رحل غودار وبقي إرثه الفني .. بقلم :مهند عبد الحميد

2022/09/27
Updated 2022/09/27 at 8:01 صباحًا

«ما زلت أؤمن بالثورة وأرى أنها ربما تحقق الحل لكن شريطة أن تكون أولاً ثورة»: إن مهمتي بوصفي مخرجاً سينمائياً هي قول الحقيقة دائماً» .
القائل: جان لوك غودار المخرج السينمائي الفرنسي السويسري الذي بقي مخلصا للثورة  إلى حين فارق الحياة بتاريخ 13 أيلول الجاري عن عمر يناهز الـ 91 عاما. وبقي أمينا على مقولته الشهيرة: «إذهب إلى الضوء واجعله يشع على ليلنا».
يعتبر غودار من أهم المؤثرين في السينما على صعيد كوني، وكان عراب الموجة الجديدة في السينما الحديثة نقدا وإخراجا. وظل يلهم سينمائيين متمردين شبابا ينتمون لأجيال متعاقبة. واعتبر من أهم المناصرين والداعمين لحركات التحرر ومن أهم المعارضين للحروب الاستعمارية. جسد بفنه أفكار ما بعد الحداثة والبنيوية والتفكيكية.
لم يأتِ غودار إلى قواعد الثورة الفلسطينية كمتضامن يعلن موقفا ويلتقط صورا أو يخرج فيلما ويعود أدراجه من حيث أتى. قال: فكرنا أن نأتي إلى فلسطين بدلا من أن نذهب إلى مكان آخر لأن الوضع هنا معقد ومختلف وفيه تناقضات كثيرة وأقل وضوحا من أماكن صراع أخرى. الرفيق الجيد يذهب حيث الصعوبات وحيث التناقضات أكثر حدة، مستشهدا بمقولة لماو تسي تونغ. وأضاف: نريد أن نعمل دعاية للقضية الفلسطينية بالصوت والصورة، نطرح المشاكل ندرس ونبحث ونسجل ونعرض النتيجة «المونتاج» على مناضلين آخرين، فالفيلم يعني حل مشكلة ماثلة كل يوم.
غودار انطلق من كونه جزءا من الثورة العالمية التي ستطيح بالتوحش والعفن الموجود في العالم قبل حدوث الدمار. وأبدى حماسه للمشاركة بالثورة من موقعه السينمائي المرموق. حينذاك شكل مجىء غودار ومعايشته للعمل الفدائي على الأرض نقطة التقاء شديدة الأهمية بين الثورة الفلسطينية، والثقافة الكونية في أعلى تجلياتها ممثلة بالسينما كوسيلة للتنوير وتحقيق الصدمة، مجسداً بذلك التقاء الوعي بالعمل الثوري، التقاء الفنان المثقف بالمقاتل على أرض المعركة. وعلاقة النضال على الجبهة السياسية بالنضال على الجبهة الفنية الثقافية، ذلك أن مقاتلة العدو تكون بالبندقية وبالأفكار.
الثورية بالأفعال والأعمال التي مارستها الثورة الفلسطينية عند انطلاقتها، كانت بحاجة إلى أفكار متجددة ومتغيرة بالممارسة وصولا إلى نهاية ظافرة، وعلى النقيض من ذلك فإن الأفكار والشعارات الثورية دون ممارسة ثورية تبقى بلا جدوى. هذا ما حاول غودار معالجته في فيلمه «ثورة حتى النصر» في العام 1969 الذي صور الثورة الفلسطينية على أنها جزء من الحرب الطويلة والممتدة التي يقودها الشعب الفلسطيني ضد إسرائيل والمرتبطة بنضال جميع الشعوب ضد الامبريالية وحلفائها. «ثورة حتى النصر» لم ير النور إلا في العام 1974 تحت مسمى «هنا وهناك»، الذي تكون من جزأين، الجزء الذي كانت أحداثه في قواعد الثورة، والجزء الثاني يتألف من مشاهد لعائلة فرنسية عادية تجلس مقابل جهاز التلفزيون متفرجة على «ثورة حتى النصر» وعلى مجموعة مشاهد وصور أخرى. وفي السياق يدور نقاش حول الإعلام والثورة والـ «هنا» – أي فرنسا – والـ «هناك» أي فلسطين، أو أي مكان في العالم. ومن خلال ذلك النقاش يبدو واضحاً أن فيلم غودار هذا طرح مبكراً عدداً من القضايا السياسية والاجتماعية والعائلية التي كانت بدأت تتحرك في العالم في ذلك الحين، وتحديداً من حول قضية الإعلام… مفتتحا مجالاً جديداً لتفكير السـينما وتفكير الإعلام كما يقول الناقد إبراهيم العريس. وكان غودار قد تحدث في العام 1970 عن الهزائم الإعلامية وعن سعي الامبريالية لإفساد معنى الثورة، منتقداً جريدة فتح التي كانت تضع صور القيادات أكثر من وضعها صور المقاتلين.
وبقي غودار مدافعا عن القضايا العادلة للشعوب في مواجهة كل اضطهاد واستعمار وقمع، ففي فيلمه «كتاب الصورة» الذي قدم فيه صوراً ومقاطع من نشرات الأخبار التلفزيونية ولقطات من بعض الأفلام القديمة وموسيقى ومناظر طبيعية. يتحدث فيه عن الإشكالية بين الغرب والعالم العربي، ينتصر للشعوب العربية ويعتبر أن الحضارة البشرية ولدت هنا، إذ يطول أحد الصراعات الكبرى في الشرق الأوسط كمنطقة مركزية من حيث الأهمية الجيو سياسية إلى اليوم. ويوضح في معرض استعراضه لإخفاق الثورات العربية، أن الناس ليس لديهم خيار آخر سوى اللجوء للعنف، وهو هنا لا يحرض ولا يعترض على العنف بل يقدم المشكلة كأعراض لنظام غير متكافئ على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي كما قال. ويعرض على سبيل المثال لقطة قديمة لمجموعة كبيرة من السجناء الشباب الفلسطينيين الذين أرغمتهم قوات الاحتلال على الزحف على بطونهم، ثم ينتقل إلى اللقطة الشهيرة من فيلم «سالو» لبازوليني، حيث نشاهد مجموعة من الشباب والفتيات العراة أرغمهم الفاشيون على الزحف على الأرض أمامهم. لقد ترك الصورة تتحدث ببلاغة عن التماثل في القمع والاضطهاد وعلاقات القوة.
رحل غودار بإرث من الأفلام المهمة والصادمة وبفلسفة سينمائية متمردة، وبمنظومة قيم إنسانية تحررية. بقي في كل مراحل مسيرته الفنية صاعدا، منتقلا من طور إلى طور جديد ومن مفاجأة إلى أخرى. كان انحيازه لفلسطين الشعب والثورة منسجما مع مرحلة الثورة التي اندلعت بقوة بعد هزيمة 67، ونقطة التقاء بين اندفاع ثوري فلسطيني ودور فنان ملتزم بقضايا الحرية والعدالة وبرسالة التغيير المناطة بالمثقف الثوري. لم يكن غودار أول داعم وملتزم بقضايا التحرر والمشاركة فيه فقد سبقه فرانز فانون الذي انخرط في الثورة الجزائرية، ومكسيم رودنسون وجاك بيرك وجورج فريدمان وسارتر وسيمون دو بوفوار الذين دعموا تحرر الشعوب العربية، ومن خارج النظام الغربي حظي الشعب الفلسطيني والشعوب العربية بدعم المنظومة الاشتراكية وسائر حركات التحرر. لا شك بأن النخبة المثقفة الفلسطينية والعربية بنت عبر التواصل جسوراً  لعبور مثقفين وفنانين عالميين جبهة الثقافة والفن ليشاركوا ويدلوا بدلوهم. فقد ساهم إدوارد سعيد وهشام شرابي وأبو لغد وجبرا إبراهيم جبرا ومحمود درويش ومحمود الهمشري ونعيم خضر ووائل زعيتر وحنا ميخائيل، ومعين بسيسو وأبو سلمى وغيرهم، ساهم هؤلاء في بناء علاقة التحالف والتضامن الأممي ونجحوا في جذب العشرات أو المئات.
الآن توجد هوة وحالة من تراجع الثقافة والمثقفين والفنانين أدت إلى ضعف التشارك الذي تزداد الحاجة المتبادلة إليه في مرحلة التوحش السياسي والاقتصادي والأمني. الغياب الثقافي الفني الرسمي لا يختصر المشهد «بنستولجيا» الحنين إلى غودار بعد وفاته، فثمة نمو لثقافة فلسطينية تجد صدى لها في العالم سواء عبر الحضور الفلسطيني في عدد من بينالات العالم، أو عبر الحضور الأدبي والأكاديمي الفردي غير الممأسس.

Share this Article