صراع المصالح بين روسيا وأكرانيا: مساعي التسوية الصعبة… والتصعيد

shello
shello 2014/05/13
Updated 2014/05/13 at 10:04 صباحًا

03b43285-c8e1-4708-8d67-eb29fa50e240

 

صراع المصالح بين روسيا والغرب يدخل في اختبار حاسم. هذه المرة لن يكون امتحانا جديدا حول من يصعّد أكثر، وهو ما أثبت الطرفان فيه نجاحا لافتا، أطلق سيناريو الحرب الاهلية والانفصال في أوكرانيا. القضية الملحة الآن هي امكانية بناء تفاهم غربي روسي، ينزع فتيل التصعيد ويفتح المجال أمام تسوية لا تزال بعيدة.

هذه القضية قادت الرئيس الدوري لمنظمة الامن والتعاون في أوروبا، الرئيس السويسري ديدييه بوركهالتر، للقاء وزراء خارجية الاتحاد الاوروبي، خلال اجتماعهم أمس في بروكسل. حمل إليهم خريطة طريق لحل الأزمة تتألف من أربعة عناوين رئيسية، وأكد أن في جعبته خطوات ملموسة لتنفيذ كل منها.

العناوين التي عرضها للمضي في الحل هي كالتالي: إيقاف العنف، نزع سلاح جميع الميليشيات، حوار وطني شامل، واجراء الانتخابات الرئاسية.

تحضير الوسيط الدولي لخطته جاء بعد لقائه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، قبل أيام. اللقاء بث بعض التفاؤل بعد مسلسل من الاتهامات والانتقادات، إذ خرج من فم بوتين، وبشق الأنفس، أن الانتخابات الرئاسية هي “خطوة في الاتجاه الصحيح”، بالإضافة إلى مطالبته بتأجل استفتاء الانفصاليين، بالرغم من أنهم أقاموه لاحقاً.

لكن كل نقطة من هذه الخطة يمكنها استحضار أطنان الخلافات. لتنفيذ خطوة ايقاف العنف، على الحكومة الاوكرانية أن تعلن، من دون لبس، أنها تراجعت عن العملية العسكرية المتواصلة على المتمردين في شرق اوكرانيا. لكن في الوقت نفسه، ستطالب كييف، كما حصل سابقا، بأن ينسحب الانفصاليون من الابنية الحكومية التي احتلوها، وإزالة المظاهر والحواجز المسلحة. تثبيت وضع هدنة كهذا يحتاج قرارا حاسما من موسكو ومن العواصم الغربية. يحتاج، إذًا، تفاهما نهائيا حول أين تبدأ مصالح كل منهما وأين تنتهي.

مطلب نزع سلاح الانفصاليين سيقابلونه، مثلما طالب الكرملين سابقا، بنزع سلاح المجموعات من اليمين الاوكراني المتطرف. الحوار الوطني يعني أن يضع ممثلو الانفصاليين مطالبهم على الطاولة، ويتفاوضوا حول درجة الحكم الذاتي. هنا أيضا يكمن الخلاف مع روسيا، التي طالبت بفدرالية واسعة، يمكن معها لاقاليم الشرق والجنوب اختيار التقارب مع موسكو، ورفض ربط مصالحهم بالغرب كما تريد حكومة كييف.

ترتيب المراحل يصل أخيراً إلى الانتخابات الرئاسية، التي يمكن إجراؤها في حالة نجح الحوار الشامل في بناء توافق على شكل الدولة، وعيار الفدرالية. لكن الترتيب الزمني لا يطابق تسلسل خريطة الطريق. بقي فقط للانتخابات الرئاسية أقل من اسبوعين، في 25 من الشهر الحالي، وهذا وقت لن يكفي لانجاز ايقاف العنف ولنزع سلاح الميليشيات، فما البال بعقد الحوار الوطني وخروجه بنتائج؟

لكن في حديث مع “السفير”، بعد خروجه من اجتماع وزراء الخارجية، اعتبر رئيس منظمة الأمن والتعاون” أنه ليس من الضروري إنجاز كل مرحلة من الخطة بشكل مستقل ليمكن الانتقال إلى أخرى. قال إنه “إذا كنا نريد أن نظهر بشكل واضح جدا أن هناك إمكانية لإجراء حوار وطني شامل مع جميع الأطراف، فيجب أن تكون هناك بالفعل اشارات وأفعال قبل الانتخابات الرئاسية”، موضحا أن “هذا لا يعني أن الحوار الوطني سيدوم فقط حتى 25 أيار، بل يعني أنه سيكون من الجيد اذا بدأ قبل ذلك، وبعدها ستكون هناك عملية وخطوات أخرى“.

استعدنا أمام بوركهالتر تصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين التي خرجت بعدما قابله، وسألناه هل كان بوتين يقصد أن الانتخابات “خطوة ايجابية، لكونها ستأتي في سياق حوار وطني يقود إلى فدرالية مثلا؟ قال بعد لحظة صمت: “من المهم بالنسبة لهذه القضايا، مثل اللامركزية أو الفدرالية، أن تتم معالجتها من قبل الشعب الأوكراني، ولذلك نحن بحاجة إلى هذا الحوار”. لكن الرئيس السويسري بين بوضوح شرط نجاح الحوار: “إذا كانت الجهات الفاعلة الرئيسية، بما فيها الاتحاد الروسي، يمكنها أن تدعم حوارا وطنيا شاملا يحتاج إلى وقت ويذهب في هذا الاتجاه (شكل الدولة ومستوى الحكم الذاتي) فسيكون ذلك جيدا“.

حالما خرج الوسيط الدولي من اجتماع وزراء الخارجية، قال إنه عقد محادثات بناءة جدا”. في المقابل، لفت إلى أن اعلان الكرملين أنه “يحترم” استفتاءات الانفصاليين، من دون القول صراحة أنه يعترف بها، يمثل “إشارة ايجابية“. إذًا، طالما هناك علامات ايجابية من الطرفين، أين المشكلة الحقيقية؟

رداً على ذلك، يقول بوركهالتر: إن “المواقف مهمة جداً، ولكن الآن يجب تحقيق أفعال تتبع الكلمات. إنجاز هذا الأمر كان صعبا للغاية بسبب عدم وجود الثقة بين الجهات الفاعلة الرئيسية، والثقة لا يمكن بناؤها بسرعة”. ومحاولا تخفيف السلبية التي راكمتها صراحته، استطرد بالقول: “لكن تجب المحاولة. علينا محاولة أن نكون عنصرا من عناصر الثقة والمساهمة في بنائها“.

الوسيط الدولي قال إن أولى الخطوات يمكن انجازها عبر عقد طاولات الحوار الاوكراني، وإن هذا ممكن في الايام المقبلة. هذا الحوار بحاجة إلى حضور وسيط مقيم، ومن الاسماء الأبرز، التي تسربت، الديبلوماسي الالماني ولفغانغ فريدريك إيزغير، الذي عملاً سفيراً لبلاده لسنوات لدى واشنطن، ويعمل الآن مديراً لـ”منتدى ميونيخ للأمن”، وهو الأشهر من نوعه.

خريطة الطريق وفرت متسعا لتأجيل الحديث عن العقوبات الاقتصادية المشددة على روسيا. كلما مر الوقت، على ايقاع تهديدات موسكو بعقوبات مضادة، كلما ازداد عدد الدول المترددة في الانتقال إلى هذه المرحلة. لكن الآن، يقول الاوروبيون، بما فيهم ألمانيا المتريثة، بأن تعطيل الانتخابات الرئاسية سيؤدي إلى إطلاق صافرة بدء تنفيذ تلك العقوبات.

وكي لا يظهر وكأن جعبتهم خالية من أي ردّ، بادر الأوروبيون أمس إلى توسيع قائمة عقوباتهم، التي تشمل مسؤولين روسيين وأوكرانيين موالين لموسكو. أضافوا 13 شخصية، وصارت القائمة تضم 61 اسما، يشملهم حظر السفر لدول الاتحاد وتجميد الاصول المادية فيه. أضافوا أيضا شركتين، ستجمد أصولهما، من الشركات العاملة في القرم، بعدما ضمتها روسيا. استهداف النشاط الاقتصادي هناك سيستمر، بعد ان اتفق الوزراء على آلية قانونية تجيزه. إنها عملية لمنع أي امكانية لاستفادة اقتصاد القرم، بأشخاصه وكياناته، من أوروبا.

في سياق محاولات التهدئة، يحل اليوم وزير الخارجية الالماني فرانك فالتر شتاينماير ضيفاً على كييف. اللافت أنه أعلن سعيه إلى زيارة الجنوب الاوكراني، وتحديدا امكانية عقد مباحثات في أوديسا. قال في بروكسل إنه “في هذا الوضع لا يوجد خيار سوى محاولة بناء الجسور“.

بينما هو هناك، سيكون رئيس الحكومة الاوكرانية، أرسيني ياتسنيوك، في بروكسل، حيث سيلتقي رئيس المفوضية الأوروبية. توفير الدعم للاقتصاد الاوكراني سيكون حاضرا على الطاولة، لكن أيضا التحضير لتوقيع اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الاوروبي. هذا عنوان آخر للتوتر، فالاوروبيون جدولوا التوقيع ليكون في أواخر حزيران المقبل، ليكون الحدث الأبرز في قمة لزعمائهم.

للسبب نفسه، حط رئيس المجلس الاوروبي هيرمان فان رومبوي في كييف أمس، لينتقل بعدها إلى مولدافيا وجورجيا. سيوقع الأوروبيون مع الثلاثة في يوم واحد، إذا ما لم تقم موسكو بما يغير هذه الحسابات.

السفير

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً