رحيل رجل حر ومناضل ثوري … وداعاً خالد شعبان … بقلم: أنور جمعة

shello
shello 2014/04/19
Updated 2014/04/19 at 8:59 صباحًا

sultan 11

وطأت قدماه أرض الوطن للمرة الأولى في حزيران عام 2012م، يومها خرجنا رفاقاً ورفيقات، لاستقباله على بوابة فلسطين الجنوبية برفح، بقلوب يملأها الحب والاحترام، لقائد وطني ورفيق جبهاوي، أفنى عمره وشبابه في خدمة قضية شعبه، وتحمل البأساء والضراء في سبيل حماية فكرة النضال والثورة، وكان الحصن الآمن لرفاقه في الشدائد والأنواء التي عصفت بثورتنا من كل حدب وصوب.

إنه الرفيق القائد الوطني خالد شعبان، الذي عرفناه باسمه الحركي “سلطان” أمين سر اللجنة المركزية لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني؛ وعضو مكتبها السياسي؛ هذا الرجل الذي عاش معاناة شعبنا، وذاق مرارة التهجير، منذ أن أبصرت عيناه الحياة عام 1952م، في مخيم الزرقاء للاجئين الفلسطينيين في الأردن، فوهب نفسه وفكره، ووقته وجهده لفلسطين وقضيتها، فسارع للالتحاق بصفوف جبهة النضال الشعبي الفلسطيني عام 1968م، واستطاع أن يلعب دوراً بارزاُ في بناء وتطوير الجبهة سياسياً وعسكرياً، جنباً إلى جنب مع رفيق دربه الدكتور سمير غوشة والمؤسسين الأوائل للجبهة، ومما يسجل له نجاحه في إقامة علاقات سياسية مميزة للجبهة مع كثير من أحزاب وقوى التحرر والديمقراطية والاشتراكية في العالم، ومشاركته الفاعلة في بناء القواعد العسكرية وإنشاء مراكز التدريب في كافة ساحات وميادين عمل الثورة الفلسطينية، مما ساهم في تنمية القدرة العسكرية للجبهة، وساعد في انتشارها وسط تجمعات الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات.

وإلى جانب ذلك تولى الشهيد شعبان في الجبهة مهمات وطنية عديدة منها: سكرتير ساحة الأرض المحتلة، ومسؤول دائرة الأمن المركزي، وسكرتير الساحات الخارجية، وعلى الصعيد الوطني العام كان عضواً في المجلس الوطني الفلسطيني، وعضواً سابقاً في المجلس المركزي، وعضواً في المجلس العسكري الأعلى لمنظمة التحرير الفلسطينية.

هذا هو الرفيق والقائد “سلطان” الذي انتظرنا يومها زيارته لقطاع غزة بفارغ الصبر، هو رفيق من الرعيل الأول في الجبهة، عرفناه وأحببناه قبل أن نلقاه، أول ما وطأت قدماه أرض الوطن قبل ثراه، والابتسامة لا تكاد تفارق محياه، مررنا حينها بلحظات مؤثرة للغاية، امتزجت فيها مشاعر الفرح باللقاء، وببهجة العودة لمناضل طوى من عمره يومها ستة عقود من الزمن، كان يحلم طيلتها بالعودة لأرض الوطن. ولكنها للأسف كانت عودة مؤقتة اقتضتها ضرورات النضال وظروف العمل الوطني لرفيقنا المكافح، الذي لم يتوانى يوماً عن التضحية والعطاء من أجل فلسطين وشعبها.

استغرقت المهمة النضالية للرفيق “سلطان” في قطاع غزة نحو أسبوعين، لم يكن خلالها قائداً فحسب، بل كان أباً ومعلماً وصديقاً لكل رفيقة ورفيق في قطاع غزة، عرفناه في تلك الفترة من وجوده بيننا بقلبه الطيب، وسعة صدره، وتسامحه، الذي لم يتناقض إطلاقاً مع حزمه في المواطن التي تتطلب الحزم والحسم.

أصر الرفيق “سلطان” فور وصوله لقطاع غزة، أن يكون أول عمل له عيادة الرفيق ممدوح الجبور عضو اللجنة المركزية للجبهة الذي كان يصارع الموت إثر مرض عضال ألم به، والعمل الثاني زيارة ضريح الشهيد نبيل القبلاني عضو المكتب السياسي للجبهة، وكان لهذا العمل الإنساني والرفاقي عظيم الأثر في نفوس الجميع، ومما زاد من احترام هذا القائد الإنسان، الذي جسد نموذجاً للوفاء لتضحيات الشهداء الذين ضحوا بأرواحهم من أجل الدفاع عن شعبنا وقضيته الوطنية العادلة. وبكلمات مقتضبة ومؤثرة أمام أضرحة الشهداء بغزة جدد الرفيق “سلطان” العهد للشهداء بمواصلة النضال والمقاومة، وأقسم بدماء الشهداء، وأهات الجرحى، وأنات الأسرى، ومعاناة اللاجئين بأن تبقى الجبهة مخلصة ووفية للمبادئ والأهداف الوطنية التي انطلقت من أجلها، وفي مقدمتها حق العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، والإفراج عن كافة الأسرى من سجون ومعتقلات الاحتلال.

المحطة الثانية للرفيق “سلطان” كانت المقر المركزي لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني، حيث تناولنا أطراف الحديث، واكتشفت كم هو عظيم هذا الرجل بأخلاقه وفكره وسلوكه، الذي مكنه خلال وقت قصير جداً أن يكتسب قلوب وعقول كافة الرفيقات والرفاق, وأن يترك فيهم أثراً طيباً، زاد من انتمائهم للجبهة، وزاد من محبتهم لهذا الرفيق العزيز.

كان الرفيق سلطان يؤمن بدور الإعلام الحزبي في دعم المشروع الوطني، ويقدر رسالته في نشر أفكار ومواقف الجبهة، ويدرك أهميته في نشر الوعي، وتعزيز الانتماء بين أعضاء الجبهة، وكم هي من أوقات ممتعة جلسناها سوياً، طرح خلالها رؤى خلاقة، وأفكار إبداعية، لتطوير عملنا الإعلامي، واتفقنا سوياً على تأريخ مسيرة الجبهة، وكتابة سير مناضليها وشهدائها، وتوثيق دورها الوطني في كافة المحطات التي مرت بها الثورة الفلسطينية، وأخذ على عاتقه بذل كل جهد لإعادة تجميع أرشيف الجبهة من وثائق وأدبيات ومواد تثقيفية، ولكن القدر لم يمهله طويلاً لتحقيق أمنياته وطموحاته، ولكننا نعاهد رفيقنا القائد “سلطان” بأن تتواصل جهود كل الرفاق في الجبهة حتى تحقيق هذا الهدف الوطني, وتلك الغاية السامية.

وخلال إقامته بغزة جال الرفيق “سلطان” كافة مخيمات ومدن قطاع غزة، وزار مقرات الجبهة في كافة المحافظات، والتقى قيادة وكوادر الجبهة، واستمع لهم، واستمعوا له، فكان بحق نموذج للشموخ الفكري، ورائد في منهجية الإقناع، ومدرسة جامعة في السياسة والتنظيم. والتقى كذلك قادة فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، وممثلي المنظمات والاتحادات الشعبية، وعدد كبير من الوجهاء والشخصيات الوطنية في قطاع غزة. وفي كلمة سياسية شاملة له أمام ممثلي القوى الوطنية والإسلامية وقادة الرأي والفكر بغزة ، دعا الرفيق “سلطان” إلى نبذ الخلافات ومعالجة القضايا الداخلية بالحوار الوطني الشامل، وأكد على مواصلة الجبهة جهودها واتصالاتها مع الكل الوطني لتحقيق الوحدة واللحمة للشعب والوطن والقضية، وقال: “أن المعركة الحقيقية لشعبنا كانت ومازالت وستظل مع الاحتلال الإسرائيلي”، وشدد على أهمية التمسك بالوحدة الوطنية، باعتبارها شرط تحقيق الانتصار لشعبنا وقضيته الوطنية.

وانقضت سريعاً زيارة الرفيق “سلطان” لأهله وشعبه ورفاقه بغزة، وودعه الجميع على أمل اللقاء في موعد ليس بالبعيد، ولكنه الموت الذي اختطفه وهو على رأس عمله ومهامه النضالية سواء في جبهة النضال الشعبي الفلسطيني، أو في مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، لقد كان رفيقنا الشهيد البطل والقائد الوطني الكبير خالد شعبان “سلطان” في قمة عطاءه الوطني عندما باغته الموت، وكان لأزمة مخيم اليرموك أثرها البالغ في تراجع حالته الصحية، فقد كان يعتصر قلبه الألم والغضب على ما يتعرض له شعبنا في مخيم اليرموك من تجويع وحصار، وكان الرفيق “سلطان” قد دخل المخيم أكثر من مرة أثناء الحصار برفقة إخوانه من ممثلي القوى والفصائل في محاولة لتأمين وصول المعونات الغذائية وفك الحصار، واستمرت الجهود حتى وصل إلى سوريا وفد القيادة الفلسطينية برئاسة الدكتور أحمد مجدلاني عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية وأمين عام جبهة النضال الشعبي الفلسطيني، فتمكن من إدخال الأدوية والمواد الغذائية للمحاصرين، وتم الاتفاق على إخلاء المخيم من الغرباء والمجموعات المسلحة، ولكن تم خرق الاتفاق وعاد المخيم أسيراً ورهينة في أيدي المجموعات المسلحة، وها هو رفيقنا البطل “سلطان” يرحل عنا في يوم الجمعة الموافق 11 نيسان (أبريل) 2014م، وقلبه معلق بقضية شعبه ووطنه، وبمخيم اليرموك الذي ينتظر الخلاص.

وقد شيعت الشهيد القائد اللواء خالد شعبان في العاصمة الأردنية “عمان” وفود رسمية وشعبية تقدمها الرفيق المناضل الدكتور أحمد مجدلاني، وأمت بيوت العزاء التي انتشرت في جميع مدن ومخيمات الوطن، وفي الخارج وخاصة في الأردن وسوريا ولبنان، وفي التجمعات الفلسطينية في أوربا، قطاعات واسعة من جماهير شعبنا، وشارك في تقديم واجب العزاء الأمناء العامون للفصائل الفلسطينية، وممثلي القوى الوطنية والإسلامية، إضافة للسفراء والبعثات الديبلوماسية لعدد من الدول العربية والأجنبية، حيث ألقى المشاركون العديد من الكلمات التي استعرضت مناقب الشهيد، ودوره في مسيرة الثورة وفي منظمة التحرير الفلسطينية.

وبرحيل القائد الوطني الكبير والرفيق المناضل “سلطان” فقد الوطن والجبهة، وشعبنا الفلسطيني، وأمتنا العربية، وأحرار العالم، رجلاً عاش حياته ثائراً ضد كل أشكال الظلم والاضطهاد، ومدافعاً عن قيم الحرية والعدالة والمساواة، وقائداً فذاَ، ومقاتلاً جسوراً، ومناضلاً صلباً شكل نموذجاً للوطني الملتزم، ورمزاً للاستقامة والنقاء الثوري، فوداعاً لك رفيقنا “سلطان”، ودعاً لك أيها القائد والمعلم، وداعاً لك يا من تجمع ولا تفرق، ودعاً لك يا من لم نختلف معه ولا نختلف عليه، ودعاً لك من رفيقات ورفاق أحبوك، وستظل ذكراك حية في قلوبنا ما حيينا.

عضو اللجنة المركزية لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً