فلسطين.. أرواح المهجّرين…بقلم:ييبيكا بيلهام

shello
shello 2014/03/29
Updated 2014/03/29 at 10:46 صباحًا


2 

‹›

 

عاشت جدتي في ثلاثة بلدان من دون أن تبرح مكانها على الإطلاق. أصبحت القرية البنغالية التي ولدَت فيها، وتزوجت وأنجبت خمسة أبناء، نافذة شهدت حدودها السياسية وهي تتغير من الهند البريطانية، إلى الباكستان، إلى بنغلاديش في الأعوام بين 1947 و1971. كانت جدتي حكواتية، وبينما كنت أنشأ وأشب عن الطوق في تلك القرية، أعاد خيالها لي خلق خبرة الولاءات المتغيرة، والمنازل المقسمة.
عندما قررت الانتقال إلى القدس مع عائلتي في العام 2005، انتابني الفضول إزاء ما قد يكون عليه العيش في مدينة مقسمة. وقد حدث تقسيم فلسطين وتقسيم البنغال والبنجاب في غضون سنة لكل منها، وحملت جميعاً بصمات متشابهة للانسحاب المتسرع من النظام الاستعماري القديم.
في القدس، كان بيتنا الأول جزءاً من بيت عربي كبير مكون من طابقين في شارع يدعى “عميك رفائيم” أو “وادي الأشباح”. كانت له نوافذ طويلة مقوسة وسقف عال جداً بحيث كلما وجدت نفسي وحيدة، كان ينتابني شعور بأنني في كنيسة. وفيما بعد، كنت أقرأ عن تاريخ هذا الجزء من القدس الغربية، وعلمت أن هذا البيت كان مملوكاً في الحقيقة لعائلة فلسطينية مسيحية، جرى تشريدها في أعقاب الحرب العربية-الإسرائيلية في العام 1948، والتي انتهت بخلق إسرائيل.
كانت جدتي تحب الحديث عن المنازل المسكونة. كانت في المنازل التي يملكها الأثرياء الهندوس الذين فروا إلى الهند بعد التقسيم في العام 1947 مذابح للآلهة، والتي أصبحت الآن خالية بشكل مخيف. قالت جدتي إنها كانت تستيقظ في كثير من الأحيان على صوت قوقعة محارة، ينفخ فيها عابدون غير مرئيين للآلهة الغائبة.
عبر الحدود، في ولاية غرب البنغال الهندية، يمكنك زيارة مساكن ملاك الأراضي المسلمين وجباة الضرائب التي كانت ذات يوم مترفة، وأصبحت الآن خربة في الغالب -المعروفة باسم “زماندار” في الهند البريطانية- والتي عُرف أصحابها بحياة فجور وانحطاط. وبعد التقسيم، تم تجريدهم من أدوارهم وثرواتهم، وذهب الكثيرون منهم إلى باكستان المنشأة حديثاً. وقد كتبت الكتب والروايات عن الموسيقيين والراقصين الشبحيين الذين ما يزالون يخرجون في ليال مقمرة معينة ليؤدوا رقصاتهم لديار زمان القديمة. هناك تنحني الراقصات لراعيهن، ذواقة موسيقى البلاط الهندي، الذي يدفع لهن بسخاء قبل أن يختفين جميعاً عائدات إلى مقامهن في ضباب التاريخ.
في القدس، عندما رأيت الظلال ترقص على البلاط الخليليّ لفنائنا، فكرت في تلك الأرواح المشردة، وبأصحاب بيتي السابقين.
لم أكن الوحيدة التي تتساءل عن ذلك الجيل الغائب. كانت أقرب صديقاتي الإسرائيليات تعيش مع رفيقة سكنها الفلسطينية في قرية عين كارم الفلسطينية السابقة، التي أصبحت ملاذاً أرستقراطياً حديثاً للفنانين والكتاب على مشارف القدس. وبينما كنت أزورها في أحد الأيام، أخذتني خارجاً إلى الحديقة لتريني شجرة تين متلوية الأغصان.
“انظري إلى هذه الشجرة، لم أر قط أي ثمار تين على فروعها. نحن نعتقد أن الشجرة ملعونة لأنها تفتقد مالكي هذا البيت الأصليين”.
اقترحت أن الشجر ربما تنتج الزهور الذكورية فقط. لكن صديقتي قالت إنها تعرف أن ذلك ليس صحيحاً. ثم أعادني ما قالته بعد ذلك إلى حكايات جدتي.
“كان هناك زوار. أم وابنتها. الأم بملابس متواضعة. وكذلك الابنة، في جلابيات طويلة، من دون غطاء رأس”.
حدقتُ في وجهها.
“كانتا في بيتهما، كما ترين، ولا حاجة لأن تغطي شعرك في بيتك”.
صديقتي العلمانية، اليسارية، الناشطة والمحامية، كانت تتحدث عن زوار أخرويين قادمين من عالم آخر.
قالت: “كنت آخذ حماماً في ذلك اليوم عندما ظهرتا للمرة الأولى. أولاً سمعت الأم. “لماذا تستحمين في الخارج؟” سألَت. لم أفهم. كنت في الحمام الداخلي في غرفة نومي. ثم أدركت أن هذا الجزء من المبنى لم يكن موجوداً عندما كانوا يعيشون هنا. كان توسعة بناها المالك اليهودي بعد العام 1948. “تعالي.. تعالي إلى الداخل، سوف تصابين بالبرد”، قالت. وأطعتها بإخلاص. ابتسمت الأم. كان لها وجه فتي جداً. أعطتني منشفة. “هل تريدين بعض الشاي، شاياً ساخناً بالنعناع؟ دعينا نذهب ونجلب بعض الأوراق من الحديقة. تعالي، سأريك”. تدثرتُ برداء وتبعتها.
“كانت تبحث بشكل محموم عن النعناع، عند حافة الحديقة الخارجية، بجانب شجرة التين العاقر. قالت: “كان النعناع ينمو هنا، تحت شجرة التين. كان التين لذيذاً. كانت الشجرة تطرح الكثير منه، حتى أننا بعد إطعام الحي كله، كنا نجفف ما يكفي من الفاكهة ليطعمنا خلال أشهر الشتاء”. قلت للأم إن لديّ بعض أكياس الشاي بالنعناع المجفف في المنزل. دخلنا ووقفنا في المطبخ. نظرت من حولها، ثم قالت: “أين الإبريق؟ لقد تركناه على النار. لم يتسن لنا الوقت لإطفاء الموقد”.
فسّرت صديقتي بأنها تتذكر التفاصيل بهذا الوضوح لأنها كانت تسجل المحادثات. عندئذ، ساورني القلق على صحة عقل صديقتي.
“سجلتِ محادثاتك مع زوج من اللاجئات الأشباح؟”.
قالت: “كانت في الواقع مونولوجات. ظللت دائماً أشعر بوجودهم، وجدت نفسي أتحدث إليهم في كثير من الأحيان. لذلك قررت أن أسجل جزءاً من المحادثات مع الزوار الصامتين، سكان بيتي الأصليين”.
شرحَت صديقتي أن هذه التجسدات لم تولد من شعور بالذنب: “بما أنني لا يمكن أن أعوضهم شخصياً، فإنه يمكنني على الأقل أن أقدم اعتذاري الشخصي عن طريق دعوة أرواحهم إلى بيتي -حسناً، بيتهم- ليشربوا معي الشاي”.
للأسف، كما أوضحت صديقي، يصر بعض الإسرائيليين على تسمية أحفاد الفلسطينيين الذين فروا في العام 1948 “اللاجئين الوهميين”، لكنهم حقيقيون. هناك 1.5 مليون لاجئ فلسطيني يعيشون في المخيمات في جميع أنحاء العالم العربي وفي الضفة الغربية، الذين لم يذهبوا، الذين لن يذهبوا، الذين يُصلّون كل يوم من أجل العودة إلى أملاك عائلاتهم. “حق العودة”، قالت صديقي، “هو الموضوع الأكثر أهمية في أي محادثات سلام، حتى أنه أكثر أهمية من وضع القدس. يجب علينا أن نفعل شيئاً أولاً لأحفاد أولئك الناس الذين اضطروا إلى المغادرة وأباريقهم على المواقد. وإلا فإنهم سيظلون يدخلون مع الأنفاس في عنق إسرائيل إلى الأبد. سوف يعودون ليطفئوا تلك المواقد!”.
طوال حياتي، شعرت بألم الانقسام ببالغ اليأس، حتى أنني رفضت دعوة البلد الذي ولدت فيه باسمه السياسي الحقيقي. كلما سألني الناس من أين أتيت، كنت أجيب: من “البنغال”. وفيما بعد، عندما أصبحت أعيش في الخارج، حرصت في كل مرة ذهبت فيها إلى “الوطن” على الطيران إلى كولكاتا في ولاية البنغال الغربية الهندية، ثم أسافر عبر الحدود براً إلى البلدة في بنغلادش حيث عاش والداي. بهذه الطريقة استطعت أن أزور “بنغالاً” غير مقسمة، وحّدتها رحلتي ومخيلتي. لعل مثل هذه الخطوات الشخصية هي السبيل الوحيد للالتفاف على الحدود السياسية المستحيلة.
لكن هناك في السياق الإسرائيلي الفلسطيني نظام معقد من الضوابط القانونية والعسكرية، والذي يجعل من الصعب للغاية، حتى بالنسبة للأحفاد من الجيل الثالث من اللاجئين الفلسطينيين زيارة منازل أجدادهم في إسرائيل. ومع اقتراب مهلة نيسان (أبريل) للتوصل إلى إطار لاتفاق سلام، يجب أن يدرك كلا الجانبين أنه ما لم يتم تناول حق العودة -على الأقل بالتعويضات المالية، في حال بدا الواقع المادي للعودة مستحيلاً- فإنها لن تكون هناك أي فرصة للسلام والمصالحة.
في بنغلادش وغرب البنغال، رأيت عملية مختلفة من المصالحة. هناك، تبادل اللاجئون وملاك الأراضي الأماكن والولاءات. وفي نهاية المطاف، بدا أن المعظم تعلموا العيش واحدهم مع سرد الآخر.
في بلدتي البنغالية المتربة، كان صوت قعقعة محارة ينعتق كل مساء من معبد هندوسي قديم ويعبر زقاقنا، معلناً عن ساعة احتجاج الآلهة. كانت جدتي تطلب إلي أن أخرج إلى الحديقة المثقلة بعطر زهرة الغوندوراج، وتقول: “هل تشمين العبق القوي؟ إنها تجيب نداء آلهة المعبد”. وبالضبط في تلك اللحظة، كان نداء صلاة المسلمين، الأذان الجميل يتردد من المسجد القريب ذي القبة البيضاء أيضاً، ويملأ الهواء.

الغد الأردنية

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً