“رحلة إلى أرض الميعاد 2040”.. مِخيال كولونيالي فاضح في “القصة العبرية الأولى”

shello
shello 2024/07/09
Updated 2024/07/10 at 12:06 مساءً

الايام – بديعة زيدان:نُشرت قصة “رحلة إلى أرض الميعاد 2024” لإلحانان ليب ليفينسكي، بالعبرية في العام 1892، أي قبل صدور رواية ثيودور هرتسل “أرض قديمة جديدة” بقرابة عشرة أعوام، وأيضا قبل وضع كتابه “الدولة اليهودية” بحوالى أربعة أعوام، وتعتبر بمثابة دليل عمل للحركة الصهيونية، بحيث حدّدت لليهود معالم الطريق، ووضعت النقاط على الحروف، ولم تكن مجرّد أفكار متناثرة، أو شطحات فكرية، حتى أن الحركة الصهيونية آمنت بمضمونها، وسارت على خطى أفكارها حتى تم إنشاء “دولة إسرائيل” على أنقاض الشعب الفلسطيني في العام 1948، لذا فإن العديد من الباحثين والنقاد يعتبرونها من أساسيات إنشاء الدولة، بعد ستة وخمسين عاماً فقط من نشرها.
وصدرت القصة بالعربية، مؤخراً، عن المركز القومي للترجمة في العاصمة المصرية القاهرة، عن ترجمة سعيد عبد السلام العكش وبدوي محمد أحمد ماضي، بحيث أشار المركز على الغلاف الخلفي لها، إلى أن الهدف من إصدارها “التعريف بالمخططات الصهيونية، وأسباب نجاحها في تحقيق أهدافها، وذلك كي نزداد معرفة وحذراً، حتى لا تتكرر هزائمنا مرّتين: مرّة في مراحل الحرب، وأخرى في مرحلة السلام”.
وإلحانان ليب ليفينسكي، كاتب روسي يهودي، عاش في الفترة بين العامين 1857 و1910، ونُشرت قصته في مجلة “برديس”، ويعرف فيها رؤيته المستقبلية للحياة في دولة إسرائيل المرتقبة، وذلك عبر تصوّره لرحلة إلى فلسطين يُطلق عليها في الأدبيات اليهودية “إيرتس يسرائيل”، وهي التسمية العبرية الصهيونية لأرض فلسطين، وترجمتها في العربية “أرض إسرائيل”، وذلك كنوع من ربط اليهود نفسيّاً بهذه المنطقة من العالم لدفعهم إلى الهجرة واستيطانها، علماً أن حدود “إيرتس يسرائيل” غير معروفة على وجه الدقة لأنها مقولة جغرافية تاريخية متغيّرة.
وتقوم الشخصية المحورية في القصة برفقة زوجته بزيارة متخيلة إلى فلسطين، التي يسميها “أرض يسرائيل” في العام 2040، يتخيّل فيها ما سيكون عليه المجتمع اليهودي في هذه الدولة في كافة النواحي: الاجتماعية، والعسكرية، والاقتصادية، والعلمية، وغيرها، مُقدماً صورة مثالية مُغايرة تماماً لأرض الواقع في فلسطين.
واعتبر العديد من النقاد “رحلة إلى أرض الميعاد 2040″، أول قصّة تندرج تحت أدب الخيال العلمي السياسي، وأول “يوتوبيا” عبرية.
ويأتي نشرها بالعربية، خلال حرب الإبادة الإسرائيلية المتواصلة على قطاع غزة، ليعيد القارئ إلى واحدة من أكبر عمليات النهب الاستعمارية في التاريخ، أي عملية انتزاع فلسطين من أهلها على يد العصابات الصهيونية، بإشراف الصهيونية العالمية، وبدعم وإسناد من القوى الاستعمارية العالمية.
وإصدار هذه الرواية بالعبرية نهاية القرن التاسع عشر، يؤكد أن التوجه الفكري والأدبي للصهيونية، لم يكن منفصلاً عن توجهها السياسي والممارساتي على أرض الواقع، فالحركة الصهيونية، ومنذ تأسيسها، عمدت إلى بث أفكارها وأدبياتها بين اليهود في شرق ووسط أوروبا وروسيا خاصة، موظفة الأعمال الأدبية الشعرية والنثرية للأدباء اليهود من مؤيديها وروادها.
وكما في قصة إلحانان ليب ليفينسكي، فإن جلّ الأعمال الأدبية في تلك الفترة كانت ترسم صورة خيالية طوباوية لأرض فلسطين، التي تفيض لبناً وعسلاً، علاوة على وصفها للحالة المزرية والضياع النفسي والمادي التي وصل إليها اليهودي خارجها، وأن الحل الوحيد لكل هذه المعاناة، أو ملاذ اليهودي الأخير، الهجرة إلى “أرض الآباء”، أو “الأرض التي تنتظر أصحابها المشتتين حول الألم منذ ألفي عام، والتي تنتظر شعبها اليهودي ليسكنها ويعمّرها”، كما جاء في القصة، التي تعتبر من أبرز الأعمال القصصية العبرية التي دعت إلى استيطان فلسطين، إبان الحكم العثماني، علاوة على ما ذكرته باعتبارها أولى قصص الخيال العلمي السياسي في الأدب العربي الحديث، نهاية القرن التاسع عشر، كما أنها تمثل في مجملها مخططاً استراتيجياً لإقامة الدولة الصهيونية على أرض فلسطين، تضم مجتمعاً عبرياً اشتراكياً يتحدث العبرية، ومتقدماً علمياً وتكنولوجياً، ويسعى للسلام، وهو ما يتناقض وواقع إسرائيل كدولة فصل عنصري، يحكمها اليمين الأكثر تطرفاً، والمجرمون من المستوطنين، على بعد ستة عشر عاماً من التاريخ المتخيّل للقصة الصادرة في العام 1892.
يسوق ليفينسكي القصة في إطار أدب رحلات خيالية طوباوية، بحيث تتناول رحلة في العام 2040 لزوجين يهوديّين قادمين من سورية، متجهين إلى ما سماها “إيرتس يسرائيل”، حيث الدولة التي تم بناؤها على أرض فلسطين، قبل مئة وخمسين عاماً، أي أن الدولة اليهودية، حسب مخيال ليفينسكي، أقيمت في العام 1890، كما يصف فيها، عبر الرحلة، مُستخدماً ضمير المتكلم، مدن تلك الدولة المتخيّلة وقراها، بساتينها، وحقولها، ومزارعها، وبيوتها، وشوارعها، وجبالها وسهولها ووديانها، وبحارها، مُقدماً صورة للدولة الحديثة المتطورة التي تعتمد على العلم والتكنولوجيا، وتأخذ بهما في كافة مجالات الحياة العلمية، والصناعية، والزراعية، والتجارية، وغيرها، كما يصف الكاتب من خلال سرد الشخصية المحورية، أو الراوي، المظاهر الاجتماعية للمجتمع الإسرائيلي المتخيّل، والذي كان يرى أن مرجعيته يهودية توراتية، وأن أحكام التوراة تحكم يومياته، ومعاملاته التجارية، والأسرة أيضاً.
كما تناولت القصة سرداً لمراحل بناء الدولة، بدءاً من المستوطنات الأولى ودور الحركة النسائية في بنائها، وعبر جماعات استيطانية من أبرزها: “أحباء صهيون”، و”الحركة الصهيونية”، والتي ينتمي إليها الكاتب نفسه، مؤكداً في سرديته هذه على أهمية امتلاك اليهود للأرض بسندات تثبت أحقيتهم فيها، وأن حصولهم عليها بطريق سليمة، عبر عمليات بيع وشراء، يجب أن تكون الأساس، لا عبر العنف والاستيلاء القصري، كما وصفت الشكل السياسي للدولة المفترضة، وجيشها، وتعداده، وحتى شكل الحروب التي يخوضها ذلك الجيش، وعلاقة الدولة اليهودية بجيرانها.
كما أشار إلى أن القدس في العام 2040 ستكون محور العالم برمته كما كانت في العصور السابقة، كما أنها ستكون مركزاً روحيّاً يتجمع حوله اليهود وكل أصحاب الديانات الأخرى.
ويتناول الفصل الأول تعريفاً بالزوجين، فالزوج مدرس عبرية في أحد المعاهد اليهودية بسورية، وهو ابن أحد حاخامات الطائفة اليهودية هناك، في حين أن زوجته كانت طالبة في المعهد ذاته، وابنة أحد أغنياء الطائفة، فيقرران الاحتفال بزواجهما برحلة إلى “دولة إسرائيل”، راوياً قصة الإحياء القومي لليهود مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وهو ما رآه مرتبطاً بإحياء اللغة العبرية واعتبارها لغة قومية لكل يهود العالم، في حين يتناول الفصل الثاني وصولهما إلى محطتهما الأولى في الدولة المنشودة، “أشدوت” أو أسدود، حيث بقيا ثلاثة أيام، قبل الإبحار بسفينة “يهودا هامكابي”، وهي سفينة حديثة تعمل بالطاقة الكهربائية، وتملكها شركة السفن العبرية في يافا، واصفاً التقدم الهائل في المدن الإسرائيلية، متحدثاً أيضاً عن “فندق القدس” باعتباره الفندق الأهم في البلاد، ويرتفع باثنين وثلاثين طابقاً، ولغته الرسمية هي العبرية، ويحضر في الفندق شخصيات من مثل رئيس مدينة “حبرون”، أي الخليل، والحاخام الأكبر لـ”فيلنا”، والبروفيسور يهوشع بن نون، وغيرها.
وفي الفصل الثالث، يواصل الزوجان رحلتهما، عبر السفينة الكهربائية الحديثة، متجاهلين حركة الطيران المتقدمة، باتجاه: “عين يعقوب”، و”وادي بنيامين”، وعكا، والكرمل الجديدة، وحيفا، وغيرها من المدن بأسمائها العبرية المتخيلة، واصفاً إياها وجبال لبنان التي هي جزء من الدولة اليهودية المفترضة عند ليفينسكي.
ويتناول الفصل الرابع وصول الزوجين إلى يافا، التي يصفها ببوابة “إيرتس يسرائيل” إلى أوروبا والعالم، مشيراً إلى أن المدينة الساحلية الفلسطينية بالأساس، والإسرائيلية حسب القصة، كانت “خربة” ثم أصبحت بفضل الاستيطان اليهودي مركزاً تجارياً وصناعياً مهماً، وهو ما يتناقض وحقيقة أن يافا، وحتى في الفترة التي عاش فيها ليفينسكي، كانت حاضرة فلسطينية عربية من أبرز الحواضر في المنطقة اقتصادياً، وثقافياً، وتعليمياً، وليست “خربة” كما ادّعى زيفا، في حين تناول وصف القدس بـ”الجنة الخضراء” في الفصل الخامس، الذي خصصه لها، بعد أن حطّ الزوجان بها، قادميْن من يافا، متحدثاً عن “قرية السلام”، وهي قرية عبرية، تجسد تحقيق حلم الصهيونية، حيث أصبحت الزراعة حرفة اليهودي الأساسية، “التي تربطه بأرض أجداده”، وفق ادعائه، يليها وصف للرحلة إلى “شكيم” أي نابلس، حيث القلعة الحصينة لليهود، ويحرسها “رجال أشدّاء على رأسهم قائد الحصن، أليعازر هاعنتوني”، ومن ثم ينتقل بعدها إلى “مشمار هايدرن”، وهي مدينة جديدة تم بناؤها، منذ ثمانين عاماً، وفقاً للمخيال الزمني للقصة، وتقع على ضفاف نهر الأردن، قبل أن يعود مجدداً، عبر الزوجين، إلى القدس التي يسميها “أورشليم”، التي يقول، عائداً إلى الكذب الواضح، إنها “بُعثت من موتها ونمت وازدهرت”، بعد أن أصحبت “مركزاً للاستيطان، وأقام فيها اليهود وعاشوا فيها بسلام، حيث لا قلاع ولا حصون ولا أدوات دفاعية”، قبل أن يتوجها إلى “قلعة مساداة التاريخية”، ثم “عين جدي”، ومنها “شولاميت” محبوبة الملك سليمان الحكيم، تبعاً للقصة وكاتبها، فمناطق أخرى، قبل أن يصف رحلة العودة إلى سورية، على لسان الزوج معلم اللغة العبرية في أحد المعاهد اليهودية فيها.
وتبرز أهمية القصة، علاوة على كونها الأولى من نوعها في الأدب العبري، بمضمونها الذي يحقق الفكرة الصهيونية باستثمار الأدباء من أبناء الحركة لتحفيز اليهود على الهجرة إلى فلسطين والاستيلاء عليها باعتبارها كانت تشكل ركناً أساسياً لها، ولضمان مخططاتها بإقامة دولة اليهود على أرض فلسطين.

 

Share this Article