كافح الإرهابَ… ولو في الصين

shello
shello 2014/03/12
Updated 2014/03/12 at 11:57 صباحًا

An injured man is pushed at a hospital after a knife attack at Kunming railway station

في غمرة الأحداث التي شغلت العالم في الأسبوع الماضي، حادث لم يوله العرب اهتماماً كبيراً، لكنه أقام الصين وأقعدها، وأغرق البلاد في أجواء الصدمة والحزن والغضب. إنه العملية الإرهابية التي وقعت في مساء أول آذار (مارس) الجاري بمحطة القطارات في مدينة كونمينغ، حاضرة مقاطعة يونان في جنوب غربي الصين، حيث اقتحمها ثمانية إرهابيين من قومية الويغور، ومنهم امرأتان، بالسيوف والسكاكين المسنونة على الناس الأبرياء العزّل طعناً وذبحاً وتقتيلاً. وبلغ عدد ضحاياهم 29 قتيلاً و146 جريحاً، منهم فلاحون وعمال ريفيون وجامعيون وسياح، ووالد مات بطعنة في العنق قبل أن يسقط فيحمي ابنته بجسمه، وطفل جريح شهد بأم عينيه ذبح والدَيْه وجدّه، وشاب قتل بعد أن لفظ الكلمتين الأخيرتين لخطيبته: اجري بسرعة!

عملية إرهابية بكل معنى الكلمة، وفي غاية القسوة والوحشية، بحيث يندى لها جبين الإنسان، ولا يقدم عليها من له مثقال ذرة من الإنسانية. وكان من الطبيعي أن يثير الحادث غضب المجتمع الصيني بكل أطيافه، كما أثار استنكار المجتمع الدولي، متمثلاً بالسيد بان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة الذي دان «بأشد العبارات الهجوم المروع على المدنيين»… ويرى أنه لا يوجد أي تبرير لقتل مدنيين أبرياء، آملاً بمحاسبة المسؤولين عن الهجوم أمام العدالة. ولم يختلف الموقف العربي الرسمي عن الإجماع الدولي، حيث عبرت جامعة الدول العربية، على لسان نائب الأمين العام للجامعة السفير أحمد بن حلي، عن «الإدانة الشديدة لهذه الجريمة النكراء مشدداً على تضامن الجامعة مع الشعب الصيني وأسر الضحايا وتعاطفها مع المصابين».

كانت صدمة الحادث هائلة على نفوس الصينيين، لأنه يعتبر أخطر حادث إرهابي وقع خارج إقليم شينجيانغ منذ عقود، بعد أن شهدت العاصمة بكين حادثاً إرهابياً أسفر عن خمسة قتلى في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي قرب ميدان تيا آن مين الشهير، وبات المواطن الصيني يشعر بالخطر الحقيقي للإرهاب العشوائي الذي قد يحدث في أي مكان وأي زمان.

وأكثر ما يخشى ذوو العقل والدراية أن الحادث قد يساعد على ترسيخ الصورة السلبية لقومية الويغور في نظر المجتمع الصيني. ويتجلى ذلك في مشهد تناقلته مواقع التواصل الاجتماعي الصينية في اليوم التالي للحادث، وهو مشهد يبعث الأسف والألم بمقدار ما يبعث الدفء والأمل: وصل شاب ويغوري من سكان مدينة كونمينغ إلى طابور المتطوعين للتبرع بالدماء لإغاثة جرحى الحادث، ففوجئ بأن الناس ينظرون إليه بنظرات غريبة ما بين الريبة والاشمئزاز، بل هرب بعضهم من الطابور بمجرد ظهوره. فانتظر الشاب في حيرة حتى جاء دوره للتبرع بالدم، وبعده انحنى أمام الناس الواقفين قائلاً وقد اغرورقت عيناه: «أولئك القتلة بالسكاكين هم وحوش، لا يمكن اعتبارهم من أهل شينجيانغ، ولا يستحقون لقب الويغور، ومع ذلك أريد أن أطلب منكم العفو». ثم انحنى أمامهم مرة أخرى وانصرف.

ولم تقتصر ردود الفعل الصينية على الحادث نفسه، بل شملت تغطيات بعض الوسائل الإعلامية الغربية التي أعرضت عن استخدام كلمة الإرهاب لوصف طبيعة الحادث، كما فعلت شبكة «سي أن أن» الأميركية، إذ وضعت علامة التنصيص على كلمة «الإرهابي» («terrorist») حيناً، واستخدمت عبارة غريبة «الملوّحون بالسكين» (knife-wieldingmen) حيناً آخر، الأمر الذي أظهر ازدواجية واضحة في النظر إلى الإرهاب، وأثار استياء شديداً في الأوساط الصينية، رسمياً وشعبياً، وكأن كلمة الإرهاب هي تعبير خاص لوصف قتل الأبرياء الأميركيين والأوروبيين دون غيرهم! وإضافة إلى ذلك، لمّح بعض الإعلام الغربي في معرض تغطياته للحادث، إلى أن «القمع الديني والعرقي في الصين» هو الذي سبب مثل هذه العمليات. إنها تهمة باطلة تجافي الحقيقة تماماً. فمكان وقوع الحادث بالذات، أي مقاطعة يونان، يحمل دلالات كثيرة لدحض مثل هذه التهم المتكررة والجائرة. إذ تعيش في هذه المقاطعة التي تسمى بـ «أرض الألوان السبعة» في الأدبيات الصينية، أكثر من ثلاثين قومية ومنها حوالى مليون نسمة يؤمنون بالإسلام، ويبلغ عدد المساجد في المقاطعة 820 مسجداً. وقد أتيحت لي زيارة الجامع الكبير الجديد ببلدة شاديان الذي تم تدشينه في عام 2010، وهو جامع هائل يتسع لأكثر من عشرة آلاف مصلٍّ ويعدّ تحفة معمارية غاية في الجمال والروعة. أما أهل الويغور المقيمون في المقاطعة، فيتجاوز عددهم خمسة آلاف نسمة، تمتاز الغالبية الساحقة منهم بالطيبة والكرم والبساطة والوداعة، شأنهم في ذلك شأن أهل الويغور في شينجيانغ وغيرها من المناطق الصينية.

كما أن لمقاطعة يونان، مكانة مهمة في نفوس المسلمين الصينيين، لأنها موطن للكثير من كبار المستعربين والباحثين المسلمين في الصين الحديثة، منهم المرحوم محمد مكين، الأستاذ في جامعة بكين الذي ترجم معاني القرآن الكريم إلى اللغة الصينية و «كتاب الحوار» لكونفوشيوس إلى اللغة العربية، ومنهم المرحوم عبدالرحمن ناتشونغ أستاذي في الجامعة، والذي حصل على جائزة الشارقة للثقافة العربية عام 2001 (تقاسم الجائزة مع الشاعر اليمني عبدالعزيز المقالح)، تقديراً لإنتاجه الغزير في دراسة التاريخ العربي والثقافة العربية.

الحقيقة هي أن المسلمين وأهل الويغور يحظون اليوم باحترام في المجتمع الصيني، ولا يعني ذلك طبعاً أن السياسة الصينية المتعلقة بالشؤون الإثنية والدينية خالية من المشاكل، فالتفاوت في مستوى النمو والدخل، والفساد الإداري، والإهمال للبعد الثقافي في برنامج التنمية، وافتقار الحكومة إلى المعالجة الدقيقة للمسائل الدينية، والنقصان في تعليم أبناء الويغور وتوظيفهم وغيرها من السلبيات موجودة فعلاً، وهي السلبيات التي تعمل الصين جاهدة للتغلب عليها في السنوات الأخيرة، خصوصاً بعد أحداث الشغب التي وقعت في شينجيانغ في الخامس من تموز (يوليو) عام 2009.

 

التطرف الديني هناك

لكن السؤال الذي يطرح نفسه علينا هو: ما سبب ازدياد ظاهرة الإرهاب المنسوب إلى أهل الويغور، داخل شينجيانغ وخارجها؟ وللتصدي لهذه الظاهرة لا بد من مواجهة الحقيقة بإدراك وجرأة. فإضافة إلى السلبيات المذكورة التي حالت دون بناء مجتمع متقدم ومتناغم في الإقليم، تشير الدراسات والتحقيقات التي قام بها الباحثون الصينيون، منهم باحثون من قومية الويغور، إلى ظاهرة خطيرة مقلقة، تكتوي بنارها بعض المناطق في هذا الإقليم، مثلما تكتوي بنارها أجزاء كبيرة من العالم العربي الإسلامي بل العالم كله، وهي ظاهرة التطرف الديني التي تزداد حدتها في السنوات الأخيرة. فقد شهد إقليم شينجيانغ، ذو الثقافة العريقة في حب أفانين الحياة، كالأزياء الزاهية والموسيقى الجميلة والرقصات المطربة والمقامات الآسرة… ظواهر غريبة في العقد الأخير لم يختبرها على مر التاريخ. ففي المناطق الشاسعة في جنوب الإقليم، أُجبرت النساء، بل الصبايا أيضاً، على ارتداء الجلباب الأسود والبرقع وترك العمل خارج المنزل، ودمّرت محال لبيع النبيذ والسجائر. وظهرت موجة عارمة في تشديد التفرقة بين الحرام والحلال، فالخضار والحبوب والمأكولات التي وردت من مقاطعات صينية أخرى هي كلها «حرام»، والمال الذي تكسبه المرأة بالعمل خارج المنزل هو «حرام»، والموسيقى والغناء والرقص في الزفاف، والبكاء في المأتم، بل حتى الأدوات الكهربائية التي توفرها الحكومة لمساعدة الفقراء، والمباني التي تبنيها بعد الزلزال لإيواء المنكوبين، هي كلها «حرام» أيضاً… أما المعارض لهذا التشدد، سواء كان من أهل الويغور أو غيرهم، فيعتبر كافراً يستحق عقوبة قد تصل إلى الإعدام! مثال ذلك أن اغتيل في آب (أغسطس) الماضي إمام ويغوري في منطقة طلوفان بسبب انتقاده ظاهرة التشدد الديني. ولم يعد قتل الإنسان جريمة في نظر البعض، لمجرد أنه «كافر» أو أنه جزء من قومية «ظالمة» أو رعية في نظام «قامع»! بل صار القتل جهاداً يدخل به المجاهد فسيح الجنات. وهذا الكلام بالذات ما اعترف به أمام عدسة الكاميرا أحد القتلة الذي تم ضبطه إثر حادث إرهابي وقع في الصيف الماضي في شينجيانغ.

ومن الواضح أن هذه الأفكار الجهادية الظلامية هي الأفكار نفسها التي يؤمن بها «القاعدة» وطالبان و «داعش» وغيرها من التنظيمات المتطرفة والإرهابية التي تنتشر في عالمنا اليوم كوباء العصر. لذا، فالبعد الخارجي قوي الحضور في تنامي نزعة التطرف والتشدد في إقليم شينجيانغ.

وقد تنبه الباحثون إلى ظاهرة خطيرة أخرى، هي أن بعض الشباب في جنوب الإقليم يعلقون على جدار بيوتهم صوراً لمجاهدين أفغان، خصوصاً صورة أسامة بن لادن، باعتبارهم أيقونات روحية لهم. ويقترن هذا التطرف بالجهل التام للعالم الخارجي عادة، ففي زيارتي الأخيرة شينجيانغ في السنة الماضية فوجئت بأن عاملاً شاباً تعرفت إليه في محل تجاري قال لي، بعد أن عرف أنني أستاذ جامعي للغة العربية، إن بلاد العرب في تصوره هي الجنة بعينها! وأما تركيا، فهي جنة الجنات، على حد قوله!

وفي الأخير، لا بد من الإشارة إلى أن ظاهرة التطرف والإرهاب لا تشكل تحدياً خطيراً لأمن الدولة الصينية وسلامة مواطنيها فحسب، بل تشكل تحدياً خطيراً للثقافة الويغورية العظيمة والباهرة التي ضربت بجذورها في عمق التاريخ، وتشويهاً بالغاً لدين الإسلام بكل ما يحمل من معاني المحبة والسلام والتسامح. فمن مصلحة العرب والصينيين أن يتعاونوا في تبادل الخبرات والمعلومات لمكافحة الإرهاب، العدو المشترك للعصر وللإنسانية.

الحياة اللندنية

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً