عقيدة أوباما والتوازن الجديد…بقلم:أليستر كروك

shello
shello 2014/02/15
Updated 2014/02/15 at 11:16 صباحًا

 p18_20140214_pic1

في المقابلة التي أجراها حديثاً ديفيد ريمنيك مع الرئيس أوباما في مجلة «نيويوركر»، يقتبس ريمنيك عن بن رودز، نائب مستشار الأمن القومي لشؤون الاتصالات الاستراتيجية، قوله إنّ «لعبة» أوباما «الطويلة» في السياسة الخارجية تدعو إلى إعادة تنظيم الفئات التقليدية للقوة والأيديولوجية الأميركية – مصراً على أنّ واشنطن قد أصبحت ببساطة «عالقة في قصص سخيفة جداً».

لا يوضح رودز بالتحديد ما هي هذه «القصص»، ولا يحلل حتى كيفية تبلورها؛ لكن يضيف: «في السياسة الخارجية، لكي تكون مثالياً ينبغي أن تؤيّد التدخل العسكري». ويتابع: «في الحزب الديموقراطي، تحددت هذه النقاشات في التسعينيات، وأيّد المثاليون التدخل العسكري. بالنسبة إلى الرئيس، كانت مسألة العراق النقطة الحاسمة، والآن يُنظَر إلى سوريا من هذا المنظار، كما كانت الحال مع ليبيا – لكي تكون مثالياً، عليك أن تؤيّد التدخل العسكري. أنفقنا تريليون دولار في العراق وأمضت قواتنا هناك عقداً من الزمن، ولا يمكن القول إنّ ذلك ترك أثراً إيجابياً، بل على العكس تماماً. لا يمكننا أن نبدو غير منطقيين».
باختصار، يلمّح رودز إلى أنّ المثالية أصبحت نوعاً ما مرادفاً لتأييد التدخل العسكري «الإنساني». ويشير إلى أنّ هذا المزج يكمن في صميم معضلة الرئيس أوباما على مستوى السياسة الخارجية: فأوباما لا يرى ببساطة أنّ التدخل العسكري بمثابة «عصا تحكم» تسمح للرئيس الأميركي بممارسة الضغوط في هذا الاتجاه أو ذاك، في سبيل تحقيق النتيجة التي ترغب فيها الولايات المتحدة. ويقتبس ريمنيك أقوال آخرين يقولون إنّ أوباما يرى في التغيير أمراً عضوياً – فهو نتيجة ديناميكيات غير مرئية طويلة الأمد، تعمل وفق نمطها وجدولها الزمني الخاص، ضمن المجتمع (ويسمّيها «تيارات») – بدلاً من أن يكون شيئاً يمكن نحته ليتخذ الشكل المرغوب بواسطة المطرقة والإزميل العسكريين. ولعل أفضل ما يستطيع رئيس (معاصر) القيام به هو أن يرصد، ثم أن يعمل مع أيّ تيّار مواتٍ، آملاً أنه انجرف مع تيار ذاهب في الاتجاه الجيد – إنما غير متأكد دوماً من المقصد النهائي. ويصف رودز «مأزق» أوباما بأنّه فهم «حدود السلطة» هذه، فيما يعيش في عالم «أميركان بيلتواي» حيث باتت ضرورة التدخل الإنساني تحدد المثالية على صعيد السياسة الخارجية.
غير أنّ رؤية أوباما الثانية أساسية. مغلّفاً أقواله بعناية بلغة حذرة، يلمّح أوباما إلى أنّ المشكلة في الشرق الأوسط تنبثق أساساً من الصراع الطائفي: «قد يكون في عمق مصلحة المدنيين في كافة أنحاء المنطقة إن لم يكن السُّنّة والشيعة في المنطقة عازمين على قتل بعضهم لبعض»، كما قال لريمنيك. وتابع: «على الرغم من أنّ ذلك لن يحل المشكلة بكاملها… (مع حل إيراني) يمكن أن نرى توازناً ينمو بين الدول الخليجية السنية، أو ذات الأكثرية السنية، وإيران، يشوبه تنافس، وربما شكوك، إنما ليس حرباً فعلية أو حرباً بالوكالة». هذا بالغ الأهمية: إذا كانت المشكلة ترتبط أساساً بعداوات تاريخية إسلامية ملتهبة، فإنّ التدخل العسكري من قبل الغرب المسيحي لا محل له فيها؛ أو، من المرجح ألا يؤدي إلا إلى المزيد من الاستقطاب. ويصرّح أوباما بوضوح بأنّ الجواب على «معظم التوتر في الشرق الأوسط» مفاده «إذا استطعت أن تباشر في حل بعض من هذا [العداء بين السنة والشيعة]، سينشئ ذلك توازناً جديداً. بالتالي أعتقد أنّ كل قطعة من الأحجية مُعدّة لرسم صورة حيث الصراعات والتنافس لا يزالان في المنطقة إنما جرى احتواؤهما؛ يعبَّر عن ذلك بطرقٍ لا تلحق خسائر هائلة مماثلة بالدول المتورطة، وتسمح لنا بالعمل مع الدول الناشطة في سبيل منع المتطرفين من الظهور هناك».
بيد أنّ مصطلح «الصندوق» – الذي أتى رودز على ذكره إنما لم يعرّف عنه، والذي يسعى أوباما إلى الهرب منه يظهر بوضوح وصراحة من خلال تصريح آخر لأوباما: «في ما يتعلّق بإسرائيل، مصالح إسرائيل… ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمصالح الدول السنية». إلى ذلك، يمكننا أن نضيف أنّ معظم النخب الأوروبية والأميركية ومعظم النخب في مجموعات البحث، قد انحازت مع مصالح الدول السنية (وإسرائيل) – وتشرّبت بلا وعي واعتمدت بلا تمحيص وانتقاد رواية السُّنّة «الذين يتخذون موقف الضحية» في ما يتعلق بـ«النهضة» الشيعية. كنتيجة لذلك، ينصب غضب كبير على سياسته المرتبطة بإيران، وهذا ما يعترف به أوباما ضمنياً.
من المؤكّد أنّ الكثيرين (ولا سيما من يؤيدون التدخل الإنساني) سيهرعون إلى إنكار ملاحظة أوباما الأساسية. سيقولون إنّ «الطائفية» حيلة وهمية تهدف إلى تغطية، وتحويل الانتباه عن الجذور الحقيقية للصراع في الشرق الأوسط، والتي تكمن في الفشل السياسي والفشل المجتمعي والاقتصادي. هناك بعض الحقيقة في هذا الاتهام؛ فالـ«صحوة» السنية كانت في الأساس ثورة مضادة على النظام. وصحيح أيضاً أنّ «النظام العربي» وكافة «النماذج» الوطنية البديلة (الخليجية والتركية ونموذج الإخوان المسلمين…) مرفوضة بشدة وعلى نطاق واسع في مجتمعات الشرق الأوسط. كذلك، صحيح أنّ لعبة السلطة التي يمارسها الإخوان المسلمون والتدخلات الرجعية، المناهضة للثورة والهادفة إلى إطاحة الإخوان المسلمين والقضاء عليهم، استخدمت الطائفية من أجل أغراضها السياسية الخاصة. لكن على الرغم من ذلك، التهبت الطائفية، وقد أدى الغرب دوره في ذلك – في العراق، حيث روّج أولاً للميليشيا الشيعية لمحاربة أهل السنة، ثم أطلق مجالس «الصحوة» (ميليشيا سنية) التي هاجمت الشيعة في كثير من الحالات – تماماً بقدر ما كانت العناصر الفاعلة في المنطقة مسؤولة عن تفجّر الطائفية من جديد.
بيد أنّ العداوات المستعرة بفعل الطائفية هي من الناحية النفسية حقيقية جداً. تكمن وراءها نقاط الضعف العميقة والمخاوف (والأحكام المسبقة). تأرجح التوازن بين الشيعة والسُّنّة في مرات عدة على مرّ القرون. وفي إحدى المرات، كان معظم سوريا (ولبنان ضمناً في ذلك الحين)، والعراق وفلسطين (ومصر) شيعياً. ويتذكر الناس ذلك.
في الآونة الأخيرة تأثرت المنطقة بأكملها من باكستان إلى لبنان بحدوث تغيرات جذرية عميقة على مرّ العقود الثلاثة الماضية. كما أشار جياندومينيكو بيكو، بدأت هذه التغيرات في أواخر السبعينيات، في المثلث بين باكستان وأفغانستان وإيران، عندما دخلت السعودية الحرب في أفغانستان، وتلا ذلك صراعٌ مرير بين السنّة والشيعة (قلما لاحظه الغرب) – فيما دعمت إيران التحالف الشمالي ضد حركة طالبان التي تدعمها السعودية. بيد أنّ ثورة الخميني (شباط/ فبراير 1979) في إيران، هي التي أقنعت «العالم» السُّني بأنّ تغييراً تاريخياً يتحضّر. تبع ذلك حرب العراق وإيران، صراع أُضرِم جزئياً لكبح نهضة شيعية؛ ثم حدث اجتياح العراق عام 2003. وكما يشير بيكو، «رحّبت إيران بالحرب التي شنتها الولايات المتحدة على صدام حسين، معتبرة إياها بمثابة ثأر عن أحداث عام 1534، تاريخ حزين مهم في قصة الشيعة. في ذلك العام، احتل سليمان الأول (السلطان العثماني) بلاد الرافدين (العراق في يومنا هذا) وأصبحت «أرض ما بين النهرين» في قبضة الأقلية السنية. شعرت إيران بأنّ الغرب قد منحها من دون قصد فرصة لاسترداد بغداد للشيعة في العراق المعاصر، حيث كان الشيعة يشكلون الأكثرية. «مرة أخرى، نشأت أحداث نتيجة للنزاع السني الشيعي القديم، لكن لم ينتبه لها الغرب كثيراً». في أعقاب حرب عام 2006، التي نجح حزب الله خلالها في وضع حد لمحاولة إسرائيل تدمير الحركة، ازدادت المخاوف الخليجية؛ إذ إنّ حزب الله وإيران نالا التكريم في الشارع العربي. ومع هذه المخاوف المتزايدة، احتدم ايضاً الخطاب الطائفي الخليجي المعادي للشيعة الذي عزز، وشرّع بشروطه الخاصة، المتطرّفين السّنة.
من المؤكّد أنّ الرئيس أوباما محق في رؤيته التي تفيد بأنّ التخفيف من التوتر الطائفي – وإن لم يكن بحد ذاته شرطاً كافياً لحل مشكلات المنطقة الكثيرة كافة – إلا أنّه قد يكون المفتاح لإيجاد توازن جغرافي سياسي جديد. بيد أنّ عواقب «إقامة توازن» بين القوة الشيعية والسنية ستكون عميقة – إذا تمكّن من تحقيق ذلك. سيتردد صداها أبعد بكثير من الشرق الأوسط؛ لكن بالنسبة إلى السعودية وإسرائيل، سيتطلب الأمر «إعادة – ضبط» أساسية لسياساتهما، إذ إنّ قبضتهما على صناعة السياسة الأميركية قد خفّت.
خلال معظم القرن العشرين، سعى رؤساء الولايات المتحدة المتعاقبون إلى منع أي دولة من الهيمنة على مراكز القوة الاستراتيجية في أوروبا وآسيا. أعادت عقيدة كارتر ببساطة تركيز هذا المبدأ الأساسي في السياسة الخارجية على منطقة الشرق الأوسط تحديداً، حيث لا يمكن أبداً استضافة أي قوة ليست صديقة للولايات المتحدة (أو إسرائيل)، أو السماح بها. غيّرت الأحداث في سوريا – وبخاصةٍ اتفاق الأسلحة الكيماوية – هذه الصيغة: أعادت روسيا تنصيب نفسها كـ«قوة» أوروبية آسيوية، وقد جاء ذلك نسبياً كنتيجة لدبلوماسيتها السورية والإيرانية. من شأن اتفاق مع إيران أن يطلق العنان لقوة اقتصادية وسياسية أوروبية آسيوية أخرى. لم تنقلب عقيدة كارتر وحسب، بل إنّ التفكير الأميركي الضمني الأصيل – «للقرن (الأميركي) الجديد» – يوضع ضمنياً في خانة «السرد السخيف». أوراسيا آخذة في الارتقاء (وهي ترتفع على موجة من الموارد الطبيعية والطاقة). تذكروا أنّ زبيغ برزيزينسكي هو الذي كتب في وقتٍ سابق في كتابه « The Grand Chessboard – رقعة الشطرنج الكبرى»، «مذ أن بدأت القارات تتفاعل سياسياً، قبل نحو خمسمئة عام، كانت أوراسيا مركز القوة العالمية». [المقصود بأوراسيا هنا الشرق الأوسط وآسيا الوسطى]… من الضروري ألا يظهر أي منافس أوروبي آسيوي قادر على الهيمنة على أوراسيا، وبالتالي على تحدي أميركا أيضاً: «في هذا السياق، تعتبر كيفية «إدارة» أميركا لأوراسيا بالغة الأهمية. فالقوة التي تهيمن على أوراسيا ستتحكم باثنتين من المناطق الثلاث الأكثر تقدماً وإنتاجية اقتصادية في العالم. كذلك، تشير مجرد نظرة سريعة إلى الخريطة إلى أنّه سيترتب عن السيطرة على أوراسيا بشكلٍ شبه تلقائي خضوع أفريقيا، ما يجعل نصف الكرة الغربي وأوقيانيا (أوستراليا) طرفية من الناحية الجغرافية السياسية للقارة المركزية في العالم. يعيش 75 في المئة تقريباً من سكان العالم في أوراسيا، ومعظم الثروة المادية في العالم موجودة هناك أيضاً، في شركاتها وتحت ترابها. أوراسيا مسؤولة عن نحو ثلاثة أرباع موارد الطاقة المعروفة في العالم». نهاية الاقتباس: حسناً، هذا ما يحدث الآن: ها هي البنيات المُعدّة لاحتواء أوراسيا تتآكل. ينبغي أن يأخذ الأوروبيون علماً جيداً بذلك. عليهم أن ينظروا في سياستهم الخارجية. هل يبقون في علاقتهم التي تميل كفتها نحو الولايات المتحدة بشكلٍ كبير ويصبحون «هامشيين» بالنسبة إلى القارة المركزية في العالم (بكلمات برزيزينسكي)، أم ينبغي لهم أن يتوجهوا مجدداً نحو المركز الجديد للسلطة؟
بطبيعة الحال، سبق واتُّهم أوباما بـ«خسارة» الشرق الأوسط لمصلحة طهران وموسكو. لكن انسحاب بريطانيا من الهند وباكستان تخللته هتافات مماثلة بـ«الخيانة» وتحذيرات خطيرة «من الندم الكبير الذي سيشعر به الشعب الهندي لرحيل البريطانيين. لكن كم تبدو جلية الآن خسارة بريطانيا للإرادة، وحاجتها إلى أن تكون موجودة. اليوم، الغرب ككل وليس أميركا أو بريطانيا وحسب، هو الذي يمرّ بمرحلة جديدة من التأمل الباطني، فيما تتآكل فئات الأفكار، ويتحرك النظام العالمي في اتجاهات جديدة. الحقيقة الباردة هي التي قالها أوباما لنتنياهو وأعضاء مجلس الشيوخ: المثالية – «المعيار المطلق» غير متوافر – «هو غير قابل للتحقيق».
تكمن الصعوبة هنا في أنّ «رواية» السعي وراء «المثالية» متجذرة عميقاً في النفسية الأميركية – ثم تطعّمت بها النفسية الأوروبية (ومجموعات التفكير الغربية) أيضاً. قبل أكثر من عامين على الهجوم الياباني على بيرل هاربر، أطلقت بعض الشخصيات في المجلس الأميركي للعلاقات الخارجية مشروعاً سرياً بات يعرف باسم «دراسات الحرب والسلام»، بدعمٍ مالي من وزارة الخارجية. حتى في ذلك الحين، توقعوا أنّ نتائج الحرب المتوقعة في أوروبا ستترك أميركا في مركز مهيمن، اقتصادياً وسياسياً. كذلك حذروا من أن تكرر أميركا الخطأ الذي اقترفه البريطانيون، من خلال الجهر بـ«إمبراطورية» أميركية (على الرغم من أنّ هذا هو ما كانوا يدعون إليه فعلياً). بدلاً من الإمبريالية، ينبغي أن تتبنى أميركا رواية «مثل عليا». لا ينبغي أن ترتكز «إمبراطوريتها» على القوة العسكرية وحسب، بل أيضاً على «حكاية» التقدم والديموقراطية والحرية. كانت المهمة – باعتقاد واضعي السياسات، تتمثل في كيفية استعمال قوة أميركا العسكرية والاقتصادية والسياسية لتشكيل بيئة دولية مواتية لمصالحها – مغلفة في حكاية ​​التقدم والديموقراطية والحرية: باختصار، سياسة خارجية متبعة دفاعاً عن المدينة الفاضلة.
لكن كما أشار أحد الفلاسفة منذ أكثر من ألفي سنة، في نهاية المطاف يصبح «بطل» الفضيلة ومنفذ مهمة حضارية أمير غموضه الخاص. لماذا؟ لأنّه كما كان الباحثون في المجلس الأميركي للعلاقات الخارجية يدعون، حددت أميركا لنفسها هدفاً يتمثّل في التمكن من «فعل الخير» باعتباره شيئاً مادياً. ما إن توصلت أميركا إلى رؤية «الخير» باعتباره «شيئاً» يمكن بلوغه، باتت طرفاً في انقسام لا مفر منه: بين الحاضر الذي لم تتمكن أميركا خلاله من امتلاك وتحقيق ما تصبو إليه؛ والمستقبل حيث يعتقد الأميركيون أنهم سيحصلون على مرادهم – مستقبل جعلوه حاضراً من خلال الجهود التي بذلوها في سبيل القضاء على الشر. منذ اللحظة التي اعتبر فيها «المثاليون» قيمهم أشياء يمكن بلوغها، أفضت هذه القيم إلى الضلال والغربة: بما أنه كلما صبّ المرء اهتمامه على وسائل تحقيق «التقدم والديموقراطية والحرية»، وكلما أصبح مجرداً، يعامَل على أنّه شيء يمكن بلوغه من خلال تقنيات عسكرية خاصة (القوات الخاصة، طائرات بلا طيار، وما إلى ذلك – تذكروا سامانثا باور، التي أطلقت على نفسها سابقاً لقب «فتاة الإبادة الجماعية»، «التي تروّج للديموقراطية في أي وقتٍ وأينما كان… تحت تهديد صاروخ كروز إذا لزم الأمر»)، أصبح أقل «واقعية». وفيما يصبح أقل واقعية، يتراجع أكثر في غياهب التجرّد والمستقبل والعجز عن تحقيق المآرب. باختصار، كلما صبّ المرء تركيزه أكثر على وسائل تحقيق مهمته، أصبحت هذه الوسائل أكثر دقّة وتعقيداً، إلى أن يصبح في النهاية مجرد التركيز على رسم العالم وتشكيله أمراً شديد التطلب لدرجة أنه ينبغي تركيز كافة الجهود على ذلك – وتفقد الغاية معناها الحقيقي. تتمثل خلاصة هذا التفكير الاستباقي بأنّ «الخير» الذي يبشّر به الفلاسفة الأخلاقيون والمثاليون ويطالبون به، قد يتحوّل في النهاية، وبشكلٍ متناقض إلى شر. من خلال أقوال دايفيد ريمنيك يبدو أنّ الرئيس أوباما يدرك ذلك بشكلٍ بديهي، وهو يسعى إلى توجيه أميركا بعيداً عن متابعة مهمة حضارية، لمصلحة هدف محدود أكثر يتمثل في إقامة «مساحة» للتيارات الإيجابية لكي تنمو بطريقتها الخاصة. قد لا يسامحه أبداً المثاليون – من يدعون إلى التدخل الإنساني – (وطبعاً المحافظون الجدد) – سيستخلصون أنّه يفسح بالمجال أمام الشر الذي يعتقدون أنّه يقف في طريق امتلاك شيء (إنجاز مهمة)، لا يملكه المرء، وعليه أن يلاحقه باستمرار إلى أن يصبح في الواقع بعيد المنال.

الأخبار اللبنانية

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً