روسيا تنظر صوب الشرق

shello
shello 2014/05/29
Updated 2014/05/29 at 10:03 صباحًا

4o187jth

 

دنفر-  يبدو أن “محور” الولايات المتحدة الآسيوي، أو العملية المحددة بدقة إلى الحد الذي استلزم تغيير الاسم إلى “إعادة التوازن” لتجنب أي سوء فهم في أوروبا، أصبح لديه رفقة الآن في هيئة اهتمام روسي متجدد بالمنطقة. والواقع أن “محور” روسيا الآسيوي ليس جديداً؛ لكنه يبدو أنه اكتسب زخم الضرورة الواقعية مع الجمود العميق الذي أصاب تسوية العلاقات الروسية مع الولايات المتحدة وأوروبا مؤخراً.
كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتن مهتماً لفترة طويلة بمنطق المزاوجة بين القاعدة الهائلة من المواد الخام والطاقة في سيبريا، واقتصادات شرق آسيا النابضة بالحيوية رغم تعطشها للطاقة. وبالنسبة لروسيا، يبدو أن البلدان الآسيوية -والصين بخاصة- تجلب للعلاقة المنفعة في صورتها الأساسية. ولا أحد في شرق آسيا يخطط للنظر داخل روح بوتن، على طريقة الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش، أو يُظهِر غير ذلك اهتماماً كبيراً بتحديد أي نوع من الأشخاص هو. فالأصل في الأمر هو “عدم الخلط بين العمل والأمور الشخصية”، كما علمنا دنج شياو بينج.
من المؤكد أن صفقة الغاز الروسي مع الصين، التي تنقطع ثم تعود من حين لآخر -وهي سارية الآن- تُعَد مثالاً واضحاً. ففي الغرب، تُناقَش مسألة الغاز الروسي في إطار العلاقات السياسية الأوسع -كيف قد يتسبب الاعتماد على روسيا لتدبير الاحتياجات من الطاقة في إعطاء الكرملين القدرة الكافية لترهيب أوروبا. والواقع أن العلاقات بين روسيا وأوروبا في مجال الغاز كانت موضوعاً للنقاش في دوائر السياسة الخارجية والأمن في الغرب طيلة ثلاثين عاما. وعلى النقيض من ذلك، يبدو أن القضايا المهمة الوحيدة تتلخص في الكمية والسعر وقُرب خطوط الأنابيب من المعاقل الصناعية والاستهلاكية الصينية.
نظراً لتوتر العلاقات بين الكرملين والغرب، والذي تفاقم بفعل الدراما الأوكرانية (التي تنتقل الآن إلى مرحلة جديدة مع انتخابات رئاسية بالغة الأهمية)، فإن المحور الروسي تجاه شرق آسيا يُعَد تحركاً واضحاً ومقنعاً، حتى أن المرء ليتعجب لماذا لم يحدث من قبل. والواقع أن الصين لا توجه إلى شركائها التجاريين أسئلة سياسية أو تتعلق بحقوق الإنسان، ولا يحب الروس الإجابة عن مثل هذه الأسئلة. وهذا واقع مثالي.
رغم هذا، فإن المشهد على الأرض -وفي بحر شرق آسيا- شاسع وسريع التحول. ومن المرجح أن يجد بوتن أن حقبة “عدم الخلط بين العمل والأمور الشخصية” في شرق آسيا قد انتهت. فالصين تعاني من صراعات سياسية داخلية تجعل أوكرانيا تبدو هادئة مقارنة بها في بعض الأحيان، وإدارة المعمعة الداخلية ليس لضِعاف الشكيمة. فالعديد من المشاكل، مثل الأقاليم المضطربة في الغرب، والتوترات بين المؤسسة العسكرية والمدنيين، والقضايا البيئية، فضلاً عن الخلافات مع عدد متزايد من البلدان المجاورة، تجتمع كلها لتجعل من الصين شريكاً تجارياً أكثر صعوبة مما قد يتصور بوتن.
لا يرغب بوتن في توريط نفسه في مشاكل الصين في جنوب شرق آسيا أكثر من رغبة الصين في توريط نفسها في مشاكل بوتن في شرق أوروبا. ولكن، وباستثناء وحيد محتمل يتمثل في كوريا الجنوبية، فإن علاقات الصين بجيرانها كانت تميل في الاتجاه الخاطئ. فالعلاقات مع رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) ومع بلدان مجاورة بعينها، مثل الفلبين وفيتنام، تدهورت بشكل حاد بسبب مطالبات بفرض السيادة على مناطق متنازع عليها ولا قيمة اقتصادية كبيرة لها. والواقع أن قادة الصين، الذين نالوا قدراً كبيراً من الاحترام والتوقير بسبب فكرهم الاستراتيجي الطويل الأجل، ربما أصبحوا محتارين ببساطة بفعل هذه التركيبة من الجماهير المضطربة والمؤسسات التي لم تعد قادرة في ما يبدو على الإبحار بالصين إلى المستقبل.
وهكذا، فإن بوتن سوف يجد أن الصين لم تعد ملتزمة كما كانت بالفصل بين العمل و”القضايا الشخصية”. ولن تضطر روسيا إلى التعامل مع المناقشة البيئية الدائرة حول خطوط أنابيب “كي ستون”، ولكن مثل هذه القضايا أصبحت مهيمنة على عقلية الجماهير في الصين كثيراً في هذه الأيام. وبالتالي، فقد يكون بوتن مطمئناً للدور الذي لعبه في أزمة أوكرانيا، لأن كل الدلائل تشير إلى أنه يعتقد أنه يعمل على تصحيح خطأ تاريخي. ولكنه باعتباره زعيماً عالمياً لواحدة من الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن في الأمم المتحدة، فإنه يفشل في الانتباه إلى مسؤولياته الدولية، وسوف يحكم عليه المؤرخون وفقاً لهذا.
نتيجة لذلك، فإن العلاقات بين “القوى العظمى” لم تكن قط أسوأ من حالها اليوم على مدى ربع القرن الماضي منذ نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفياتي. والواقع أن قدرتها على العمل التعاوني بشأن القضايا الإقليمية أو العالمية -مثل سورية أو تغير المناخ على سبيل المثال- تدهورت بشكل كبير خلال العقد الماضي. والآن يبدو أن بوتن يريد مضاعفة الرهان على هذه الاتجاهات وخلق محور صيني سوفياتي جديد.
غير أن الصين، في ظل كل مشاكلها الحالية، لن تبدي اهتماماً كبيراً بهذا المحور. فالبوصلة التي تسترشد بها الصين في رحلتها ما تزال تشير بوضوح في اتجاه التكامل الدولي. ولكن قادتها، أياً كانت التحديات الدولية التي يواجهونها اليوم، لا بد أن يرتقوا إلى مستوى الحدث. وهذا يعني ببساطة مطالبة بوتن بالاحتفاظ بأي رؤى كبرى لنفسه.

الغد الأردنية

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً