صورة فلسطين في الفيلم الوثائقي ….بقلم : سليم النفار

shello
shello 2012/10/04
Updated 2012/10/04 at 2:59 مساءً

لقد كانت ومازالت الصورة البصرية,تحتل اهمية بالغة,في وسائل الاتصال والاعلام,وقد تفوقت على كل الوسائل الاخرى,بحكم قدراتها على لعب دور متقدم,في التأثير في الرأي العام,وهي سيف بحدين,فبالقدر الذي تستطيع فيه نقل الحقائق والوقائع ,تستطيع ايضا التزييف في نقلها,والتأثير المعاكس لحقائق التاريخ,وهذاما عملت عليه السينما الصهيونية,وبعض حلفائها في الغرب.

وفي هذا السياق فان الحديث, عن صورة فلسطين ، في الصورة البصرية, وتحديدا

في الفيلم الوثائقي ،هو ذو اهمية بالغة, وفيه  شجون متنوعة ، وتفصيلات متعددة ، قد  لا تقف عند نقطة ما ، لأنَّ ما بين البدايات ، والراهن الآن ، مدٌ وجزر في الحراك الثقافي البصري ، تبعاً للمد والجزر الذي ، أصاب القضية الوطنية ، بعموم تفصيلاتها على المستوى السياسي والثقافي .

غير أننا عندما نريد القول في هذه الصورة ، لابد من الوقوف الدقيق عند كل ، مفصل من المفاصل ، نتحرى البدايات : تاريخا وإنتاجاً وكيفية تناول ومن ثم لا بد من الانتقال إلى العناصر المؤثرة ، في صناعة هذا الفيلم ، سلباً وإيجاباً ، تبعا

لخصوصية  كل مرحلة من المراحل .

ان الثقافة بمفهومها الواسع وبالمفهوم التخصصي ، لم تغب عن ذهن قادة الثورة الفلسطينيية المعاصرة ، ونخبها المثقفة ، فكانت حاضرة وفاعلة منذ البدايات ، وان لم يكن ذلك الحضور ، يمثل سنام الطموح المرجو .

وفي هذا السياق ، نستطيع القول ان اهتمام الفلسطينيين في عالم الصورة البصرية ، كان مبكرا وذلك يدلل على وعي منفتح,لاهمية الصورة البصرية,كمكون هام من مكونات الحرب الاعلامية مع العدو,من اجل حشد المناصرين من الشعرب الاخرى,واطلاعهم على ما يحدث للفلسطينيين فوق ارضهم,وفي منافيهم,بمعنى:انه كان الادراك مبكرا لاهمية الثقافة البصرية,في نقل الرواية الفلسطينيية الحقيقية,المناهضة لرواية الاحتلال المزيفة, وقد تصدى لذلك نخبة من المثقفين الفلسطينيين السينمائيين ومنهم:المخرج الفلسطيني/مصطفى ابو علي والمصور السينمائي/هاني جوهرية والذي دفع حياته,ثمنا لفعله الفني النضالي,وكان ذلك في العام 1976 عندما كان يصور في كاميرته المعارك,بين المقاتلين الفلسطينيين والقوى الانعزالية في لبنان,في منطقة عينطورة,اضافة الى المصورة السينمائية/سلافة مرسال/والتي تعتبر اول فتاة عربية تنجز دراستها من المعهد العالي للسينما في القاهرة,اذا منذ البدايات تصدت هذه النخبة واخرون معها للمهمة,التي امنوا بأهميتها وفاعليتها وضرورتها,وكانوا فدائيين بكل معنى الكلمة,حيث انهم غامروا بأرواحهم من اجل ذلك,وقد دفع الكثير منهم روحه في هذا المضار,لايصال الصورة الحقيقية للفسطينيين ومعاناتهم,وفي هذه الروح العالية للعمل أنتجت منظمة التحرير الفلسطينية ، منذ العام 1968 وحتى العام 1975 قرابة ألـ 25 / فيلما .

وقد اتسم هذا الانتاج البصري بقدرات عالية على التعبئة والتوجيه، والتي كانت من شأنها رفع معنويات وشحذ همم الفلسطينيين والعرب,اضافة لنقل الواقع بعين الحق,وشاهد عيان المأساة,لكل العالم بما يعزز رواية الفلسطيني,المستلب حقه,والفلسطيني المقاوم الرافض للخنوع, فجاءت الرؤى الفنية ، تركز باتجاه تأكيد الهوية الوطنية والتاريخ الفلسطيني ، وتعرض للمنفى بعذاباته ، وكفاح الفلسطينيين من اجل انتزاع حقهم المغتصب . في هذه الفترة الوجيزة ، أنجزت هذه الأفلام ، وبدعم كامل من المنظمة فهي المنتج المباشر ، وبدعم وتعاون من مخرجين عرب وأجانب .

وعليه فقد استطاعت المنظمة ، من تأسيس مؤسسة فلسطين للسينما ومن هؤلاء الذين ساهموا فيها نذكر على سبيل المثال لا الحصر: رفيق حجار وكريستيان غازي ، وقاسم حول ، وقيس الزبيدي … الخ .

لقد أدرك السينمائيون الفلسطينيون والعرب ، أهمية التوثيق للأحداث الدراماتيكية ، التي تصيب الشعب الفلسطيني ، من خلال الهجمة الصهيونية الشرسة ، فعملوا على الصورة ، كشاهد عيان ، ينقل الأحداث والمشاعر والمواقف والرؤى المختلفة ، وبما يؤكد الحق الفلسطيني ، ويفضح دمويه وبشاعة المحتل ، وكل ذلك من خلال الفيلم الوثائقي ، على اعتبار انه سينما الحقيقة ، سينما الواقع والوقائع .

وكان المخرج الفلسطيني الراحل : مصطفى أبوعلي من أهم العاملين في الحقل السينمائي الفلسطيني فهو من جيل الرواد ، الذين عملوا في سياق سينما المقاومة ، وقد ترك إرثاً من الأفلام المهمة ، والتي تناولت القضية الوطنية ، من باب التأريخ لمسيرة الشعب ومقاومته :

لا للحل السلمي – 1968

 الحق الفلسطيني – 1969

 بالروح بالدم –1971

ليس لهم وجود – 1974 … الخ

ويبدو أن دراسة مصطفى أبو علي للسينما في ستينيات القرن العشرين ، في بريطانيا مكنته من امتلاك قدرات وتقنيات عالية ، إضافة إلى تعاونه مع المخرج الفرنسي المعروف ” جون لوك ” وفي هذا السياق وظف قدراته في صناعة فيلم فلسطيني متميز ، وقد قالت فيه – سارة وود في مقال لها كتبته في صحيفة الغارديان في عدد الأربعاء 21/10/2009/ بأن أبو علي : ذهب لأنسة الجدل السياسي ، وأضافت : أن سينما أبو علي لا تحتل أهميتها ، من محتواها,بل لأنها أعادت تقديم الشكل السينمائي .

من خلال انتقاده للنظرة السينمائية الغربية للفلسطينيين ، والتي تنطلق من رؤى استشراقية ، وذهب أبو علي نحو بناء مفهوم جديد مغاير ، يعتمد التفاوض بين الشكل الشعبي للسينما الغربية وسينما الأفكار .

واضافة الى مؤسسة السينما الفلسطينيية,فقد كانت دائرة الثقافة والفنون في م.ت.ف

وقد كان يدير هذا القسم الفنان التشكيلي المرحوم/اسماعيل شموط/والذي اخرج مجموعة افلام وثائقية:معسكرات الشباب,وذكريات ونار وفيما بعد انضم المخرج/قيس الزبيدي/الى الدائرة والذي قدم من خلالها رائعته السينمائية:فلسطين سجل شعب/وقد استطاع هذا الفيلم حشد الكثير من المواد الارشيفية,الخاصة بفلسطين والتي تعرض لاول مرة,معتمدا في جمع المادة على مجموعة من الدول الاوربية.

اضافة الى قيس كان هناك كل من:ليانا بدر ومحمد توفيق وقاسم حول واخرون

ولا ننسى مؤسسة صامد للانتاج السينمائي,والتي ظهرت في بداية العام/1975/والتي كان يشرف عليها المخرج الفلسطيني المتميز:غالب شعت/والذي اخرج افلاما وثائقية مثل:يوم الارض والمفتاح,وفيلمه يوم الارض يعتبر من انجح الافلام الوثائقية الفلسطينيية,من حيث البنية والعمل الفني المتكامل,اضافة لكونه شكل وثيقة فنية, حيث قدم الاحداث التي حدثت يوم”الارض”الشهير في/30/مارس/1976/وهو فيلم كان قد صور في داخل فلسطين التاريخية في مناطق العام/1948/بكل احداثه تقريبا وقد اعتمد المخرج شعت على طاقم تصوير اجنبي صديق انذاك,وعليه فقد توفر لهذاالفيلم كل الوسائل الفنية,من كادر فني متميز,فكان غالب شعت وقيس الزبيدي في المونتاج,ووضع الموسيقا الفنان القدير/حسين نازك/وعليه فان تجربة شعت والزبيدي تعتبر بداية التطور الواعي في مسيرة السينما الفلسطينيية.

اذاً نستطيع القول : أن مؤسسة السينما الفلسطينية ، رغم حداثة التجربة,ورغم القلق الوجودي الذي يعانيه الفلسطيني,من حالة اللا استقرار,فقد نجحت في البدايات ، أن تؤسس لأعمال نوعية ، وبتناول كيفي ، يبنى عليه باتجاه تطوير السينما الفلسطينية وتحديد هوية واضحة ، لصورة فلسطين والفلسطيني في الصورة الفلمية ، ولكن بعد ذلك وتحديداً بعدالعام 1982 وعقب خروج المنظمة من بيروت ، لم يعرف أي شيء عن خزينة الأفلام الفلسطينية والتي تمثل باكورة التجربة.

إن هذا الأرشيف التأسيسي ، الضائع ، والذي قيل عنه الكثير ، بما لا يفيد, قد حرم الأجيال اللاحقة ، من أهمية التواصل والاطلاع على تاريخهم .

وبعد تلك الفترة و تحديداً من العام1982إلى العام 1987 والتي شهدت صمتاً في الانتاج البصري الفلسطيني ، تبعاً لعوامل مختلفة ذات صلة ، بالشأن السياسي العام. تبعها تفجر الاوضاع الفلسطينيية في اواخر العام 1987 “الانتفاضة الفلسطينيية”وهنا بدأ الفعل البصري يشهد حراكا,رغم كل المعيقات التي يفرضها الاحتلال,فقد تمكنت مؤسسة السينما الفلسطينيية,من اعادة الاعتبار لدورها,وانتج المخرجون الفلسطينييون في الداخل,والعرب في الخارج مجموعة من الافلام للمخرج:رشيد المشهراوي والمخرج العربي:قيس الزبيدي.

وأما في أعقاب العودة المجتزأة إلى قطاع غزة والضفة الفلسطينية في سياق اتفاق أوسلو ، فقد نشأ جيل جديد من السينمائيين ، والذين يتناولون القضية من مناظير جديدة ، إلى حد ما ، وفق المتغيرات الدراماتيكية الجديدة في المشهد السياسي والثقافي العربي ,اضافة الى وجود تلفزيون فلسطيني,وانصباب الاهتمام البصري على اعمال تلفزيونية,وريبورتاجات صحفية,ولاسيما في مرحلة”انتفاضة الاقصى”وما تلاها بعد سنوات معدودة,من حرب قاسية على قطاع غزة,والتي شهدت وفرا في الانتاج الوثائقي,ولكن كيفية التناول من قبل المخرجين الفلسطينيين والعرب في هذه المرحلة ، يسجل عليها بعض الملاحظات والتي ليست في صالحها ففي أغلبها تناولت فلسطين ، بصورة نمطية توثيقية بحتة ، فجاءت عملية التوثيق إحصائية ، تعدد الشهداء والبيوت المهدمة فقط ، وبقيت عاجزة حتى الآن ، عن تناول الفلسطيني ، كحكاية إنسان ، بكل تفصيلاته الحياتية ، فنحن بنفس القدر الذي نحتاج فيه إلى إحصاء وتصوير نتائج العدوان ، فنحن بحاجة إلى نقل حكاية الإنسان الفلسطيني بكل مستوياتها الإنسانية ,وليس من مهام الفنان ان ينقل الواقع,كما هو فبالاضافة الى صدق النقل,في الوثائقي,لابد من ملامسات فنية رؤيوية للمخرج وتقنية ، باتجاه تقديم السينما كفن راقٍ يستطيع حمل المضامين الإنسانية والوطنية بجدارة ،غير مستندين فقط على نبل القضية ، لان نبل القضية وحده ، لا يقدم فناً جيدا.

إن هذا الانتقاد لا يعني ، إن هناك عجزاً تقنياً ، عند جيل المخرجين الجدد ، على المستوى الفلسطيني ، ولكن العجز في الرؤى, وفي قدرة المتخيل الثقافي للحالة, اضافة للواقع الذي, يحاصر المخرج الفلسطيني والإنسان الفلسطيني على حد سواء

فمنذ قيام السلطة في العام 1994 ، تراجع الدعم الرسمي الفلسطيني للإنتاج السينمائي ، قياساً مع أيام منظمة التحرير في الخارج ، وهذا ما أوقع المخرج الفلسطيني بين مطرقة أفكاره وسندان المؤسسات الداعمة للإنتاج السينمائي .

ولأن السينما ليست عملا فردياً ،ذو تكاليف محدودة ، فهو دائماً بحاجة لقدرات مالية لابد من داعم لها ، ولأن المؤسسات الأجنبية في الغالب تقدم دعوماتها وفق اشتراطات رؤيوية خاصة بها ، فان المخرج يضطر إلى التنازل عن فكرةٍ هنا أو هناك في سياق رؤيته الخاصة لصالح انجاز عمله ، ولو بالحد الأدنى من طموحاته الفنية والفكرية ،وهذا القبول هو ” عقب أخيل ” في أي عمل فني .

فالاشتراطات لا تتوافق مع الفن ، فكيف إذا كان الفن ذو أهداف وطنية لا يمكن العبث بها ؟!…

ولكن هذا الحال يدفعنا باتجاه سؤال,فيه الكثير من الاهمية:اين دور فصائل العمل الوطني في هذا السياق؟

فهل الفصائل التي ادركت اهمية الفن البصري,منذ مايزيد على ثلاثة عقود ونيف,انكفأت عن هذا الادراك,في سياق التطور المذهل لعالم البصريات,ولماذا؟

ان المراحل السابقة,كانت مراحل طاحنة للفلسطيني,من حيث كونها اشتباك مسلح بشكل دائم,ورغم ذلك عملت فصائل المنظمة على هذا الجانب,اما الان فان الاشتباك اخذ مناح متعددة,واعتقد انه اصبح من السعة لديها,ان تفرد اهتماما ملحوظا في الجوانب الثقافية,ولاسيما في علم الصورة البصرية,فهل نشهد اهتماما وبرامج في هذا السياق؟

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً