في معنى سقوط الإسلام السياسي …بقلم: عبد الله بن عمارة

shello
shello 2014/05/12
Updated 2014/05/12 at 9:26 صباحًا

images

كان لافتا أن يتزامن، حديث السيد نصر الله مع جريدة «السفير» الذي أبدى فيه تحفظا على مصطلح «الإسلام السياسي» في معرض رده على سؤال للجريدة عن المشروع السياسي للإخوان المسلمين، مع تصريح نقل عن الرئيس بشار الأسد أمام كوادر حزب البعث عن سقوط الإسلام السياسي، هذا التزامن الذي بدا لأول وهلة للبعض انه تناقض في قراءة الواقع الراهن بين حليفين متكاملين، استلزم توضيحا يعالج ما ظهر من لبس، وفق منهج يستوفي الجانب المعرفي والفكري في موضوع السقوط، أو الإخفاق أكثر من الجانب السياسي، والخروج من حالة توصيف الواقع السياسي، إلى حالة القراءة المعرفية للبنية الفكرية المحركة لهذا الواقع السياسي.
تحفظ السيد على مصطلح الإسلام السياسي كان مفهوما، بل ومبررا على اعتبار انطلاقه من خلال إطاره العقائدي الذي يعتبر الإسلام كلا متكاملا لا يقبل تجزيئا، إلى ما هو سياسي أو اجتماعي، أو ثقافي… إلا أن استطراده في الإجابة عن السؤال، نمّ عن معرفة تامة بمضمون الموضوع – تتجاوز ما هو شكلي أي الخلاف حول التسمية – و بإرادة واضحة للإشارة لـ«حركات إسلامية « بعينها تتحمل المسؤولية عن أدائها، وعدم إلحاق تداعيات إخفاقها بباقي الحركات.
فالأصل أن مصطلح «الإسلام السياسي» لم يكن ضمن دائرة التداول في التراث العربي – الإسلامي، فهو بهذا المعنى مصطلح معاصر، كما انه وبالرغم من انه متداول في الدوائر الثقافية والسياسية غير المنتمية لهذا الإطار الذي ينعت بحركات الإسلام السياسي، إلا انه لا يحمل معنى قدحيا اتجاهها، ويختلف من حيث تحرير المصطلح، كما المضمون مع مصطلح «النهضة الإسلامية»، الذي يعبر عن الحركة الثقافية والسياسية والفكرية التي قادها جمال الدين الأفغاني في العالم الإسلامي، وبالخصوص في إيران ومصر، والتي شكلت الإطار المرجعي لحركة الإصلاح الديني التي تأمل منها أن تقود الأمة نحو النهضة والتحرر من الاستعمار، ومن خلال العلاقة بهذا الإطار المرجعي، يتحدد المسار الفكري لحركات الإسلام السياسي، أي مدى قربها أو بعدها من البنية المعرفية الأصلية لهذا الإطار.
لقد أثمرت بذرة حركة الأفغاني في إيران ومصر، وعيا وطنيا تحرريا ضد السيطرة الاستعمارية من جهة، ورفضا للاستبداد والتسلط، وما يرافقهما من تخلف عن الركب الحضاري من جهة أخرى، وتأكيدا على الهوية الوطنية الجامعة الرافضة لشـرخ النسيج الوطني على أسس دينية أو طائفية، وعلى ترسيخ آليات النقد والتجديد في منظومة التراث الثقافي والفكري الإسلامي، بما يؤهلها لنـسف رواسب الجمود والتعصب المذهبي، ولتشكيل رافد للمشروع النهضوي، فشكل النائيني تلميذ الأفغاني في إيران، إطارا معرفيا اجتهاديا رائدا في مجال تشكيل الوعي بضرورة التجديد داخل الحقل الفكري السياسي الإسلامي «الشيعي» لتقبل فكرة الاحتكام إلى الدستور، والفصل بين المؤسسات والوقوف ضد الاستبداد، ومقاومة النفوذ الاستعماري الأجنبي بالمحافظة على السيادة الوطنية، والحق في استثمار الثروة الوطنية بعيدا عن قوة الاحتكار الرأسمالية الاستعمارية (الثورة الدستورية في إيران أو الثورة المشروطة). وفي مصر قاد تلامذة الأفغاني الوعي التحرري الثوري المعادي للاستعمار (ثورة عرابي نموذجا) والمواجه للاستبداد، واستمرت سيرورة النضال والوعي إلى تأسيس الأحزاب الوطنية التحررية، والوصول إلى دستور 1923 في مصر الذي يعد رائدا، بالنظر إلى معيار الظرف المكاني والزماني الذي كتب فيه.
إلا أن الانعطافة المفصلية التي عرفها المسار التجديدي والإصلاحي لتراث الأفغاني في مصر، هو الارتداد العام الذي قاده رشيد رضا، الذي شكل نكوصا فكريا ومعرفيا عن التراث العقلاني والتجديدي لمحمد عبده وللأفغاني، وصل حد إحداث القطيعة الابستمولوجية مع كل ما أسست له مدرسة الأفغاني معرفيا، من نسف أسس التعصب المذهبي والطائفي وإصلاح آليات التفكير، لتأهيلها لقبول النقد الذاتي لأركان التخلف الماضوية في التراث الديـني، ولترسـيخ الالتفاف حول الهوية الجامعة، ولاستيعاب المنتوج الفكري الحداثي التحرري في كل المجالات في مواضيع الاستبداد، والتحرر من الاستعمار والمرأة… الخ.
كان هذا النكوص مرتبطا أساسا بإعادة بعث السلفية بوجهها الوهابي المستند إلى رؤى دوغمائية، ترتبط بحرفية النص وتمنع أي نزوع نحو التجديد أو النقد، وترفض الاختلاف، وتكرس التعصب الديني والمذهبي، بما أسس لبروز عقل طائفي مغلق، هذا الارتداد الذي تأطر في بنية تنظيمية اسمها جماعة «الإخوان المسلمين»، كأبرز حركات الإسلام السياسي، على يد حسن البنا تلميذ رشيد رضا، كان تأسيسها أصلا يعد تناقضا بنيويا مع مفهوم الوطنية المصرية الحديثة، ثم مع فكرة العروبة بالنظر إلى أن أدبياتها تشير إلى ارتباط التأسيس، مع ما أسمته بانهيار «الخلافة الإسلامية « في اسطنبول.
ابتدءا من لحظة النكوص التاريخية هذه، حدث الافتراق في المسار في سياق سيرورة التطور الفكري للإسلام السياسي في إيران ومصر، وهو ما سيكون له تداعيات على العالم العربي والإسلامي، على اعتبار المدى الأوسع العابر للحدود للأفكار المرتبطة بهذا المسار، وهنا وجب التأكيد على أن هذا الافتراق لا يتعلق، كما يمكن أن يتوهم البعـض بالمرجعـية الفقهية المختلفة: الشيعية في إيران والسنية في مصر، ذلك أن الذي حدث في إيران هو أن الإسلام السياسي الذي تأسس لم يترك المجال لأي ردة فكرية عن تراث النائيني – الأفغاني – من حركة «فدائيان إسلام» إلى حركة الخميني -، مشابهة لردة رشيد رضا، بل على العكس من ذلك، قطع مع التيارات الدينية الجامدة المرتبطة بالنص المقدس (المدرسة الإخبارية نموذجا)، التي توازي المدرسة السلفية الوهابية عند السنة، ولم يتـرك لها مجـالا للـبروز أمام حجم المنتوج الفكري، الذي شكل إرهاصات سبقت الثورة الإيرانية، واعتبرت مرجعيتها الفكرية من كتابات علي شريعتي، مرتضى مطهري، إلى كتابات الخميني نفسه في إيران، ومحمد باقر الصدر في العراق، كان الإطار العام لهذه الكتابات، هو التشديد على التناقض مع الاستعمار وتفعيل «الفكرة الإسلامية الثورية» القائمة على الاستقلال، ومواجهة الاستعمار وعلى التناقض الوجودي مع مشاريعه الوظيفية، وترسيخ الهوية الجامعة في إيران المتصالحة مع تراثها الثقافي، والإثني المتعدد، فكان هذا السياق التحرري كافيا لهذا المسار كي ينظر إلى ظاهرة محمد مصدق بايجابية، رغم الخلاف الإيديولوجي معها.
في مقابل كل هذا، استمر النكوص الذي ورثه «الإخوان» من رشيد رضا وأسسوا له، في هيئة حراك فكري لكتابات زادت من عمق النزوع السلفي والانغلاقي المصطدم مع المجتمع، والأقرب إلى منطق الإقصاء والطائفية والتكفير، كما نلمس ذلك في كتابات سيد قطب (كتاب معالم في الطريق نموذجا). لقد عجز هذا الإسلام السياسي (الإخوان المسلمون تحديدا)، من تكوين مرجعية فكرية بديلة للوضع القائم ولنا أن نعرف بأن ثمانين سنة من الوجود لم تكن «كافية» للتنظير لطبيعة النظام السياسي البديل والإشكاليات المرتبطة به كالموقف من الديموقراطية أو سلطة الشعب، والعلاقة بين السلطات، كما افتعل صراعا وهميا مع القومية العربية والفكرة التحررية، ومع جوهر الدولة الوطنية المستقلة عن النفوذ الاستعماري، فاصطدم مع رائدها جمال عبد الناصر (محمد مصدق العربي)، وتموضع مبكرا في الموقع الرجعي المرتبط بالاستعمار، بتحالفه مع أدواته في الخليج، وبالتالي اختار لنفسه خندق الارتهان للمشروع الامبريالي بتبني أطروحات نيوليبرالية في الاقتصاد، خلقت قابلية لديه للتحالف معه كما ظهر ذلك في انخراطه في الصراع ضد الاتحاد السوفياتي في ثمانينيات القرن الماضي، في الفترة نفسها التي انطلق فيها «حزب الله» في مقاومته ضد المشروع الاستعماري الأميركي، وأداته الوظيفية الصهيونية محددا أولوياته في سياق الخندق الاستقلالي المعادي للاستعمار، مما قربه من تيارات سياسية وفكرية تلتقي معه في الأهداف نفسها، وإن اختلفت معه إيديولوجيا. كان على رأس هذا الخندق سوريا كرائدة للنسق الاستقلالي في المشرق العربي. إن البنية الفكرية ذات المضمون التحرري الاستقلالي المعادي للاستعمار والمنفتحة على باقي التيارات، هي التي تجعل من «حزب الله» ومن النظام المنبثق في إيران من ثورة شعبية معادية للامبريالية، حليفا طبيعيا لكل القوى التي تلتقي معه في الأهداف التحررية سواء في المشرق العربي، أم في العالم وعلى رأسهـا سوريـا التي تحكـمها الفكرة القوميـة العربـية العلمانية، كناظم يوحد الفسيفساء السورية في هوية جامعة واحدة. معنى هذا المضمون، هو الذي تحدث عنه السيد في حواره مع «السفير»، وهو الذي يخوض معركة وجودية ضد قوى تكفيرية تصف نفسها بالإسلامية بقوله: «أنا برأيي ان الأميركيين ليست لديهم مشكلة في أي مكان في العالم الإسلامي أن تحكم حركة اسمها حركة إسلامية، وإسرائيل أيضاً ليس لديها مانع. لا مشكلة أن تكون إسلامياً وملتحياً، وزوجتك محجبة وتصلي الصلوات الخمس، وأن تحج وتعتمر وتعمل ما بدا لك… لكن قل لي ما هو موقفك من إسرائيل؟ ما هو رأيك بالنفط؟ كيف تتعاطى مع الثروات، وما هو موقفك من أميركا ومشروعها في المنطقة؟». الخطر الوهابي متلازم مع الخطر الصهيوني ولا بـد من إحداث القطيعة المطلوبة معه، ومن دون هـذه القطيعة لا يمكننا الحديث إلا عن سقوط مدوٍّ للإسلام السياسي.

عن السفير

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً