«دواعش» مصر.. بين تصدير «الجهاد» واستيراده!

2014/08/27
Updated 2014/08/27 at 9:20 صباحًا

439575b1-51a8-4e5d-9ca0-efdec5fcdd6f

فجّرت صور الشاب المصري إسلام يكن، الذي انضم إلى «داعش»، المنشورة في وسائل التواصل الاجتماعي، قلقاً ظل مكتوماً لفترة طويلة في مصر.
كان معلوماً للجميع أن الآلاف من الشباب المصري قد تدفقوا إلى سوريا بين العامين 2012 و2013 للانضمام إلى المعارضة المسلحة هناك، وانتقل بعضهم إثر ذلك إلى العراق، للقتال إلى جانب تنظيم «داعش».
ومن المؤكد أن عامين من العمل المسلح في سوريا، وبعدها في العراق، فترة كافية لإكساب الشبان المتحمسين مهارات قتالية في ميدان المعارك مباشرة، وهي مهارات قد تُستخدم في مصر، إذا ما قرروا العودة، أو إذا اقتدى بهم آخرون في الداخل.
اللافت للانتباه أن إسلام يكن كان شاباً عصرياً يحب الموسيقى والرياضة، ولم يبد ما يفيد باحتمال أن يصبح عضواً في أكثر التنظيمات الإسلامية تطرفاً، وهو أمر يدل على أن البيئة التي يمكن أن تنمو فيها الأفكار المتطرفة أصبحت أوسع مما كان متصوراً من قبل.
وليست هذه هي المرة الأولى التي تعرف فيها مصر هجرة الجهاديين، فقد شهدت أفغانستان في ثمانينيات القرن الماضي توافداً لشباب الحركة الإسلامية من مصر لمحاربة السوفيات، وهو ما تكرر في البوسنة في مطلع التسعينيات.
وكانت هجرات الشبان للجهاد في هذا البلد أو ذاك تمثل للدولة المصرية فرصة لتصدير أزمة التطرف إلى الخارج. ولكن الذين ذهبوا إلى الخارج بأفكار جهادية، عادوا إلى مصر ومعهم الأفكار ذاتها، وقد أضيف إليها التدريب والخبرة والعلاقات الدولية الواسعة، فضلاً عن إعجاب حظي به المجاهدون الأمميون من قبل قطاعات شابة.
ولكن أزمة الشباب المصري في «داعش» لا تبدو شبيهة بأزمة العائدين من أفغانستان أو البوسنة، فدولة الثمانينيات والتسعينيات المستقرة في مصر كانت قادرة على التصدي بسهولة للعائدين من الجهاد الأممي إلى الجهاد المحلي، ومن دون خسائر كبيرة، كما أن أعداد المهاجرين، ونطاق الحروب الجهادية كانت محدودة ويمكن حصرها، علاوة على أن الدولة المصرية نفسها كانت تلعب دوراً في تسهيل هجرة المجاهدين بما يعني قدرتها على جمع بياناتهم وتتبعهم.
أما اليوم فالحروب الجهادية أخذت في الاتساع من سوريا إلى العراق وليبيا. كما أن هجرة الجهاديين بدأت في وقت لم تكن الدولة تحكم سيطرتها بالكامل، علماً أن الجزء الأكبر منها قد تم خلال فترة حكم «الإخوان المسلمين»، ما يعني صعوبة حصر عدد المهاجرين وتحديد هوياتهم.
والأهم أن خروج جهاديين إلى سوريا لم يقلل من حجم الأزمة بالداخل، فقد تزايد التطرف بعد إطاحة «الإخوان»، ما يعني أن مجاهدي الخارج قد يمثلون إلهاماً وحافزا لمجاهدي الداخل، وقد يمدون أيضا الجسور المباشرة، لبناء فروع في الداخل، حتى قبل عودتهم.
وفي حديث إلى «السفير»، يؤكد الداعية والمفكر الإسلامي ناجح إبراهيم عمق أزمة المصريين في «داعش»، قائلا «أظن أن هناك عدداً كبيراً بالفعل من المصريين في داعش، فعقب تفجر الثورة السورية تدفق الآلاف من الشباب المصري إلى سوريا عبر تركيا. وكانت تكلفة انتقال الشاب الواحد 300 جنيه فقط، وقد دعمت الخطابات الموجهة من المساجد هذا التوجه، وسافر كثيرون من حركة «حازمون»، والجماعات السلفية في القاهرة والدلتا، وجماعة أنصار الشريعة، إلى سوريا واستقروا هناك، حيث تلقوا التدريب على السلاح، وتشبعوا أيضاً بالخطاب التكفيري، فيما انتقل عدد منهم إلى العراق. ويمكن أن تكون الجنسية المصرية أغلبية في داعش».
ويضيف ابراهيم « بعضهم عاد بالفعل ونفذ عمليات، وأحدهم تلقى تدريباً على القنص، واستطاع أن يقتل 14 من أفراد الشرطة ويصيب ثمانية من الجيش، قبل أن يقتل في الشرقية على أيدي قوات الأمن».
ولا يرى ناجح إبراهيم أن الحلول الأمنية كافية لمواجهة الخطر. ويقول «أدعو الدولة إلى إيجاد حل لهؤلاء غير الاعتقال. يمكن أن تناشدهم الدولة العودة إلى الوطن، وأن تفحض حالاتهم بدقة، وتعيد توجيههم ودمجهم في المجتمع».
ويرى إبراهيم أن انهيار مشروع «الإخوان المسلمين» قد دعم الاتجاهات المتطرفة أكثر، بالإضافة للخطاب الديني التكفيري وتدفق الأسلحة من أكثر من مصدر»، مشيراً إلى ان «الصراع السياسي والاستقطاب الحاد في المجتمع ساعدا على نمو أكثر الاتجاهات تطرفاً، كما أن الأحداث الدموية مثل فض اعتصام رابعة ساعدت على التطرف، ثم جاءت داعش لتحدث ما يشبه الإبهار لدى الشباب الإسلامي، مثلما حدث تجاه القاعدة في 11 أيلول العام 2001».
هذا المنطق يدعمه كمال حبيب، الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية، إذ يقول لـ«السفير» إنه «لا تقديرات دقيقة لعدد المصريين في داعش، ولكن من المؤكد أن الكثير من الشباب قد سافروا الى سوريا، وخصوصاً أولئك القادمين من التيارات القريبة من السلفية الجهادية»، مشيراً إلى ان «فتاوى العلماء دعمت سفر الشباب إلى سوريا، وانضم كثيرون هناك إلى جبهة النصرة، قبل أن ينضموا إلى داعش، وبعضهم عاد إلى مصر عقب 30 يونيو».
ويشير حبيب إلى ان صعود «داعش» جعل هذا التنظيم جاذباً لهؤلاء الشباب، سواء ممن سافروا إلى سوريا أو انتقلوا إلى العراق.
ويضيف حبيب «لا نستطيع أن نقول إن سقوط الإخوان هو المحرك الرئيسي للتطرف، فشباب داعش أصلا ضد (الرئيس المعزول محمد) مرسي ومشروعه، وبرغم ذلك، يمكن القول إن سقوط مرسي على هذا النحو قد عزز قناعات هؤلاء بأن العنف هو الطريق الوحيد لتحقيق مشروعهم، لا آليات السياسة وصناديق الانتخاب».
ويوضح حبيب أن «سقوط مشروع الإخوان دفع بقطاعات من السلفيين المتعاطفين مع الإخوان إلى التطرف، مثل أنصار حازم صلاح ابو اسماعيل ومحمد عبد المقصود، وحتى قطاع من شباب الإخوان».
قد تكون مصر على موعد ليس ببعيد مع قضية العائدين من سوريا والعراق، وربما مع عائدين من أماكن أخرى، ما يتطلب استعدادات أمنية وسياسية لمواجهة تلك الهجرة العكسية.
وفي هذا الإطار، يقول الخبير الأمني اللواء أحمد الفولي، في حديث إلى «السفير»: «نحن في مصر معتادون على هذه القضايا، بعد تجربة العائدين من أفغانستان والبوسنة والشيشان. وهناك سياسة كانت متبعة في مصر، وهي سياسة تصدير الأزمة، وبدلا من ملاحقة المجاهدين في الداخل، كان يتم تسهيل خروجهم إلى أماكن التوتر. ولكن هذه السياسة بانت خاطئة. فمن خرج عاد مدرباً ومحنكاً».
ويرى الفولي أن «خطر العناصر المصرية في داعش يتمثل في أمرين: أولهما، أنهم يتجهون إلى بناء جسور مع المتطرفين في الداخل وتكوين فروع لهم في الداخل. وقد رصدت الأجهزة الأمنية بالفعل اتصالات من هذا النوع. والخطورة الثانية هي عودة تلك العناصر وممارسة نشاطها في مصر، وهو ما يجب أن تنتبه له أجهزة الأمن مبكرا».
ولا يتحمس الفولي كثيراً للحلول السياسية، موضحاً «لا أرفض الحلول السياسية تماماً، ولكني متأكد من أنها لن تكون مجدية مع هؤلاء، فالتطرف لا يقبل بالحوار، ولا يغير من وجهة نظره».

السفير

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً