عالَم بوتن…بقلم:إيفان كراستيف

shello
shello 2014/04/16
Updated 2014/04/16 at 10:03 صباحًا

فهرس3

فيينا- يعيش الغرب الآن في عالَم بوتن. وهو ليس كذلك لأن بوتن على حق، أو حتى لأنه الأقوى، بل لأنه هو الذي يأخذ زمام المبادرة. إن بوتن رجال “جامح”، في حين يتوخى الغرب “الحذر”. وبالرغم من أن زعماء أوروبا وأميركا يدركون أن النظام العالمي يخضع لتغيرات كبرى، فإنهم عاجزون عن فهم هذه التغيرات. وهم ما يزالون مرتبكين إزاء تحول بوتن من الرئيس التنفيذي لـ”شركة روسيا” إلى زعيم وطني تحركه الإيديولوجيا، والذي لن يسمح لأي شيء بمنعه من استعادة نفوذ بلاده.
إن السياسة الدولية تقوم على المعاهدات، ولكنها تمارس وظيفتها استناداً إلى التوقعات العقلانية الرصينة. وإذا تبين أن تلك التوقعات كانت خاطئة، فإن النظام الدولي السائد سينهار. وهذا هو ما حدث بالضبط في غضون الأزمة الأوكرانية.
قبل بضعة أشهر فقط، كان أغلب الساسة الغربيين مقتنعين بأن تبني المذهب التعديلي في عالم يتسم بالترابط الشديد هو أمر باهظ الكلفة، وأن بوتن -بالرغم من إصراره على الدفاع عن مصالح روسيا في الفضاء ما بعد السوفييتي- لن يلجأ إلى استخدام القوة العسكرية لتحقيق ذلك. والآن، بات واضحاً أنهم كانوا على خطأ تام.
ثم بعد احتلال القوات الروسية لشبه جزيرة القرم، افترض المراقبون الدوليون أن الكرملين قد يدعم انفصالها عن أوكرانيا، ولكنه لن يذهب إلى حد تحويلها إلى جزءٍ من الاتحاد الروسي. وقد ثبت أن هذا الاعتقاد كان خاطئاً بالكامل أيضاً.
عند هذه النقطة، لا يدري الغرب ما الذي قد تكون روسيا على استعداد للقيام به، ولكن روسيا تعرف على وجه الدقة ماذا بوسع الغرب أن يفعل -والأهم من ذلك ما لا يستطيع أن يفعل. وقد أدى ذلك إلى خلق حالة خطيرة من الافتقار إلى التوازن والتناسب.
على سبيل المثال، عندما تطلب مولدوفا الالتحاق بعضوية الاتحاد الأوروبي، قد تتحرك روسيا لضم إقليمها الانفصالي، ترانسنيستريا، حيث ظلت القوات الروسية متمركزة طيلة عقدين من الزمان. والآن، تعلم مولدوفا علم اليقين أن الغرب لن يتدخل عسكرياً لحماية سيادتها في حال حدث ذلك.
فيما يتصل بأوكرانيا، أوضحت روسيا أنها راغبة في عرقلة انتخابات أيار (مايو) الرئاسية، والتي يأمل زعماء الغرب أن تعمل على ترسيخ التغيير الذي حدث في أوكرانيا، في حين تحول المفاوضات الدستورية في البلاد إلى فصل افتتاحي لتأسيس نظام أوروبي جديد.
تتصور روسيا أن أوكرانيا من الممكن أن تتحول إلى شيء أشبه بالبوسنة -دولة فيدرالية تضم وحدات سياسية تلتزم كل منها بتفضيلاتها الاقتصادية والثقافية والجيوسياسية. وبعبارة أخرى، في حين تحتفظ أوكرانيا بسلامة وكمال أراضيها من الناحية الفنية، فإن القسم الشرقي من البلاد قد يقيم علاقات أوثق مع روسيا مقارنة ببقية أوكرانيا، وهذا أشبه بالعلاقة بين جمهورية صربسكا البوسنية وصربيا.
سيكون من شأن هذا أن يخلق معضلة لأوروبا. ففي حين قد يسمح النهج الفيدرالي الراديكالي لأوكرانيا بالبقاء سالمة عبر الأوقات الحالية، فإن من المرجح أن يحكم على البلاد بالتفكك والفشل في الأمد البعيد. وكما أثبتت تجربة يوغوسلافيا، قد تنجح اللامركزية الراديكالية في النظرية، ولكنها لا تنجح دائماً في الممارسة العملية. وسوف يجد الغرب نفسه في مواجهة مهمة عصيبة تتمثل في رفض حلول ما بعد المجال السوفييتي التي روج لها قبل عقدين من الزمان في يوغوسلافيا السابقة.
في مواجهة المذهب التعديلي الروسي، يصبح الغرب أشبه بالسكير المخمور الذي يبحث عن مفاتيحه المفقودة تحت أحد أعمدة الإنارة في الشارع، لأنه المكان الوحيد المضيء. لكن زعماء الغرب أصبحوا يناضلون الآن، بعد إبطال افتراضاتهم، من أجل صياغة استجابة فعّالة.
كانت الاستراتيجيات التي ظهرت في أوروبا حتى الآن -التهوين من شأن ضم شبه جزيرة القرم أو التعامل مع بوتن بوصفه رجلاً مجنوناً- مناقضة للغرض منها تماما. وأصبح الاتحاد الأوروبي يتأرجح بين التطرف الخطابي والتبسيط السياسي. وبالرغم من أن البعض أوصوا بالتوسع المتهور لحلف شمال الأطلسي في الفضاء ما بعد السوفييتي، فإن أغلب زعماء أوروبا يكتفون بدعم العقوبات الرمزية، مثل حظر التأشيرات الذي لن يؤثر إلا على عشرة أو ما إلى ذلك من المسؤولين الروس. لكنه سيكون من شأن هذا أن يزيد من الضغوط المفروضة على النخب الروسية غير الخاضعة للعقوبات لإثبات ولائهم لبوتن، بل وربما يؤدي إلى إطلاق عملية تطهير للعناصر الأكثر موالاة للغرب بين أبناء الطبقة السياسية في روسيا.
الواقع أن أحداً لا يعتقد حقاً بأن حظر التأشيرات قد يحدث أي فارق. ولم يُفرَض هذا الحظر إلا لأنه كان التصرف الوحيد الذي قد تتفق عليه الحكومات الغربية.
عندما يتعلق الأمر بأوكرانيا، فقد أصبح زعماء الغرب وشعوبه يعيشون في مزاج من خيبة الأمل الوقائية. وبعد عقد كامل من التمني والإفراط في التوقعات -من “الثورات الملونة” في العالم ما بعد السوفييتي إلى الربيع العربي- اختار الرأي العام الغربي أن لا ينصت إلا إلى الأنباء السيئة الآن. وهذا هو الخطر الحقيقي، لأن مستقبل النظام الأوروبي يعتمد في الأغلب على الأحداث التالية في أوكرانيا.
الآن، بات من الواضح أن شبه جزيرة القرم لن تعود إلى كييف؛ لكن من الواضح أيضاً أن تأجيل انتخابات أيار (مايو) سوف يعني نهاية أوكرانيا التي نعرفها. وذلك، فإن الغرب مسؤول عن إقناع روسيا بدعم الانتخابات -وضمان اتخاذ القرار بشأن الإصلاحات الدستورية اللازمة في كييف، وليس في دايتون.

*رئيس مركز الاستراتيجيات الليبرالية في صوفيا، وزميل دائم لدى معهد العلوم الإنسانية في فيينا. أحدث مؤلفاته كتاب “ثقتنا في انعدام الثقة: هل تتمكن الديمقراطية من البقاء رغم عدم ثقتنا في زعمائنا؟”

الغد الأردنية

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً