فلسطين و”النيوليبرالية” المتخيلة … بقلم : د.أحمد جميل عزم

shello
shello 2013/10/10
Updated 2013/10/10 at 12:08 مساءً

148399

في دراسة البنك الدولي الأخيرة، بعنوان “الضفة الغربية وغزة: المنطقة (ج) ومستقبل الاقتصاد الفلسطيني”، معلومات بشأن واقع القطاع الخاص في المناطق المحتلة العام 1967. وهذه المعلومات تعزز القناعة أنّ الاستخدام الشائع جدا لمصطلح النموذج “النيوليبرالي”، باعتباره أساس السياسات الاقتصادية للحكومات الفلسطينية، بحاجة إلى مراجعة.
بحسب الدراسة، فإنّ الاستثمارات الخاصة في المناطق المحتلة أسهمت بنحو 15 % من إجمالي الناتج القومي خلال السبعة أعوام الأخيرة، مقارنة مع نسبة
25 %
في الدول متوسطة الدخل.
الليبرالية باعتبارها تقوم على القطاع الخاص، و”النيوليبرالية” باعتبارها حركة وفلسفة تعززت في العالم منذ ثمانينيات القرن الماضي، أكثر تركيزا على هذا القطاع على حساب دور الدولة، إلى درجة خصخصة الجيوش والأمن، وتقليص دور الدولة في الرعاية الصحية والتعليم، ولا تبدو بالتالي الوصف المثالي للحالة الفلسطينية.
لا تكاد تخلو ندوة أو نقاش للواقع الفلسطيني، خصوصاً في شقه الاقتصادي، من ذكر “النيوليبرالية” باعتبارها عنوان ما يجري في المناطق الفلسطينية. بطبيعة الحال، لا تقتصر مبررات الحديث عن “النيوليبرالية” على القطاع الخاص، بل هناك أسباب أخرى عدّة. منها مثلا، أنّ ما يُقدّم للفلسطينيين في المناطق المحتلة العام 1967 ليس مساعدات دولية، بل “تمويل أجنبي” يُمنح للحكومة وللمنظمات غير الحكوميّة، لأهداف تخدم مصالح الدول الكبرى (النيوليبرالية) وأمنها. ومنها الخلفية المهنية للمسؤولين الحكوميين، خصوصاً حكومة سلام فياض السابقة، وهو الرجل الآتي من البنك الدولي الذي يعد أحد مؤسسات الاقتصاد العالمية المعروفة بأنها، مع صندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية، مؤسسات تروج لما يعرف باسم “وفاق واشنطن” القائم على تشجيع الاقتصاد الحر والخصخصة. كذلك، فإنّ النّقاشات الصاخبة في منتدى دافوس الاقتصادي العالمي -الذي بات يُعقد باستمرار في منطقة البحر الميت في الأردن، ويعد أحد أطر عمل “النيوليبرالية” العالمية- حول مشاريع اقتصادية سيقوم بها رجال أعمال فلسطينيون ومعهم رجال أعمال عرب وإسرائيليون في المناطق المحتلة، سبب آخر للتفكير المستمر في مفهوم “النيوليبرالية” عنواناً لتأطير الحالة الفلسطينية. وتوسم الحالة الراهنة بأنها تفصل بين الاقتصاد والمقاومة، وتحاول أن تُنجز مؤسسات دولة وتُحدث اقتصادا يتجاهل وجود الاحتلال. ولا ترى وجهة النظر هذه (وقد ثبتت صحتها من هذه الزاوية) أنّ بناء “مؤسسات دولة” تحت الاحتلال ممكن، أو أنّه يؤدي إلى الاستقلال.
يمكن الإشارة إلى أنّ ميزانية الأمن الضخمة في المناطق الفلسطينية، وضعف قطاع الأعمال الخاص سالف الذكر، يضعفان فرضية أنّ “النيوليبرالية” هي الوصف الصحيح لما يجري فلسطينيّاً؛ فكما سبق، يتقلص دور الدولة في “النيوليبرالية”، وحسب “وفاق واشنطن”. على أنّ العالم يعيش الآن مرحلة تسمى “ما بعد وفاق واشنطن”. وهي مقولة تستخدم عالميّاً لدعم وجهة نظر من يقول إنّ “نيوليبرالية وفاق واشنطن” فَشِلَت، وأنّه لا بد من العودة للتسليم بدور أكبر للدولة في مجالات مختلفة، كما كان عليه الأمر بعد الحرب العالمية الثانية. وممن ينادون بهذا الأمر مفكرون مثل فرانسيس فوكوياما الذي تخلى عن دعواته “النيوليبرالية” التي تؤمن بنشر الحريات الاقتصادية والسياسية ولو بالقوة، إلى الحديث عن أولوية بناء المؤسسات والدول. ولكن البعض يرى هذه الدّعوات جزءا من تطور “النيوليبرالية”. وربما تؤدي فعلا إلى نوع من التكيف والتطور التنظيري للنيوليبرالية، لتبرير تبعية دول الأطراف، مع إعفائها من مطالب الحرية والديمقراطية؛ على اعتبار أنّ الأولوية لبناء المؤسسات، فيما يُترك الباقي للمستقبل.
ربما يمكن استخدام مصطلح “النيوليبرالية” أثناء الحديث عن الاقتصاد الفلسطيني، ولكن جزئيا فقط. فهي قد تكون مدخلا مناسبا للحديث عن فخ التبعية الاقتصادية، وفصل الاقتصاد عن المقاومة، وعن رغبات ومخططات غربية لتفعيل دور رجال الأعمال والقطاع الخاص. ولكن على الأرض، فإن تضخم الجهاز الأمني الفلسطيني، ورفض إسرائيل لأي مظهر لنشاط اقتصادي فلسطيني حقيقي يعتمد على الموارد الطبيعية وعلى حرية الحركة للأشخاص والسلع والخدمات، وتعطيل الإنتاج المحلي، والربط بين الأموال واستمرارية أجهزة السلطة وسيطرتها على مفاصل المجتمع، كل ذلك يتناقض مع فكرة “النيوليبرالية” أو “الليبرالية”. وبهذا، فربما تكون البيئة العالمية للاقتصاد الفلسطيني “نيوليبرالية”، ولكن ليس السياسات المحلية التي إنْ شاءت تبني هذه الأفكار، لا يُسمح لها.

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً