عندما تنتصر الأكاذيب: لماذا يصعب إيجاد سرد فلسطيني موفق؟ … بقلم : رمزي بارود

shello
shello 2013/11/23
Updated 2013/11/23 at 2:18 مساءً

216300

 

في تمرين عبثي من الأساس، والذي استمر لساعة تقريباً، تقلبت بين قناتين تلفزيونيتين فلسطينيتين؛ قناة “الأقصى” التابعة لحركة حماس في غزة، وقناة “فلسطين” التابعة لفتح في الضفة الغربية. وفي حين زعمَت كل منهما تمثيل فلسطين والفلسطينيين، بدت كلتاهما وأنهما تمثلان مكاناً ما آخر، وأناساً ما آخرين. كان الأمر كله مخيباً كثيراً للأمل.
عالم حماس متركز على كراهيتهم لفتح وغيرها من دكاكين الأعمال الفئوية. وتلفزيون فتح عالق بين العديد من عوالم اللغة القديمة والثورات الزائفة، والخصومات الفصائلية والعشق الذاتي الذي لا يضاهى. ويبدو أن هذين السردين يصبحان أكثر غرابة باطراد، وليس من المرجح أن تتحركا أبداً نحو تجاوز حسهما المباشر بتمجيد الذات والسخافة المطلقة.
لا عجب إذن أن الفلسطينيين ما يزالون يناضلون حتى يتمكنوا من إخبار من أن يقولوا للعالم قصة بسيطة، واضحة وصادقة. وربما أصبح الآن بفعل اليأس أنهم يتوقعون من مؤرخي إسرائيل الجدد، والأجانب الذين يقومون بزيارات عرَضية لفلسطين، أو صحفيين غربيين عادلين بشكل غير متوقع، أن يقولوا هذه الرواية نيابة عنهم.
ولكن، ماذا عن الفلسطينيين أنفسهم؟ ذلك نادر الحدوث لأن الفصائلية في فلسطين وبين الفلسطينيين في الشتات تدمر أيضاً نفس فكرة امتلاك سرد مشترك يمكن أن يقولوا عبره رواية واحدة متماسكة، غير ملطخة بعقلية سياسية قبَلية تقوم بالتهام هوية الفلسطينيين بنفس الطريقة التي تلتهم بها الجرافات الإسرائيلية كل ما تبقى من أراضيهم.
حتى لو تسنى لمثل هذه الرواية أن تأتي إلى الوجود في نهاية المطاف، فإنه يغلب أن تواجه مهمة شاقة، لأن رواية إسرائيل الرسمية، ولو أنها مزورة، تذهب متجذرة في التاريخ. يوم 16 أيار (مايو) 2013، وصف شاي حازكاني في مقالة مفصلة في صحيفة “هآرتس” العملية المعقدة والإلغائية التي أعاد بها رئيس وزراء إسرائيل الأول، ديفيد بن-غوريون، كتابة التاريخ. وقد استندت المقالة المعنونة: “التفكير الكارثي: هل حاول بن-غوريون إعادة كتابة التاريخ” بشكل كبير إلى ملف واحد (رقم GL-18/17028) في أرشيف الدولة، والذي بدا وأنه أفلت من الرقابة. وكان قد تم نقل بقية الملفات بعيداً بعد أن وضع مؤرخو إسرائيل الجدد -بيني موريس وآفي شلايم، وتوم سيجف، وإيلان بابيه وغيرهم- أيديهم على العديد من الوثائق التي تنفي بقوة رواية إسرائيل الرسمية عن ولادتها.
كتب حازكاني في الصحيفة الإسرائيلية: “الوثائق الإسرائيلية المؤرشفة التي ذكرت طرد الفلسطينيين، والمذابح أو عمليات الاغتصاب التي ارتكبها جنود الاحتلال، إلى جانب غيرها من الأحداث التي تعتبرها المؤسسة محرجة، أعيد تصنيفها تحت فئة ’سري للغاية‘”. لكن الملف رقم GL-18/17028 نجا بطريقة ما من الهجمة الرسمية على التاريخ.
تتحدث الوثيقة الوحيدة عن “تطور نسخة الرواية الإسرائيلية للنكبة الفلسطينية للعام 1948”. وقد حدث هذا التطور تحت رعاية بن غوريون نفسه في السنوات ما بين 1960-1964، حيث كلف باحثاً بعد آخر بفبركة التاريخ بشكل أساسي، وهو ما فعلوه بكل تأكيد. كان القادة الصهاينة بارعين بما فيه الكفاية على الأقل لفهم قوة الذاكرة الجماعية، وتأثيرها المحتمل على الرأي العام العالمي. لذلك، فصلوا نسختهم الخاصة من التاريخ في وقت مبكر جداً من أجل مواجهة الجيل المستقبلي من الفلسطينيين.
سلمان أبوستة هو واحد من أبرز مؤرخي فلسطين. وقد فعل الرجل لحفظ وتوثيق السجلات التاريخية الفلسطينية أكثر من أي مؤرخ آخر على قيد الحياة. وفي مقابلة مع صحيفة الأخبار اللبنانية يوم 5 آب (أغسطس) 2012، كان أبوستة، بطبيعة الحال، مدركاً تماماً للمحاولات الإسرائيلية لإعادة ترتيب شكل التاريخ. وقال: “لم تكن الخرائط الإسرائيلية للخمسينيات أكثر من المسح البريطاني لخرائط فلسطين، والتي أعيدت كتابتها باللغة العبرية. ومنذ العام 1960 فصاعداً، بدأ مسح إدارة إسرائيل لإصدار خرائط خالية من كل تلك الأسماء الفلسطينية الأصلية، واستبدالها بأخرى عبرية“.
الإشارة إلى العام 1960 تؤكد بأثر رجعي قصة حازكاني المستندة إلى ملف GL-18/17028 المتبقي.
بعد ستة عقود ونصف العقد لاحقاً، ما تزال المعركة دائرة، بين محاولات إسرائيل محو تاريخ فلسطين، في حين أن الفلسطينيين، من خلال الجهود المستقلة (لا شكر للفصائل المتحاربة) يحاولون الحفاظ على تاريخهم الخاص. وكما يوضح أبوستة، فإن “الحرب تدور على جبهات عدة، ليس العسكرية فحسب، وإنما هي أيضاً معركة على عقول الناس… إننا لا نحاول طمس أي تاريخ آخر -نحن نحاول أن نقول إننا لن نسمح لكم (إسرائيل) بمحو تاريخنا“.
مع ذلك، لم تتوقف جهود إسرائيل لإلغاء التاريخ الفلسطيني أبداً، بدءاً من تدمير مئات القرى الفلسطينية وطرد سكانها في 1947-1948، إلى إعادة رسم وكتابة خرائط، إلى تغيير أسماء المدن والشوارع، إلى تصنيع التاريخ البديل، إلى الأمر الأكثر حداثة: تجريم الذاكرة الفلسطينية. نعم، ذلك بالضبط.
في آذار (مارس) 2011، صادق الكنيست الإسرائيلي (البرلمان) ما يعرف باسم “مشروع قانون النكبة”. وهو قانون يعاقب مالياً أي منظمة أو مؤسسة تتصور وتحيي ذكرى تأسيس دولة إسرائيل كيوم حداد للفلسطينيين. هذا القانون، المعروف رسمياً باسم “قانون مبادئ الميزانية (التعديل 39) -تخفيض دعم الميزانية للأنشطة التي تتعارض مع مبادئ الدولة”، كان استمرارا لمشروع بن غوريون الرامي إلى الفلسطينيين فيزيائياً، وقطع علاقتهم مع أرضهم، وتقديم بناء للتاريخ إلى بقية العالم -تاريخ أساء بضعة أفراد بناءه عمداً في اتباع للتعليمات الرسمية.
للأسف، يبدو التاريخ المخترَع إلى حد كبير، والمركز جداً والممول جيدا وأنه يتغلب على التاريخ الحقيقي الذي يتم تشويهه في الغالب بسبب عدم كفاءة أصحابه. صحيح أن هناك مؤرخين غير أبوستة، والذين ينظرون إلى الفلسطينيين من خلال المنشور الجمعي الشفاف، وليس المناشير المشوهة للأفراد أو الفصائل. لكن أصواتهم تظل مع ذلك مكتومة، تتغلب عليها الخلافات الساحقة -حركة حماس مقابل فتح، مقابل البقية، وتقسيمات الهوية الوطنية على أساس الجغرافيا والسياسة والأموال، من بين عوامل أخرى.
لكنه ما يزال يترتب على الجيل الحالي من الفلسطينيين أن يصنع مشروعاً فلسطينياً طويل الأجل، ممولاً جيداً وشاملاً تماماً، والذي يتجاوز مصالح المجموعة المحدودة والجغرافيا؛ واحداً يديره مؤرخون فلسطينيون مؤهلون ومدربون تدريباً جيداً، ومتحدثون رسميون وعلماء، بحيث يمكن تقديم رواية فلسطينية واسعة وثابتة الأقدام في جميع أنحاء العالم. وما تزال كل الجهود من هذا القَبيل مسؤولية أفراد فُرادى ومنظمات صغيرة بوسائل وأدوات محدودة، وبالتالي تعاني من ضيق الوصول. ولكن، من دون إقامة منبر موحّد، فإنه سيكون من بالغ الصعوبة أن تصل الرواية الفلسطينية إلى الكتلة الحرجة اللازمة للتغلب على الرواية الإسرائيلية الخيالية الوهمية للتاريخ الفلسطيني، والتي تستمر في تعريف التفكير السائد في أجزاء كثيرة من العالم، خاصة في الغرب.
كان عمل المؤرخين الإسرائيليين الجدد قيّماً للغاية، ولو أن المرء لا يستطيع مقارنة تعاطف مؤرخين مثل أيلان بابيه، بقسوة بِن موريس. كما أن مئات الروايات الأخرى التي يقدمها الغرباء مهمة هي أيضاً، لأنها تساعد في خلق أطر مرجعية يمكن لجمهورها المحدد في أنحاء العالم أن يعيد روايتها. ولكن، من دون رواية فلسطينية موحدة، واسعة في حجمها، ومدهشة في اتساقها، وشاملة تماماً في عرضها، فإن القصة الإسرائيلية المليئة بالمغالطات كما هي، سوف تستمر في تعريف الفهم السائد للتاريخ لسنوات كثيرة مقبلة.
(ذا بالستاين كرونيكل) -ترجمة: علاء الدين أبو زينة – الغد الاردنية


*
مستشار إعلامي، وكاتب عمود دولي، ومحرر موقع الحكاية الفلسطينية “ذا بالستاين كرونيكل”. آخر كتبه هو: “أبي كان مقاتلاً من أجل الحرية: قصة غزة التي لم تُروَ“.

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً