دولة فلسطين: نحو تجسيد الاستقلال الاقتصادي… بقلم: د. محمد مصطفى

shello
shello 2012/12/12
Updated 2012/12/12 at 10:44 صباحًا

أرسلت الجمعية العامة للأمم المتحدة، بقرارها الاعتراف بفلسطين كدولة مراقبة، بصيصاً من الأمل، وخلقت سبباً حقيقياً للتفاؤل بإمكانية تحقيق السلام العادل والشامل في المنطقة، وحتمية قيام الدولة الفلسطينية المستقلة على أرض الواقع. وقد بدأ النقاش العام وعلى كافة المستويات حول الخطوات التي ستلي هذا القرار الأممي ولذلك فإن هذا المقال هو مساهمة أولية في الجانب الاقتصادي للنقاش.
يُشكّلُ هذا الاعتراف وهذا التفاؤل بما يحمله من المقدرات السياسية والقانونية والأدبية فرصة واعدةً لإعادة بناء الاقتصاد الفلسطيني على أسس مغايرة، تفك وثاقه وتكسر أطواق تبعيته لاقتصاد الاحتلال الإسرائيلي، وتُهيئُ المناخ لإعادة قيامه على أسس أكثر استدامة تجسد الاستقلال الاقتصادي المنشود بعد ما وصل إليه من ضعف بات يهدد البرنامج الوطني برمته.
وكما هو معروف للجميع، فقد شهدت المؤسسات الدولية بأن المسبب الرئيس للوضع الاقتصادي الفلسطيني الهش هو منظومة السيطرة التي فرضها الاحتلال على الاقتصاد الوطني، والتي لا تزال قائمة بعد حوالي عشرين عاماً من توقيع الاتفاقية المرحلية (اتفاقية أوسلو)، حيث لا زالت سلطات الاحتلال تتحكم في الجزء الأكبر من العناصر الرئيسة التي تشكل البنية التحتية للاقتصاد، ألا وهي: منظومة السياسات التجارية والمالية والنقدية، الموارد الوطنية الطبيعية، وحركة العمال، والمعابر الخارجية اللازمة لحركة البضائع والأفراد.
لقد تسبب وجود هذه المنظومة الضاغطة في إحداث مجموعة من التشوهات البنيوية في الاقتصاد الوطني الفلسطيني تمثلت في عجز الموازنة العامة، والعجز في الميزان التجاري، والاعتماد شبه الكامل على السوق الإسرائيلية، وانخفاض الصادرات، وتراجع حجم الاستثمار في القطاعات الاقتصادية الواعدة، وانخفاض مساهمة القطاعات الإنتاجية (وبالذات الصناعة والزراعة) في الناتج المحلي الإجمالي والعمالة.
وقد أدى ذلك بدوره إلى إضعاف قدرة الاقتصاد على خلق عددٍ كافٍ من فرص العمل للمواطنين مما رفع معدلات البطالة وتسبب في استمرار الاعتماد على اسرائيل والمستوطنات كمصادر للتشغيل. وقد باتت مشكلة البطالة، خاصة بين الشباب والتي تجاوزت 35′ عام 2011، مشكلة كبرى بعد أن وصل عدد الداخلين إلى سوق العمل إلى حوالي 45 ألفاً سنوياً بينما لا تستطيع السوق المحلية في الوقت الحاضر توفير أكثر من 15 ألف فرصة عمل سنوياً، حيث أدت ممارسات الاحتلال إلى ارتفاع معدلات الفقر لتصل إلى 30′ عام 2011.
لقد كان جلياً أن السلطة الوطنية الفلسطينية قد ورثت جزءا كبيرا من هذه التشوهات نتيجة الاحتلال الطويل للأراضي الفلسطينية منذ العام 1967. وبالرغم من استمرار الإجراءات الإسرائيلية التعسفية، والتي تسببت في التشوهات البنيوية المذكورة، فقد استطاعت السلطة الوطنية تحقيق كثير من الإنجازات خلال السنوات الخمس التي تلت قيامها، وخاصة خلال الفترة من 1997-2000. فقد بلغ معدل النمو خلال الفترة 1997 1999 حوالي 11.2′ سنويا، وانخفض معدل البطالة من 23′ عام 1996 إلى حوالي 10′ في الربع الثالث من العام 2000، عشية اندلاع انتفاضة الأقصى، ونمت الإيرادات المحلية للسلطة الوطنية لتغطي جميع النفقات الجارية لتحقق فائضا بسيطا في العام 2000. ولعل من المهم التأكيد في هذا السياق بأن المحرك الرئيسي لهذا الانجاز كان زيادة حجم الاستثمار في الاقتصاد، والذي وصلت نسبة مساهمته في الناتج المحلى الإجمالي إلى 34′ سنويا، في حين بلغت نسبة مساهمة الاستثمار في المعدات الانتاجية من الناتج المحلي الإجمالي 14′ سنويا خلال نفس الفترة.
ومن الجدير بالملاحظة، أنه تم تحقيق ذلك في وقت كان لا يزال التفاؤل بقيام دولة فلسطينية مستقلةٍ قائماً. لكن سرعان ما تغيرت الصورة تماماً بعد فشل مفاوضات الحل النهائي في كامب ديفيد 2000، وعانى الاقتصاد الفلسطيني من تصاعد الإجراءات والممارسات الإسرائيلية الغاشمة ما انعكس على كافة مناحي الحياة، وتحديداً الاقتصادية منها، حيث ارتفعت معدلات البطالة والفقر إلى مستويات غير مسبوقة، وانخفضت معدلات النمو بشكل كبير، وزاد العجز في الموازنة العامة بصورة خطيرة. وقد فاقم من هذه المشكلات الانقسام الذي حدث في الصف الفلسطيني وانعكس سلبا على الاقتصاد.
وفي نوفمبر 2007، عُقد مؤتمر أنابوليس للسلام، والذي أشاع أجواءً جديدة من التفاؤل بإمكانية قيام الدولة المستقلة مما شجع المانحين على تقديم مساعدات مالية كبيرة خلال الفترة 2008 2011. ولكن أغلب هذه المساعدات ذهب لتمويل عجز الموازنة العامة للسلطة الوطنية الفلسطينية، ما مكن الحكومة من زيادة الإنفاق العام خلال تلك الفترة. وبالرغم من أن الاقتصاد الفلسطيني استطاع خلال هذه الفترة تحقيق معدلات جيدة للنمو بلغت حوالي 7.8′ سنويا، إلا أن هذا الانتعاش لم يدم طويلاً بعد أن فقدت جميع الأطراف الثقة بالعملية السياسية وتراجعت المساعدات الخارجية التي كانت المحرك الأساسي للنمو في هذه المرحلة، وذلك على عكس المرحلة الأخرى التي كان الاستثمار المحرك الرئيس لها، والتي تزامنت مع تصاعد السياسات الإسرائيلية الرامية إلى عرقلة كل محاولة للنهوض بالاقتصاد الفلسطيني، سواء من خلال استمرار مصادرة الأراضي وتوسيع الاستيطان والسيطرة على الموارد الفلسطينية، خصوصا في المنطقة المصنفة (ج)، واستمرار الحواجز والحصار والسيطرة على المعابر وغيرها.
ومع نجاح الجهود الســـــياسية الفلســطينية في نوفمبر 2012 في الاعتراف بفلسطين كدولة مراقبة في الأمم المتحدة، فإنني أرى أن من أهم التحديات الرئيسية لدولة فلسطين في المرحلة القادمة هو العمل على تجسيد الاستقلال الاقتصادي وبناء اقتصاد جديد ومستقل خالي من التشوهات البنــــيوية المذكــورة وقادر على تعزيز صمود المواطن الفلسطيني على أرضه ورفع مســـتوى حياته وتأهيله للمساهمة في البرنامج الوطني الهادف لإزالة الاحتلال.
وبالرغم من الأهمية الكبرى للقرار الدولي هذا، إلاّ أنه لن يؤدي إلى تحقيق الاستقلال الاقتصادي المنشود، ولن يحل الأزمة المالية أو الضعف الاقتصادي الحاليين بصورة تلقائية. لكن من الضروري العمل على الاستفادة من القرار الدولي، خاصة في ظل أجواء التفاؤل المصاحبة له، من أجل إنهاء منظومة السيطرة الاسرائيلية على الاقتصاد الفلسطيني، والعمل على تطوير منظومة جديدة تعتمد على القدرات الذاتية للشعب الفلسطيني، وتستطيع إعادة الثقة لدى المستثمرين في اقتصادنا، والعمل على تحقيق تنمية اقتصادية حقيقة على الأرض تمكّن وتجسّد الاستقلال السياسي والاقتصادي. ويتطلب ذلك وضع استراتيجية وطنية شاملة يشارك فيها القطاع العام والقطاع الخاص والمجتمع المدني ومختلف فئات الشعب الفلسطيني ومكوناته.
يجب أن تراعي الاستراتيجية الاقتصادية الوطنية المقترحة ما يلي:
تعظيم الميزات النسبية لفلسطين ومراعاة البيئة السياسية وسيناريوهات التطور السياسي وتحديد العمق الجغرافي الملائم للاقتصاد الفلسطيني بما يتماشى مع تطلعاته وإمكانياته، وكذلك تطوير شبكة العلاقات الاقتصادية مع الدول والمؤسسات العالمية بما يتلاءم مع التطور السياسي الجديد باعتبار فلسطين دولة معترفٌ بها في الأمم المتحدة.
العمل على إعادة ترتيب العلاقة مع الجانب الإسرائيلي والتوصَل إلى منظومة جديدة للسياسات الاقتصادية والمالية والنقدية تتلاءم وخصوصية الاقتصاد الفلسطيني بدلاً من المنظومة الحالية التي يحكمها بروتوكول باريس الاقتصادي والاتفاقية المرحلية. ولا بد أن يشمل ذلك ضمان السيطرة على الموارد الطبيعية، بما في ذلك السيطرة على الأراضي والمياه والطاقة والمعادن والشواطئ وترددات البث، والاستفادة المثلى منها ووضع الاستراتيجيات الملائمة لتطويرها. إضافةً إلى السيطرة على المعابر،
العمل على تطوير البنية التحتية للتجارة وإعادة توحيد المكونات الجغرافية للاقتصاد الفلسطيني المجزئ حالياً: القدس، غزة، والضفة الغربية بما في ذلك منطقة الأغوار والبحر الميت ومناطق (ج)،
إطلاق برنامج للإنعاش الاقتصادي يقوم على شراكة حقيقية بين القطاعين العام والخاص، وتُساهم فيه كافة الأطراف المعنية في مؤسسات الدولة إلى جانب مؤسسات المجتمع المدني بطريقة متناسقة وفعالة تتجاوز الشعارات، بحيث يتضمن تنفيذ برنامج استثماري كبير في القطاعات الانتاجية والاستراتيجية المختلفة، ويسهم في تحسين القدرة التنافسية للمنتج الوطني، وقادر على تحقيق إنجاز نوعي في حل مشكلة البطالة، يتم تمويله من خلال شراكات تساهم فيها الشركات الاستثمارية الفلسطينية والعربية والبنوك المحلية والعربية ومؤسسات التمويل الدولية. ومن المبادرات التي يمكن أن يتضمنها برنامج الانعاش الاقتصادي المذكور ما يلي:
مشاريع إنتاج سلع وخدمات قادرة على المنافسة في قطاعات قادرة على التصدير وأخرى ذات صبغة إحلالية بهدف زيادة حصة المنتج الوطني في السوق المحلي وتخفيض العجز في الميزان التجاري الفلسطيني من خلال زيادة الصادرات وتخفيض الواردات.
مشاريع بنية تحتية من خلال شراكة بين القطاع الخاص والحكومة والمانحين، وخصوصا في قطاع الطاقة، بما في ذلك الطاقة النظيفة، وتحلية المياه، والبنية التحتية للتجارة الداخلية والخارجية، بما في ذلك سكك الحديد والمطار الدولي والميناء، والمناطق الصناعية، والمناطق الاقتصادية الخاصة.
برامج لتطوير المناطق المسماة (ج)، واستصلاح الأراضي، وتطوير قطاع الزراعة والتشجير في كل المناطق الفلسطينية، وتطوير البنية التحتية لقطاع السياحة الداخلية والخارجية، من خلال شراكات مع مؤسسات وطنية محلية.
مشاريع كبرى لتطوير برنامج وطني لإسكان ذوي الدخل المحدود وللارتقاء بالخدمات الصحية والتعليمية لما لذلك من أهمية في رفع مستوى العمالة الفلسطينية وملاءمتها لسوق العمل.
برامج للاستثمار في المشاريع الصغيرة والمتوسطة في القطاعات الإنتاجية المختلفة.
ولتحقيق هذه الاستراتيجية الوطنية الشاملة، فإن الأمر يتطلب مجموعة من الخطوات الرئيسية، وأهمها:
أولاً: دعوة الطرف الإسرائيلي للموافقة على ترتيبات جديدة للعلاقة بين إسرائيل وفلسطين في المجالات الاقتصادية والمالية والنقدية وإدارة المعابر والجمارك.
ثانياً: قيام جميع الأطراف الفلسطينية المعنية بالعمل على معالجة الأمور المالية والاقتصادية وتوحيد الجباية الضريبية لما في ذلك من خدمة للمصلحة العامة وتخفيف حدة الأزمة المالية وتحسين الوضع الاقتصادي.
ثالثاً: قيام جميع الأطراف ذات العلاقة بالعمل على إصلاح البيئة التشريعية الاقتصادية بما يتلاءم مع تطورات الأوضاع السياسية ويهيئ بيئة استثمارية جاذبة ومحفزة.
رابعاً: العمل على تعزيز دور القطاع الخاص في الاقتصاد الفلسطيني من خلال توفير حزمة محفزة من السياسات الاقتصادية والمالية يكون أحد أهدافها الرئيسية خلق عدد كبير من فرص العمل، لا سيما أن إطلاق امكانيات القطاع الخاص الفلسطيني وتعزيز قدراته الانتاجية لا يمكن أن تتحقق بالشكل المطلوب ضمن الإطار الاقتصادي الحالي.
قد لا تكون إسرائيل مستعدة في البداية للتعامل إيجابيا مع مبادرات من هذا النوع تهدف إلى تسهيل تنفيذ استراتيجية تجسيد الاستقلال الاقتصادي الفلسطيني. وفي هذه الحالة لابد لدولة فلسطين أن تقود – وبمساعدة من أصدقائها في العالم، وعلى الأخص المؤسسات المالية الدولية بما في ذلك البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية والاتحاد الدولي للاتصالات واتحاد البريد العالمي – حملة دولية ضاغطة لإقناع إسرائيل بضرورة التعاون، وأن تستخدم وضعها السياسي والقانوني الجديد لضمان تجاوب إسرائيل وفرض أمر واقع جديد، إذ لا يعقل أن تستمر ترتيبات المرحلة الانتقالية أكثر من عشرين عاما وبعد الاعتراف الأممي بدولة فلسطين.

‘ رئيس صندوق الاستثمار الفلسطيني ومسؤول سابق في البنك الدولي

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً