دكتاتورية الجزائر المحتضرة

shello
shello 2014/05/11
Updated 2014/05/11 at 9:25 صباحًا


axhvp8j5

الجزائر-  رغم حالته الصحية المتدهورة، فاز الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة بفترة ولاية رئاسية رابعة في الشهر الماضي، بنسبة بلغت نحو 81 % من مجموع الأصوات -أو هكذا ادعى النظام. والواقع أن هذا النصر الصوري الزائف الذي حققه شاغل المنصب البالغ من العمر 77 عاما، وعلى عكس خلق الانطباع بالاستقرار السياسي المتزايد، يؤكد قِلة الاختيارات المتاحة للجزائريين لإحداث التغيير من داخل النظام.
لقد فشلت حكومة الجزائر تحت قيادة بوتفليقة في معالجة التحديات الاقتصادية والاجتماعية الأكثر إلحاحاً التي تواجهها البلاد. وليس هنالك من الأسباب ما قد يجعلنا نتوقع أن تتبدل هذه الحال. فمنذ أصيب بسكتة دماغية في العام الماضي لم يظهر بوتفليقة علناً إلا بالكاد، سواء لإدارة حملته قبل الانتخابات أو لإعلان فوزه بها بعدها.
نتيجة لذلك، يجد النظام الحاكم في الجزائر صعوبة متزايدة في مواصلة زعمه الذي واظب عليه طيلة السنوات الخمس عشرة الماضية بأن زعامة بوتفليقة تمثل السيطرة المدنية على المؤسسة العسكرية. ولذلك ابتكر استراتيجية جديدة تهدف إلى خلق مظهر المرحلة الانتقالية: أنه يعتزم تنقيح الدستور بحيث يسمح بتعيين نائب للرئيس كخليفة شرعي له. وبالطبع، يتلخص الغرض الحقيقي من هذه الخطوة في السماح للجيش بالالتفاف حول “الزعيم المدني” الممتثل المقبل.
سوف يقترح النظام أيضاً “عقداً وطنياً” لبدء الحوار مع المعارضة -كما يفترض. لكنه لم يعد بوسع المعارضة، في أعقاب فوز بوتفليقة الوهمي، أن تقبل بدور صوري في خطط الإصلاح التي يطرحها النظام. والواقع أن مجرد الإعلان عن نية بوتفليقة الترشح للانتخابات كان كافياً لتوحيد الإسلاميين واليساريين -بل وحتى الأحزاب التي احتواها النظام في وقت سابق- وحثهم على تنظيم مقاطعة التصويت. وعندما أعلنت نتائج الانتخابات، سارعوا إلى رفض اعتبار الحكومة الجديدة شرعية.
لكنه لكي تكتسب المعارضة المصداقية، فإنه سيكون لزاماً عليها أن توسع إطار انتقاداتها لتمتد إلى النظام ككل، وأن لا تنحصر في بوتفليقة فحسب. وقد أصبح ذلك بمثابة ضرورة أساسية لبقاء المعارضة، مع بحث المعارضين الأحدث سناً عن سبل جديدة لجلب التغيير السياسي من خارج عالم السياسة الذي تسيطر عليه الدولة.
يتلخص أحد التطورات المهمة في هذا السياق في النفوذ المتزايد الذي اكتسبته الأصوات المعارضة غير الحزبية. فقد تشكلت الحركات غير العنيفة للاحتجاج، ليس فقط على استمرار زعامة بوتفليقة، بل وأيضاً على الدور المتغلغل الذي يلعبه الجيش وأجهزة الاستخبارات في المجتمع المدني. والواقع أن هذه الحركات، مثل حركة بركات (“كفى”) التي تحظى بدعاية كبيرة، شجعت التحول بين الجزائريين من الامتناع الممتعض إلى المقاطعة النشطة.
كما انتقدت الانتخابات أيضاً النقابات السرية -التي تحرك المظاهرات والإضرابات لحماية حقوق العمال، في حين ترفض التعاون مع النقابات الرسمية التي يديرها النظام. وعلاوة على ذلك، اضطلع الشباب بدور بارز في جهود المعارضة، من خلال تعطيل مسيرات حملة بوتفليقة على سبيل المثال. والحق أن مظاهرات الشباب العاطلين عن العمل في جنوب الجزائر؛ مركز صناعة النفط في البلاد، رسمت ارتباطاً مباشراً بين ارتفاع معدلات البطالة وسيطرة المؤسسة العسكرية على موارد البلاد الطبيعية.
من خلال تنظيم احتجاجات سلمية للمطالبة بالمساءلة عن الإنفاق العام، تثير هذه الحركات قضايا لم يتم تناولها أثناء الحملة الانتخابية. وهي أيضاً تتحدى بشكل أكثر مباشرة ذلك الحظر الذي فرضته الحكومة على مظاهرات الشوارع -وهو أحد بقايا حالة الطوارئ التي دامت منذ العام 1992 وحتى العام 2011. ومع انتهاء الحرب الأهلية التي اندلعت في التسعينيات منذ فترة طويلة، لا يجد القائمون على الأجهزة الأمنية أي مبرر أو تفسير لاعتقال الجزائريين لأنهم يطالبون بالوظائف.
بطبيعة الحال، يستمر القمع في ترهيب العديد من الجزائريين. لكنه بات من السهل على نحو متزايد الآن أن يرفع الجزائريون مستوى تعاطفهم مع مواطنيهم من خلال “تويتر” و”يوتيوب” و”فيسبوك”. ومن خلال تحفيز المناقشات العامة اليومية حول انتهاكات حقوق الإنسان المحلية، ينشرون رسالة السخط بمستوى من الكفاءة لم تتمكن الأحزاب التقليدية من بلوغه قَط.
بالمطالبة بتحسين الخدمات الحكومية، بدلاً من “الربيع العربي”، مشى الجزائريون على خيط رفيع، وهو ما يسلط الضوء على عجز النظام عن توفير الأمن والازدهار الاقتصادي، رغم جهوده الرامية إلى خنق كل نِقاش. وبالتالي، فحتى من دون الحديث صراحة عن السياسة، يتحرك الجزائريون العاديون بأعداد متزايدة ضد الحكومة. وقد شهدت المناطق الأكثر حرماناً وإهمالاً أغلب احتجاجات الشوارع، وكانت المطالب الأساسية لهذه الاحتجاجات اقتصادية: الوظائف الأفضل وتحسين خدمات الإسكان والرعاية الصحية، والبنية الأساسية. وبالنسبة لبعض المحتجين، فإن الحصول على الحق في كسب العيش من خلال السوق غير الرسمية قد يكون كافيا.
بذل المتظاهرون جهوداً هائلة -ومدمرة أحياناً- لإيصال أصواتهم، فأغلقوا الطرق، واحتلوا المصانع والمباني الحكومية، وخربوا البنية الأساسية للمياه والكهرباء. حتى أن 150 جزائرياً أشعلوا النار في أنفسهم منذ العام 2011، أمام مباني الخدمات العامة عادة.
من غير المستغرب في هذا السياق أن تفشل المحاولات غير الناضجة التي بذلتها الحكومة لرشوة المتظاهرين. ففي العام 2011، استجابت الحكومة لانتشار احتجاجات العاملين في القطاع العام بزيادة رواتبهم بنسبة 100 % بأثر رجعي بدءاً بالعام 2008، وذلك خوفاً من انتقال العدوى من تونس ومصر، حيث كانت الاحتجاجات قد أطاحت للتو بنظامين مستبدين راسخين. ولكن الخطة أتت بنتائج عكسية؛ فاشتدت حدة الاحتجاجات مع تظاهر عمال آخرين للحصول على فوائد مماثلة، وتنديدهم بالتضخم الذي تولد عن هذه الخطوة.
من المؤكد أن احتجاجات الشوارع خلفت بالفعل أثراً عميقاً على السياسة الاستبدادية في الجزائر، في ظل المخاوف الرسمية من تأثير الانتفاضات الضخمة على الموازنات العامة والتعيينات السياسية. غير أن قرار إطالة أمد رئاسة بوتفليقة لن يوفر ذلك النوع من الزعامة القوية القادرة على التغيير، والتي تحتاج إليها الجزائر لتحقيق وعود الاستقرار التي يبذلها النظام.
إن السلطات الجزائرية تواجه تحدياً كبيراً، لأن رفض المؤسسات التعددية يزيد من صعوبة العثور على شركاء للتفاوض. وكلما حاول النظام شراء المحتجين ورشوتهم، ظهر بمظهر أكثر غطرسة وصلفاً -وتعاظم غضب المواطنين. ومن الواضح أن جيل الشباب الغاضب على وجه الخصوص لا يخشى كثيراً خسارة الفوائد المحدودة التي يعرضها عليهم الوضع الراهن.

الغد الأردنية

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً