دور الاقتصاد في مقارعة الاحتلال … بقلم : جورج حزبون

shello
shello 2013/11/18
Updated 2013/11/18 at 12:02 مساءً

IMG_2087

لا يمكن ان تتغير سياسية ( الابرتهايد ) الاسرائيلية الاحتلالية  الاستيطانية ، الا اذا اصبح احتلالها مكلفا لها ، و لقد واضحت  الحياة عبر تجارب مباشرة ، لنضالات الشعوب و كتابات الكفاح الشعبي و دروس حروب التحرير ، ان القاعدة الاساسية لجعل المستمعر يضطر  بالبدء في التفاوض لاجل الانسحاب ، هي فقط عندما يبدأ يدرك ان مشروعه الاستعماري الاستيطاني  خاسر اقتصاديا وغير مجدي سياسيا ً.

لقد استوطن ثلاثة ملاين فرنسي في الجزائر ، و اهتموا بمدينة قسنطينة  اكثر من سواها في محاولة لجعلها فرنسية و اصبحت لهم مزارع للنبيذ و مصانع و مدارس و مثقفين ظهر منهم ( البيركامو ) ، و الامر ذاته في رودسيا التي اصبحت ( زمبابوي ) حسب مسمها الوطني،و كان زعيم المستوطنين ( ايان سميث ) قد اعلن عام 1965 الاستقلال عن بريطانيا ، فمقاومة الوطنين الافارقة و قاطعته الدول الديمقراطية ثم الامم المتحدة ، فاعلن تخليه عن السلطة ،وتم توقيع اتفاق الاستقلال، حيث تسلمها روبرت موجابي ، و تحررت زمبابوي ، و في جنوب افريقيا خرجت بريطانيا ، و اقام المستوطنون البيض دولة لهم تميزت بما اصبح  يعرف سياسياً( الابرتهايد ) نظام الفصل العنصري ،واقام السود في جنوب افريقيا جبهتهم الوطنية التي قادها نيلسون مانديلا ضمنت من الشيوعيون الى القومين (ANc) عرفت بااسم   
وكافة القوى الاجتماعية، وتابعت نضلاتها في صراع طويل مثابر حظي باحترام العالم ، حتى وصل السلطة ( دي كليرك ) الذي ادرك ان هذا النهج اوصل البلاد الى المقاطعة الدولية ، وان لا سبيل امامها سوى الاعتراف بحقوق السود ووقف سياسة الفصل العنصري ! رغم ان جنوب افريقيا دولة غنية بموادها الطبيعية من ذهب و الماس و غيره ، و انها تعاونت مع اسرائيل بانتاج القنبلة النووية و اجراء التجارب لها في جنوب افريقيا ، ذلك البلد الواسع و الكبير ، حتى استخدمت شركة الطيران الجنوب افريقي شعار لها ( زوروا العالم في بلد ) .

   بالتأكيد ليس الامرمجرد  عملية اقتصادية على اهميتها و جدواها ، الا ان التفاف الجماهير حول قيادتها حسب برنامج نضالي واضح ومقنع  ، و استعدادها للتضحية ، اسهم في التضامن العالمي ، حيث اتخذت القوى الديمقراطية في العالم تلك المعارك شعارات لها في مطالبة حكوماتها لتأيد تلك الشعوب من اجل الاستقلال ، وليس مثال فيتنام بعيد عن الاذهان ، مع ان التركيز استهدف الاشارة الى الاحتلال الاستيطاني .
لقد تمترست اسرائيل في عداونيتها الى الدين ، حتى وصلت الى المطالبة بالاعتراف بها كدولة يهودية ، وهذا لا يغير من مضمون الوضع شيئاً ، فكل احتلال في التاريخ استند الى فكرة ذرائعية ، و هي تحاول ان تجعل من حالة الفوران العربي الرافض لانظمة الحكم القائمة و بالتأكيد بالتعاون مع دول الاستعمار السابق و اميركا ، لجعل الصراع ديني ، عبر تلك المجموعات الارهابية بالثوب الديني الاسلاموي ، بحيث تقام امارات اسلامية على طريقة حماس ، و هنا يتوفر مناخ الدولة الدينية ؟! و من ابرز تلك المؤشرات ، الاعتداءت هلى المذاهب المختلفة و محاولات تهجير المسيحيين عبر حرق كنائسهم ( مصر ) و ذبحهم ( سوريا و العراق ) ليتم نقلهم الى جغرافيا معينة و تقام دولة مسيحية و تصبح المنطقة العربية مجرد  امارات دينية تعيش غيبوبة ( ميثولوجية ) لعدة عقود تكون فيها قد استقرت دولة اليهود كاكبر قوة اقتصادية و عسكرية بالمنطقة و قد انتهت القضية الفلسطينية كقضية وطنية .

و اذ كانت عملية جعل الاحتلال مكلفاً ، و الاستيطان مرهقاً و الخسارة غير محمولة ، فان المعادلات تختلف ، و هنا يمكن ان تورد قضية العمال في اسرائيل و التي ظلت شوكة و نقطة ضعف وطني و نقابي منذ بدأت تلك العمالة عام 1969 .

لن نبحث في مقولة ان تلك العمالة اسهمت في الاستيطان بحكم البطالة المستفحلة في الضفة و القطاع ، و لكن يجب عدم جعل تلك العمالة اداة لاستغلال قومي و طبقي ، و لابقاء العمال الفلسطينين يعشيون اوضاعاً تشابه احوال العبودية القديمة ، فهم محرومون من الحقوق القانونية في المقتطعان الضرائبية التي وصلت الى مليارات حسب مقاربة بسيطة تقول : لو كانت نسبة التسوية  الضرائبية 11% و ان عدد العاملين في اسرائيل قبل 1994 كان 70 الف فقط سنوياً باجر شهري ثلاثة الاف شيكل ، فان المبلغ المتراكم في هذا الحساب فقط يفترض انه بلغ 6.5 مليار شيكل تلك الفترة ، الى جانب مبالغ اخرى ما زال ينتظر من يطالب بها ( نعمان كنفاني ) 30/7/2013 . علما ان الارقام اكبر بكثير عن المعدلة السابقة والواردة كمثال فقط،للاستغلال الذي يتعرض له العامل الفلسطيني .
و بملاحظة ان نسب الاقتطاعات الضرائيبية من اجور العمال الفلسطينين بلغ 24.18% فان هذه المبالغ التي يجب ان يتم تحصيلها و التوجه لمنظمة العمل الدولية و الحركة العمالية لاسناد المطلب ، حتى تستخدم لاقامة استثمارات تواجه البطالة المتفاقمة باضطراد، و تفضح اساليب الاحتلال في استغلال العمال ، المحرومين امنيا من المبيت في اسرائيل، و الذين يكونوا مجبرين على العمل اكثر من 12 ساعة يومياً منذ الانطلاق مبكراً الى العمل و الاوقات التي تحتاجها العودة مرة اخرى عبر الحواجز و الاذلال  بالتصاريح على المعبر ، اضافة الى وجود عمالة غير منظمة ، دون تصاريح تتعرض للاعتقال والاهانة والضرب .
لقد اشارت اتفاقية باريس في البند الرابع الى ضرورة اقامة نظام ضمان اجتماعي ، و لم يتم تحقيق ذلك ، بل ان تعدد و انقسام الحركة العمالية الفلسطينية ساهم في اضعاف دورها و مسؤوليتها تجاه العمال المستعبدين للاحتلال ، كما و ان منظمة العمل الدولية قررت عام 1989 البدء في اقامة نظام ضمان اجتماعي و كلفت لجنة مختصة كان يرأسها خبير اسكتلندي و حضر معه الى فلسطين الدكتور سمير رضوان وزير المالية المصري بعد ثورة يناير ، و لكن الامر لم تتم متابعته ، ربما بسبب دخول اتفاق اوسلو و باريس على الخط و تحول النقابات الى هياكل ادارية للعلاقات العامة ، وتناسي الموضوع لاسباب مالية ، مع ان الاموال المترصدة بل والمنهوبة من العمال مستحقة !!

و حتى يكون الاحتلال الاستطاني مكلفاً ، يجب عدم خلط الدبلوماسية بالعملية النضالية ، كما يجب ادراك اهمية النضال الجماهيري ، الذي استطاع ان يسقط حكم الاقلية في جنوب افريقيا رغم قدرتها الهائلة مالياً و عسكرياً ، و التجارب كثيرة ، و اشكال النضال متعددة ، وليست احادية على طريقة هل ستكون انتفاضة ثالثة ( يرغب بها الاسرائيليون ) ؟! بل ان الموقف الاوروبي لمقاطعة المستوطنات كان ولا يزال اثره يتفاعل مما يشير الى اهمية الاقتصاد في المعركة ، و التي تقتضي ان يقاطع الفلسطينيون ليس فقط البضائع بل العمل ، و المطالبة بحقوقهم لاستخدام الاموال لصالح توفير اعمال بديلة لهم ، و التوقف عن النزعات الاستهلاكية في مجتمع يعيش تحت الاحتلال  ومن المفترض ان يناضل  من اجل التحرر و الاستقلال الذي يحتاج الى ثمن حتى يتحقق ،والامر يحتاج الى عملية تعبوية مجتمعية لم تعد تستطيع التنظيمات الفلسطينية المتكلسة تاديتها ، بل اشراك اوسع القطاعات الشعبية القادرة على مواصلة العمل لضم كافة قطاعات شعبنا واعادة ثقته بامكانية النصر بعيد عن الاستناد الى السلطة التي تعمل كنظام واطار دبلوماسي بيروقراطي ، سحب معه منظمة التحرير ، و لا يمكن ان نأكل الكعكة و نحتفظ بها معاً .

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً