على عهدة حنظلة .. رواية على شكل حوارات ما بين ناجي العلي وطفله الكاريكاتيري!

shello
shello 2018/04/04
Updated 2018/04/04 at 1:00 مساءً


الايام -بديعة زيدان:في روايته الأخيرة “على عُهدة حنظلة”، الصادرة عن دار العين للنشر، يبدع الروائي الكويتي إسماعيل فهد إسماعيل، في نسج خيالات تكاد تكون واقعية لقدرته الفائقة على ضبط إيقاع الشخصيات، وتصويرها، وتحريكها، والتنقل ما بين الواقع والمتخيل بسلاسة لا تخلو من عمق، في حوارات ما بين رسام الكاريكاتير الفلسطيني الشهيد ناجي العلي و”مخلوقه” الطفل “حنظلة”، في سرد محكم، ورائع، وممتع، وموجع.
ومع انتهاء قراءة الصفحة الأخيرة من الرواية، تشعر كقارئ أن ناجي العلي اغتيل للتو.. تشعر بالفقدان، وبأن صغيره “حنظلة” تيّتم الآن، فلم “يدارِ حنظلة نبرة الحزن من صوته”.
وتدور أحداث الرواية في “غرفة الإنعاش” بأحد مستشفيات العاصمة البريطانية لندن، عقب إطلاق النار على ناجي العلي من مسافة قريبة، حيث كان يعيش حالة أقرب إلى الموت السريري، بقيت فيها أجهزة جسده على قيد العمل لقرابة الشهر بمساعدة العديد من المعدات الطبية الموصولة بها.
وفي هذه الأيام، وبسبب صداقته القوية وقربه من ناجي، حيث عملا سوياً في الصحافة الكويتية، ينسج إسماعيل فهد إسماعيل، أحد المطلعين على ولادة “حنظلة” عن قرب، وعلاقة الأب بالابن، حوارات بينهما، حيث يحاول الطفل الذي يدير ظهره إلى العالم، ويدير في هذه الرواية الحوار، حث من خطه ذات يوم على النجاة، ليبقى كل منهما حيّاً.
يربط الروائي الحالات التي يمر بها العلي أثناء غيبوبته بالأبيض والرمادي والأسود، ففي البياض يكون الدماغ أقرب إلى الاستيقاظ حيث يسمع ما يدور حوله، وأحاديث زواره من العائلة وخارجها، وفي السواد يغيب تماماً عن إدراك أي شيء مما يجري، في حين المنطقة الرمادية بطبيعة الحال هي بين هذه الحالة وتلك.
من الشخصيات المحورية في الرواية علاوة على ناجي العلي و”حنظلة”، تلك الصبية الكويتية المدعوة “حنين”، والتي كانت تحضر معها إلى حيث يرقد العلي، رواية “الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل” لإميل حبيبي، وتقرأ فصولها عليه منها، كما كانت تعيد نبش ذاكرتهما المشتركة في الكويت، دون إيضاح من هي “حنين”، وما إذا كانت شخصية حقيقية أو متخيلة، أو أراد منها إسماعيل فهد إسماعيل التورية على شخصية أخرى، لا سيما أنها لم تفارقه أبداً حتى لحظة وفاته، حتى إن ناجي و”حنظلة” يتبادلان الحديث عنها، وينتظر كل منهما قدومها إلى حيث كانا، في ساعات متأخرة من الليل كعادتها، حيث تقضي تلك الساعات بجواره حتى الفجر، وكأنها تريد أن تذكره بشيء من علاقة ما كانت تربطها وإياه.
وكانت تدرك “حنين” جيداً أن “المتشائل” لحبيبي من أقرب الكتب إلى قلب ناجي، لذا كانت تقرأ فصولاً من الكتاب أو الرواية، لعلها تحدث معجزة ما، ويستفيق.
والحوارات ما بين العلي و”حنظلة” تعيد سرد سيرة الخروج متعددة الأبعاد في حياة رسام الكاريكاتير الفلسطيني الأشهر، حيث النكبة والخروج من “الشجرة”، ومن ثم الخروج من مخيم “عين الحلوة” بعد اجتياح قوات الاحتلال الإسرائيلي لبيروت، فالخروج من الكويت، وتحديداً من شقته في منطقة “النقرة”، إلى لندن، وما يرافق كل خروج من ذكريات. وهنا يقدم إسماعيل فهد إسماعيل حكايات غير مسبوقة في سيرة ناجي العلي، وكأنها كشف جديد، وإن كان ملتبساً ومتلبساً ثوب رواية تحمل من الخيال ما تحمله من الوقائع.
ولا يخلو الحوار من رعب “حنظلة” إزاء فكرة رحيل صانعه، وهو ما تجلى في تلك الحوارية بينهما… “سألته ما المصير الذي ينتظرك لو أني فارقت الحياة نهائياً. فجعني رده. سأكون حبراً على ورق. استطرد متسائلاً بحس الإدانة. لست أفهم ما الذي يدعوك لأن تتحدث بصفتك حالة ميؤوساً منها. ألست كذلك؟. أجاب مناشداً. لو كنت كذلك حقيقة لما أبقوك مربوطاً لأجهزتهم. أحسستني أستجيب لمناشدته، قلت له: سأبذل جهدي ألا أسلم لليأس. دبت حيويته في صوته. هذا ناجي الذي أعرفه”.
وقال حنظلة لناجي ذات حوار “رغم كونك لم تفكر يوماً بكتابة وصيتك.. كنت طوال زمنك تدرك أنك معرض للاغتيال، وأنها مسألة وقت لا غير (…) لهذا السبب جاء إنتاجك غزيراً مقارنة برسامين آخرين.. طمحت لأن تقول كل شيء قبل فوات الفرصة (…) في العديد من لوحاتك أشرت إلى احتمال تعرضك للقتل، وأشرت إلى لا مبالاتك تجاه ذلك، معتمداً مقولتك: قل كلمتك وأمضي.. ولا يعنيك إلى أين”.
ومن بين الشخصيات التي عايشها ناجي العلي في واقعه، إضافة إلى زوجته وداد، أصدقاؤه الكويتيين مثل أحمد الجار الله، وغانم النجار، وأحمد الربعي، حيث كانوا من بين زواره في “غرفة الإنعاش”، كحال مبعوث الرئيس الشهيد “أبو عمّار”، والفنان نور الشريف الذي كان يعد عملاً سينمائياً يجسد شخصية ناجي العلي، وظهر في وقت لاحق فعلاً.
وكانت وداد تواظب على زيارته في “غرفة الإنعاش” كل صباح، وتحكي له أخبار أولادهما الأربعة، لشعورها بأن مثل هذه الحكايات عمن يعشق قد تكون حافزاً له كي يستفيق، كما كانت تنقل له تحيات أصدقائه، وتخبره بأخبار فلسطين والعالم، وكأنها جسر الوصل ما بينه وبين من وما حوله.
وحضرت في الرواية بوضوح مقولات وأشعار للشاعر الكبير محمود درويش، والتي كانت كأنها روابط وفواصل في آن، وهي تلك التي يتحدث فيها درويش عن ناجي.. ومنها “أن تكتب 400 كلمة عن ناجي العلي معناه أن تكونه.. تكون هذا السر الذي يفضح نفسه يومياً ويبقى سراً.. وحده يستطيع أن يقطر، فيدمّر ويفجّر.. لا يشبه أحداً، لكنه يشبه قلوب الملايين لأنه بسيط ومعجزة كرغيف خبز.. لا أستطيع أن ألتقطه كما يلتقطني.. ما أفعله الآن هو النظر إلى ملامح وجهي في حبره الأسود الرخيص، إنه مفجع وسهل كنهار جميل يشهد مذبحة”.
أما حضور إميل حبيبي الطاغي أيضاً، فلم يكن عبر “المتشائل” الذي كانت ترويها “حنين” بلسانها على مقربة من ناجي العلي في أيامه الأخيرة داخل “غرفة الإنعاش”، بل إنه، كما في الرواية، ويبدو ذلك كشفاً، أرسل حبيبي ما يشبه المخطوط داخل مغلف له وهو محاط بأسلاك المعدات الطبية، قرأته “حنين” الكويتية أيضاً، وكان شيئاً غير “المتشائل”.
هذا علاوة على حكاياته معه، وما كان أرسله له حبيبي من بلغاريا إلى “السفير” في بيروت، ونقله له رئيس التحرير طلال سلمان، بل إن سيرة حبيبي حضرت في الرواية أيضاً خلال الحديث عن لقاءاتهما في “ركن منزو في مقهى فندق فيتوشا بصوفيا”، هو الذي أبلغ ناجي قائلاً: “ناسك في الداخل يعدونك قديساً مجنوناً.. كثيراً ما تساءلت وأنا أتابع رسوماتك: من أين يأتي هذا المجرم المتهور أحيانا بأفكاره المذهلة.. أتخيلك وأنت تواجه ورقك الأبيض تنظر في البعيد لدقائق معدودة، فإن خذلتك مخيلتك، دسست يدك في جيبك وطلعت بفكرة غريبة لا تخطر ببال أحد”.
وكان من الذكاء بمكان، أن يتجه إسماعيل فهد إسماعيل لكتابة ناجي العلي روائياً، كي يبقى القارئ ملتبساً عن قصد، وكأنه أراد أن يقول ما لا يمكن إدراجه في دائرة اليقين وهو يسرد سيرته الشخصية لا سيما في الكويت، وهذا ما تجلى عبر شخصية “حنين”، كما أشرت سابقاً.
في هذه الرواية يشعر القارئ بقشعريرة ما، لا تحملها الكثير من الروايات، وهذا يعكس حالة القرب الكبيرة ما بين ناجي العلي وصاحب الرواية، حيث تطفو على السطح مشاعر الفقدان، والحنين، كما هي الدهشة والفاجعة والكشف أيضاً.

Share this Article