شبكات العوامل المسببة للإرهاب (3)…بقلم:السيديسين

shello
shello 2014/04/13
Updated 2014/04/13 at 10:05 صباحًا

فهرس5

 

حاولنا من قبل في سبيل تشريح الظاهرة الإرهابية على مستوى العالم ردها إلى العوامل الدولية والسياسية والاجتماعية والثقافية التي تساهم في تشكلها. وقد رجعنا في ذلك أساساً إلى البحث المهم الذى نشرته عام 2013 مؤسسة «راند» والتي هي أهم مركز استراتيجي اميركي وعنوانه «تحسين فهم العسكريين الأميركيين للبيئات غير المستقرة المهيئة للجماعات المتطرفة التي تمارس العنف: استبصارات من العلم الاجتماعي». والأهمية القصوى لهذا البحث أنه يتضمن مسحاً نقدياً شاملاً لكل النظريات السائدة في علم الاجتماع والتي حاولت تحديد العوامل الاجتماعية المولدة للعنف وكذلك في علم الأنثروبولوجيا الذي يعنى بتحليل الثقافات المتعددة وتصنيفها على أساس محور الاعتدال والتطرف.

غير أن الجديد – من وجهة النظر العلمية – الذي أضافه هذا البحث الفريد لمعرفتنا بظاهرة الإرهاب أنه حدد إثني عشر عاملاً أساسياً من العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تساعد على تشكل الظاهرة، ليس ذلك فقط ولكن البحث صاغ مجموعة من المصفوفات Matrixes المتكاملة بين أنواع التفاعل المختلفة بين هذه العوامل.

ولن نستطيع – لضيق المساحة – التفصيل في تحليل بنية هذه المصفوفات المركبة، ولذلك نقنع بالإشارة الموجزة إلى هذه العوامل التي تقف وراء ظاهرة الإرهاب. العامل الأول هو مستوى الدعم الخارجي المقدم لجماعات العنف.

والرؤية العامة لهذا العامل أن الدعم الخارجي للجماعات العنيفة غالباً ما يلعب دوراً مهماً في إثارة وإدامة البيئات المتطرفة للتمرد والإرهاب. وقد أوضحت مجموعة من البحوث أن الجماعات الإرهابية والمتمردة التي تستند الى رعاية دولة ما عادة ما تكون أكثر عدوانية وفاعلية في تحقيق أهدافها الإرهابية، وذلك لأن الدعم الخارجي عادة ما يستخدم لزيادة القدرات القتالية للجماعة العنيفة ويمكن أن يشتمل على نقل الأسلحة والمال والاستخبارات. وقد يشمل الدعم في مرحلة ما قبل الصراع توفير ملاذات آمنة للإرهابيين أو محميات عبر الحدود أو الدعم الديبلوماسي.

أما العامل الثاني فهو مدى اعتبار الناس للحكومة بأنها غير شرعية أو غير ذات تأثير. والرؤية العامة لهذا العامل تحدث في الدول التي تستفيد فيها النخبة السياسية اقتصادياً ولكن غالبية الناس محرومة نسبياً. وهذا العامل يشير إلى اتهام النظام بعدم الشرعية من ناحية وعدم الفعالية من ناحية أخرى.

والعامل الثالث يتحدث عن وجود جماعات من السكان من أصول عرقية مختلفة عن غالبية السكان ولديهم تاريخ في مقاومة حكم الدولة أو لديهم ثقافة تدعم العنف أو تبرره مثل جماعة «الإخوان المسلمين» في مصر التي أسسها الشيخ حسن البنا عام 1928 وكون فيها «الجهاز السري» للقيام بالاغتيالات مما جعل ممارسة العنف إحدى سمات مشروع الجماعة السياسي، ومما يؤكد ذلك تحول ممارسة الجماعة إلى الإرهاب الصريح في مصر بعد الموجة الثانية للثورة في 30 يونيو وعزل الرئيس محمد مرسي والقبض على قيادات الجماعة لمحاكمتهم جنائياً لمسؤوليتهم عن التحريض على العنف. ومن ناحية أخرى يركز العامل الرابع على مستوى الفقر وعدم المساواة. والرؤية العامة لهذا العامل هي إسهام الفقر المطلق في تشكيل الظاهرة الإرهابية كما ظهر في مصر من نجاح جماعة «الإخوان المسلمين» في التغلغل في صفوف الجماهير الفقيرة واجتذابها للفكر المتطرف من خلال الخدمات الاجتماعية التي تقدمها لها من ناحية ومن طريق تزييف وعيها بنشر أفكار الجماعة المتطرفة لسهولة تجنيد الجماهير بعد ذلك في صفوفها للإسهام في الممارسات السياسية للجماعة كحشدهم في الانتخابات أو في نزوع الجماعة إلى الإرهاب الصريح وخصوصاً بعد أن أسقط الشعب المصري الحكم الاستبدادي لـ «الإخوان المسلمين» في 3 يوليو 2014.

ويلفت البحث النظر الى عامل مهم هو وجود مساحة جغرافية في البلد غير خاضعة تماماً لسيطرة الحكومة المركزية. ولعل منطقة شمال سيناء في مصر تمثل هذه الحالة تمثيلاً صرفاً وهذا هو الذي أدى إلى شيوع الإرهاب في شبه جزيرة سيناء رغم المحاولات الجادة للقوات المسلحة المصرية في مواجهته لاستئصاله تماماً.

ورغم أهمية العوامل السابقة في توليد ظاهرة الإرهاب إلا أن البحث الذي تعتمد على نتائجه العملية يشير إلى عامل بالغ الأهمية وهو مستوى الاتفاق بين قيم وأهداف الجماعات العنيفة التى تمارس الإرهاب أو التناقض مع قيم وأهداف غالبية السكان. والرؤية العامة لهذا العامل تشير إلى قدرة المتطرفين أو المتمردين أو الإرهابيين على استخدام أو صنع رموز وحكايات ودعوات شاملة تتفق مع فهم الجماهير العريضة لمعنى الهوية والأخلاق والفهم العام للعالم. وهذه القدرة ضرورية للحصول على الدعم الجماهيري وتساعد هذه الجماعات على الفوز بمعارك استراتيجية.

والواقع أن هذا العامل ينطبق تماماً على ممارسة جماعة «الإخوان المسلمين». فقد استطاعت عبر تاريخها الطويل في مصر والذي يتجاوز الثمانين عاماً أن تخلق لنفسها صورة محددة بأنها هي التي تمثل الإسلام الصحيح وأنها المعبرة الحقيقية عن الهوية الإسلامية للأمة، وهي التي ستقضي على الانهيار الخلقي وتقيم المجتمع الإسلامي الفاضل على أساس تطبيق شرع الله المتمثل في أحكام الشريعة الإسلامية بدلاً من القوانين الوضعية التي استوردها العلمانيون من الغرب. وجماعة «الإخوان المسلمين» نجحت في الواقع في خلق صورة مثالية لها في الخيال الاجتماعي المصري والعربي والإسلامي من خلال سرديات متنوعة وطقوس متعددة.

وقد استطاعت أن تبرز نفسها في صورة الضحية للنظم السلطوية في مصر ابتداء من الحكم الملكي قبل 1952 والذي قام بحل الجماعة بعد أن قامت باغتيال النقراشي باشا رئيس الوزراء والمستشار الخازندار، مروراً بحكم ثورة يوليو 1952 الذي حل الجماعة بعد فترة تعاون قصيرة معها بعد محاولة اغتيال الرئيس جمال عبد الناصر في ميدان المنشية ومحاولتهم بعد ذلك قلب نظام الحكم وصولاً إلى عهد مبارك الذي قيد حركتهم السياسية.

غير أن جماعة «الإخوان» نجحت نجاحاً تاريخياً بعد ثورة 25 يناير في القفز إلى السلطة في مصر من طريق الفوز بأكثرية مجلسي الشعب والشورى وتوجت انتصارها بانتخاب الدكتور محمد مرسي رئيساً للجمهورية.

غير أن ممارسة جماعة «الإخوان المسلمين» للحكم في مصر أثبتت الفشل السياسي الذريع لقادتها ما أدى إلى قيام الانقلاب الشعبي ضد حكمها فى 30 يونيو 2013 وإسقاطها ومحاكمة قادتها على سلوكهم التحريضي على العنف والإرهاب.

وهكذا يمكن القول إن جماعة «الإخوان المسلمين» وإن كانت قد نجحت في الفوز بمعركة استراتيجية كبرى هي حكم مصر إلا أن مشروعها الأممي الوهمي الذي لا يؤمن بمسلمات الوطنية فشل سياسياً ما جعلها تتحول إلى الإرهاب الصريح الذي يؤكد السقوط التاريخي لمشروع حركات الإسلام السياسي بوجه عام.

 

الحياة اللندنية

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً