكن هذه الأدوات لا تكفي وحدها لحل أو بناء أي شيء.
ورغم هذا، فإن الأدوات الجديدة موجودة في كل مكان. من الصعب أن تجد سفيراً للولايات المتحدة في أي مكان من العالم لم يعتنق التحدي المتمثل في إتقان تقنيات الاتصال هذه. وأغلبهم لديه حساب على “تويتر” أو “فيسبوك”، أو أنهم يبثون مشاركات على “يوتيوب” بشكل متكرر، وكل هذا من أجل إبقاء الناس في البلدان التي يعملون فيها (أو في الوطن) مطلعين على أنشطتهم اليومية، أو -من حين لآخر- آرائهم في ما يتصل بقضية ما، أو حتى حالتهم المزاجية. ووفقاً لتقديرات وزارة الخارجية، فإن موظفيها على اتصال مباشر بأكثر من 15 مليون شخص في مختلف أنحاء العالم. ومن المذهل بما فيه الكفاية أن أكثر من 330 ألف شخص هم “معجبون” بصفحة الوزارة على “فيسبوك”.
إن أبناء هذا الجيل من الدبلوماسيين الأميركيين يتغلبون بسرعة على سمعة كونهم شخصيات نائية منعزلة عاطفيا. وإحقاقاً للحق، كانت فرص أي سفير في الماضي للاتصال بسكان الدولة المضيفة ضئيلة، باستثناء المقابلات الصحفية أو التلفزيونية في المناسبات، أو صور اجتماع مع مسؤول رسمي في الدولة المضيفة أو الانتظار على مدرج أحد المطارات لاستقبال زائر من واشنطن. والآن، كما أثبت الدبلوماسيون الأميركيون الذين يستخدمون “تويتر”، أصبحت هذه الفرص غزيرة.
لا تمثل القيود التي يفرضها ضيق الوقت مشكلة. فأغلب سفراء الولايات المتحدة يضمنون تدفقاً مستمراً من التغريدات على “تويتر” من خلال الاعتماد على موظفي الدبلوماسية العامة لنشر الأخبار عن الأنشطة التي يقوم بها السفير يوماً بيوم، بل وحتى ساعة بساعة. وقد نجح العديد من السفراء في جمع متابعات جماهيرية إلكترونية، وتوليد العديد من “المعجبين” فيما يتابعون روتينهم اليومي من اجتماعات وقص للأشرطة. وكلها أمور ممتعة.
ولكن، هل ساعدت وسائل الإعلام الاجتماعية حقاً في تقديم دبلوماسيين أفضل، أو ساعدت في حل مشاكل صعبة؟ إذا كان الأمر كذلك، فلماذا ما تزال هناك الكثير من الأزمات الطاحنة في مختلف أنحاء العالم -الحرب الأهلية في سورية، والمذبحة في مصر، وتدهور العلاقات الأميركية الروسية، على سبيل المثال لا الحصر؟ يبدو أن فن إدارة الدولة الصاخب في القرن الحادي والعشرين لا يرقى إلى مستوى المهمة الصعبة.
يشير المدافعون بدقة إلى أن تجاهل أداة مثل وسائل الإعلام الاجتماعية هو أمر محفوف بالمخاطر. ولكن الأمر المطلوب بشكل عاجل اليوم هو التوصل إلى فهم واضح لحقيقة مفادها أن الدبلوماسية لا تنبني على الصراخ والتواصل مع الجماهير فحسب، بل إنها تقوم على العمل على العلاقات الواحدة تلو الأخرى. وهي في المقام الأول تدور حول الإبقاء على الباب مفتوحاً للتعامل مع الحكومات غير الجيدة.
إن الحكومات، وحتى بالغة السوء منها، تضم الأشخاص الذين يتولون قيادة أي بلد. وربما لا ينبغي لهم أن يكونوا في السلطة؛ وربما ينبغي للجماهير التي تتظاهر في الشوارع أن تفعل ذلك حقا. لكنه لا بد هنا والآن من الحفاظ على هذه العلاقات من أجل مساعدة المجتمعات المستقطبة في إحراز التقدم نحو التغلب على انقساماتها.
كانت سفيرة الولايات المتحدة إلى مصر، آن باترسون، موضعاً للانتقاد الشديد في وسائل الإعلام -وخاصة في وسائل الإعلام الاجتماعية التي لا تحدها حدود دولية (وغير الأخلاقية غالبا)- بسبب جهودها الشجاعة في الإبقاء على الباب مفتوحاً للحوار مع حكومة الإخوان المسلمين. وقد قامت بكل ما ينبغي لدبلوماسي جيد -ورائع في حالتها- أن يقوم به: الحفاظ على العلاقات مع الجانبين، ومحاولة إيجاد طريقة للمضي قدما. والواقع أن كلاً من حكومة الإخوان المسلمين والمعارضة العلمانية اشتكتا من علاقة أميركا بالأخرى.
هذا هو المقعد الساخن حيث تنتمي الدبلوماسية الأميركية. ومع كل الاحترام الواجب للدبلوماسية “الإلكترونية”، فإن هذا النمط من الاتصالات التقليدية الخاصة يظل هو قلب وروح هذه المهنة.
على نحو مماثل، أطلق وزير الخارجية الأميركي جون كيري جهوداً شجاعة لإحياء عملية السلام بين إسرائيل وفلسطين. ونظراً لندرة المعلومات العامة حول استراتيجيته، فمن الواضح أنه ليس من الممارسين الشرهين لفن إدارة الدولة الجديد في القرن الحادي والعشرين -أي أنه لا يفكر بصوت عال. ورغم هذا، فقد نجح في حمل الطرفين على الجلوس معاً من خلال تنمية الثقة، وهي العملة المطلوبة في عالم الدبلوماسية الفعّالة.
ربما كان من غير العدل بعض الشيء أن نقارن بين هذه الجهود وتلك التي بذلتها الولايات المتحدة في سورية. ففي محاولة لاستباق التوقعات الإعلامية المكثفة (وبما يعكس فهماً خاطئاً يصور سورية وكأنها قد تتحول إلى تونس أخرى)، قطعت إدارة الرئيس باراك أوباما في الأساس العلاقات الأميركية بنظام بشار الأسد من خلال تبني المعارضة متباينة الأطياف علناً والدعوة إلى إزاحة الأسد على الفور.
لكن الولايات المتحدة لم تقدم أي إشارة واضحة إلى تصورها لما ينبغي أن يتبع مثل هذه النتيجة، غير الحديث عن عملية انتخابية من نوع ما، وهو ما لن يرقى في ظل صراع طائفي إلى حد كبير مثل الصراع الدائر في سورية إلى أكثر من تعداد تفصيلي للسكان. وليس من المستغرب أن لا يميل الزعماء السياسيون، من أمثال الأسد، إلى تبني عملية يكون الهدف المعلن منها هو إزاحته.
يتعين على الدبلوماسيين الأميركيين -بل والدبلوماسيين في كل بلدان العالم- أن يتأملوا هذه الحقائق، فبدلاً من ملاحقة أرقام قياسية للأتباع على وسائل الإعلام الاجتماعية، ينبغي لهم أن يعملوا على بناء الثقة بين الأطراف كافة في المجتمعات الميالة إلى الصراع، وأن يبحثوا عن المزيد من الزعماء الراغبين في خوض المجازفات من أجل السلام. وعندما يتوقف إطلاق النار وتبدأ الأطراف بالحوار، فسيكون بوسع الدبلوماسيين آنذاك أن يكتبوا قدر ما يشاؤون من تغريدات للتعبير عن مكنون قلوبهم.

الغد الأردنية

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً