كارثة إدماننا على الإنترنت…بقلم:روبرت فيسك

shello
shello 2014/06/03
Updated 2014/06/03 at 9:11 صباحًا

7ubw7qlo

ثمة شيء فاسد في وضع التكنولوجيا اليوم. وقد أدركت ذلك فقط عندما كتبت في العام الماضي عن وزير حكومة إيرلندي، أقدم على الانتحار مباشرة قبيل عيد الميلاد 2012، فيما يعود جزئياً -وفقاً لما قاله شقيقه بجوار القبر- إلى أنه تلقى العديد من الرسائل المسيئة على شبكة الإنترنت. وكانت الاستجابات التي جاءت من أولئك الذين يزعمون أنهم “قراء” لهذه الصحيفة، كما يلي: 1) اقتراح أن الشقيق كان يكذب؛ 2) أن الوزير استحق الموت بسبب سياساته (التي شملت إجراء تخفيضات في دور الرعاية)؛ و، 3) إدانة الوزير القتيل لأنه لم يكن حصيفاً بما يكفي ليدرس تأجيل انتحاره إلى ما بعد عيد الميلاد.
هل كان الأمر دائماً هكذا؟ هل كانت مثل هذه الرسائل البغيضة مجهولة الكاتب تصل عندما كانت “رسائل إلى المحرر” هي الطريقة الوحيدة للتعبير عن المشاعر -طباعة، بطبيعة الحال- تجاه الكائنات البشرية الأخرى؟ “الاسم والعنوان مرفقان” كان القشة الأخيرة مجهولية المرسل التي يمكن أن يسمح بها أي ناشر. لكن المجهولية الآن يجب أن تكون محمية، مدللة، محروسة ومصانة، لأن الخصوصية، حتى الخصوصية في إساءة المعاملة، أصبحت أكثر أهمية من المسؤولية. و”تعليق أون لاين” -ونقطة “تعليق” هذه تستحق بالتأكيد أن تعامل على أنها “خطأ من المصدر”- أصبح يأخذ الأسبقية على التهديدات الجنائية.
بينما أسافر حول العالم لأحاضر عن الشرق الأوسط، أجد عدداً متزايداً من المجلات التي تعلق نشر التعليقات أو أنها تقيده على الإنترنت. ومن بين المنشورات الأحدث التي فعلت ذلك كانت “ذا ناشيونال كاثوليك ريجستر”، التي قرر محررها “دينيس كودي” أن التعليقات المسيئة والخسيسة التي يتم تلقيها -البعيدة عن أن تكون ملاحظات حول مضمون المقال أو المادة- إنما هي “تخريب متعمد صرف”. وقال كودي إن من مسؤولية الجميع أن يجعلوا الإنترنت مكاناً متحضراً عن طريق جعل المساهمين قابلين للتعرف عليهم، تماماً كما كان الحال في الأيام التي كان فيها المحررون (والمحامون) يقررون رسائل من هي التي يمكن أو لا يمكن نشرها.
كتبت كاتبة العمود الأيرلندية بريدا أوبراين في شباط (فبراير) أنه في حين كان عليها أن تلتزم بمبادئ توجيهية صارمة في عملها كصحفية في وسيلة مطبوعة، فقد كان من “الغريب” أن يكون “بوسع الناس أن يعلقوا على مقالاتي بحصانة، وأن يقولوا أي شيء يحبونه عني أو عن الآخرين. ومن الصعب وصف المستوى الهائل من اللؤم والخسة التي انطوت عليها بعض التعليقات”. وكتبت أوبراين عن الخبرة “الظلامية” لأولئك الذين يتمنون -عبر الإنترنت- أن “أُضرب بشدة، أو أموت بمرض مؤلم، أو أن أُحرم من أولادي… وقد عبر أحد الأشخاص بشكل متكرر عن أمنيته بأن أُحرق حتى الموت”. والكثير من هذه المواد يقصد “اغتيال” الأشخاص. وقد كتبت أوبران أيضاً: “إن الوحشية في التعليقات على الإنترنت تبدأ بالنزف والتسلل إلى المناقشات اليومية”.
وهي على حق. كنت قد كتبت من قبل عن الإهانات العنصرية الكريهة التي أتلقاها -والتي مررها لي مطبوعة أصدقاء يقولون إنهم يخشون على سلامتي- وكتبت عن تلك الطريقة المتضاربة القذرة التي يتهرب بها أولئك الذين يشاركون في “غرف الدردشة” و”المنصات” من مسؤوليتهم الخاصة، عن طريق الادعاء بأنهم لا يمتلكون المال ليدفعوه لـ”الوسيط” (الذين يعنون به المحرر) أو أن “الإنترنت موجود هنا ليبقى، سواء أحببت ذلك أم لا”. وقد لاحظ الصحفيون في جميع أنحاء العالم هذه الظاهرة، سواء كانت “تجميل قبح التعليق على الإنترنت” في وسائل الإعلام البرازيلية بالحديث عن الحاجة إلى حراس للشوارع، أو الكراهية العرقية الصريحة التي تجدها على مواقع المنشورات الهادئة المحترمة، والتي تكون في كثير من الأحيان ملاحظات ينبغي أن تؤدي إلى المقاضاة أصحابها بتهمة الكراهية العنصرية.
بعض المواد التي أقرأها عن المسلمين -والتي أرسلها إليّ على الورق بعض مستخدمي الإنترنت الذين بدوا مصدومين حتى أكثر مما أصبحت مصدوماً أنا نفسي- هي نتاج مرضى نفسيين، يطالبون باغتصاب النساء المسلمات. ومن المقلق على قدم المساواة، والخطير بالقدر نفسه، هناك المداخلات المعادية للسامية التي تستهدف الصحفيين والسياسيين والمؤرخين والنشطاء الذين هم من اليهود. وقد لاحظت أن كلا من الذين يزعمون بغض إسرائيل وأولئك الذين يطالبون بدعمها يقفون هم أيضاً في الخط الأمامي من الرشق بالإساءات.
ربما يكون غضبي الخاص من هذا الوضع هو الذي يجعل استجابتي أكثر مباشرة. ولكن القذارة، والعنصرية والإساءة الكريهة، والغمز والأكاذيب والافتراءات والبلطجة الموجودة على شبكة الإنترنت، في المداخلات والرسائل النصية وغرف الدردشة، أصبحت كلها مرضاً. إننا نسمى أولئك الناس المضطربين نفسياً “المتصيدين”، بل إن ذلك يدل أكثر على إدماننا نحن للتكنولوجيا. لقد أصبحنا جد مدجنين، أو “مأخوذين” بعلم الاتصالات الجديد -حتى أصبحنا مضطرين إلى تشبيه أولئك الكتاب من ذوي الأقلام المسمومة والمسيئين، بمخلوقات الأساطير الاسكندنافية الوحشية نفسها أكثر من كونهم مؤلفي الخرافات والمتنمرين العنصريين الذين يشكلونهم في الحقيقة.
هذه اللغة أصبحت ترشح إلى البرامج الإذاعية الحوارية القائمة على الصدمة-النكتة، وقنوات الكابل الإخبارية اليمينية، وهي تميت الروح؛ ليس بالمعنى الديني، وإنما بالطريقة التي أصبح بها الإنترنت نفسه -أي تجربة “وسائل الإعلام الاجتماعية”- إدماناً لا يقل إرعاباً عن إدمان المخدرات أو السجائر في واقع الأمر. لقد أصبح من الواجب علينا أن نكون “متعلمي حاسوب” بدلاً من أن نكون “متعلمين”؛ وليست بعض النسخ التي أستقبلها من البريد الإلكتروني مليئة بالأخطاء القواعدية فحسب -وإملاؤها مروع أيضا- وإنما هي غير مفهومة تقريباً. ومَن هم المدمنون الأوائل؟ هل هم الشباب الذين ابتلعوا فكرة “الحرية” الجديدة -أو أقرانهم الذين قالوا لهم إن هذا هو الطريق المناسب للمضي قدماً؟
إنني ما أزال مصاباً بالذهول من تلك اللحظة التي صادفتها منذ سنوات عدة، عندما سألني أحد الطلاب، بعد إلقاء محاضرة في إحدى الجامعات الأميركية، عما إذا كنت “أستطيع أن أسمي أي موقع جيد في الشرق الأوسط”. وقد أجبته بأربع كلمات: ما العيب في الكتب؟ وقد ابتهج الطلاب، فيما حدق بي مدرسوهم الأكاديميون في الصف الأمامي بانشداه وبنظرات توبيخ.
إن كارثة الانترنت -ربما يجب أن أقول، مأساة الإنترنت- تنمي لنفسها مخالب. لقد أصبحنا، كما قال أحد علماء النفس، “مفتونين بالإلهاء”. إننا لم نعد نتأمل. إننا نتصرف من واقع رد الفعل. إننا لا نقرأ الكتب -بافتراض أننا نشتريها دائماً- وإنما “نتصفحها” فقط. على طريقة “سبريتز”. ووفقاً لإعلان “سبريتز” الخاص، فإنها “مجموعة ناشئة مقرها بوسطن، تركز على تكنولوجيا تدفق النص”، ومؤسسوها هم “أصحاب مشاريع متسلسلون، ذوو خبرة واسعة في تطوير وتسويق التقنيات المبتكرة”. ولن تتفاجأ إذا علمت أن المجانين الذين يشغلون سبريتز، يزعمون بعد دعوة الجماهير إلى قراءة ما يصل إلى 600 كلمة في الدقيقة، أنك ستكون قادراً في القريب على قراءة رواية تولستوي الهائلة “الحرب والسلام” في أقل من 10 ساعات.
أليس هذا جزءاً من المشكلة؟ إنك عندما تحذف الفكر، وتفقر الأدب وتعبد التكنولوجيا -ليس كإنجاز تكنولوجي رائع وإنما كإله- فلن تكون هناك قواعد. يمكنك أن تشرب تولستوي، وأن تدخن الكتب، وأن تتنفس الكراهية. شيء فاسد؟ ماذا تعني كلمة فاسد؟

الغد الاردنية

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً