كيف أعاد بوتن أوروبا إلى أرض الواقع؟

shello
shello 2014/04/12
Updated 2014/04/12 at 10:04 صباحًا

put

‹›

برلين– ظل الغرب لفترة طويلة للغاية أسيراً لتصورات واهمة عن روسيا تحت زعامة فلاديمير بوتن -وهي الأوهام التي تحطمت الآن على صخرة شبه جزيرة القرم. وكان بوسع الغرب (بل كان لزاماً عليه) أن يدرك حقيقة الأمر بشكل أفضل من هذا: فمنذ ولايته الأولى في منصبه رئيساً لروسيا، كان هدف بوتن الاستراتيجي يتلخص في إعادة بناء مكانة روسيا كقوة عالمية.
تحقيقاً لهذه الغاية، استغل بوتن صادرات روسيا من الغاز لاستعادة الأراضي المفقودة منذ انهيار الاتحاد السوفييتي قبل جيل كامل. وكانت أوكرانيا في قلب استراتيجيته، لأن من غير الممكن تحقيق هدف إحياء روسيا من دون أوكرانيا. وعلى هذا، كانت شبه جزيرة القرم مجرد هدف أول؛ وسوف يكون التالي شرق أوكرانيا وزعزعة استقرار البلاد ككل بشكل مستمر.
أمام أعيننا، يُطاح الآن بالنظام الدولي الذي ساد بعد الاتحاد السوفياتي في أوروبا الشرقية ومنطقة القوقاز وآسيا الوسطى. والآن، أصبحت مفاهيم القرن التاسع عشر للنظام الدولي، والتي تستند إلى اعتبارات توازن القوى ذات المحصلة صفر ومجالات الاهتمام والمصلحة، أصبحت تهدد بإبطال المعايير الحديثة لتقرير المصير الوطني، وحرمة الحدود، وسيادة القانون، ومبادئ الديمقراطية الأساسية.
نتيجة لذلك، سيكون من شأن هذه الاضطرابات أن تخلف تأثيراً كبيراً على أوروبا وعلاقاتها مع روسيا، لأنها سوف تحدد ما إذا كان الأوروبيون يعيشون وفقاً لقواعد القرن الحادي والعشرين. وأولئك الذين يعتقدون أن الغرب قادر على التكيف مع السلوكيات الروسية، كما يقترح المدافعون عن بوتن في الغرب، إنما يجازفون بالمساهمة في المزيد من التصعيد الاستراتيجي، لأن انتهاج أي أسلوب ناعم في التعامل مع الأمر لن يفضي إلا إلى إكساب الكرملين مزيداً من الجرأة.
سواء اعترف زعماؤه بهذا أم لم يعترفوا، فإن الاتحاد الأوروبي أصبح الآن في مواجهة مباشرة مع روسيا بشأن سياستها التوسعية منذ نهاية الحرب الباردة. ويرجع هذا إلى أن عودة روسيا إلى الظهور كقوة عالمية لا تتطلب إعادة التفاوض على الأراضي السوفياتية المفقودة فحسب، بل وأيضاً الوصول المباشر إلى أوروبا والاضطلاع بدور مهيمن هناك، وخاصة في أوروبا الشرقية. وهذا يعني أن الصراع الاستراتيجي الأساسي أصبح الآن حقيقة مسلماً بها.
من منظور غربي، لا تشكل المواجهة المتعمدة خياراً منطقياً بسبب الجيرة بين الاتحاد الأوروبي وروسيا. واستشرافاً للمستقبل، فإن روسيا سوف تحتاج إلى الاتحاد الأوروبي أكثر من احتياج الاتحاد الأوروبي إليها. ففي أقصى شرقها وفي آسيا الوسطى تنشأ الصين كمنافس ذي أبعاد مختلفة تماماً. وعلاوة على ذلك، يشير الانحدار الديموغرافي السريع في روسيا والعجز الهائل في التحديث ضمناً إلى الحاجة إلى صناعة مستقبل مشترك مع أوروبا. لكن اغتنام هذه الفرصة لن يكون وارداً إلا على أساس من سيادة القانون وليس القوة، ولا بد أن يسترشد هذا بمبادئ الديمقراطية وتقرير المصير الوطني وليس سياسة القوى العظمى.
لكن بوتن أشعل بدلاً من هذا فتيل أزمة دائمة. وسوف يستجيب الغرب بسياسة احتواء جديدة تتخذ في الأساس هيئة التدابير الاقتصادية والدبلوماسية. وسوف تقلل أوروبا من اعتمادها على الطاقة القادمة من روسيا، وتعيد النظر في انحيازاتها الاستراتيجية وأولوياتها، وتقلص الاستثمار والتعاون الثنائي.
في الأمد القريب، يبدو وكأن بوتن يملك قدراً أعظم من السطوة والفاعلية، ولكن ضعف موقفه سوف يتجلى بوضوح قريباً. ذلك أن روسيا تعتمد اعتماداً كاملاً على المستويين الاقتصادي والسياسي على صادراتها من السلع الأساسية والطاقة، والتي تذهب إلى أوروبا في المقام الأول. ومن المرجح أن يؤدي انخفاض الطلب الأوروبي وأسعار النفط التي لم تعد كافية لدعم ميزانية روسيا إلى تقييد الكرملين وتعويقه بسرعة بالغة.
هناك سبب يدفعنا إلى الاعتقاد بأن بوتن بالَغ في تقدير قوته. لم يكن انهيار الاتحاد السوفياتي في بداية تسعينيات القرن العشرين بفعل تصرفات الغرب، وإنما بفعل موجة من المحاولات الانفصالية، مع اغتنام القوميين والأقليات الفرصة للتحرر بعد أن رأوا الضعف الذي اعترى دولة الحزب. واليوم لم تعد روسيا القوة الاقتصادية أو السياسية القادرة على استعادة ودمج الأراضي السوفييتية المفقودة. وسيكون من شأن أي محاولة يقوم بها بوتن للمضي قدماً في خطته هذه أن تجلب على الشعب الروسي الفقر وتؤدي إلى المزيد من التفكك -وهو احتمال كئيب للغاية.
لدى الأوروبيين ما يدعوهم إلى القلق والانزعاج. الآن بات لزاماً عليهم أن يواجهوا حقيقة مفادها أن الاتحاد الأوروبي ليس مجرد سوق مشتركة -أو مجرد تجمع اقتصادي- وإنما هو لاعب عالمي ووحدة سياسية متماسكة تقوم على قيم ومصالح أمنية مشتركة. ومن هنا، عادت مصالح أوروبا الاستراتيجية والمعيارية إلى الظهور بقوة؛ والواقع أن بوتن تمكن بمفرده تقريباً من تجديد نشاط منظمة حلف شمال الأطلسي بشعور جديد بوحدة الهدف.
يتعين على الاتحاد الأوروبي إدراك أنه لا يعمل في فراغ في جواره الشرقي والجنوبي، وأن تحقيق مصالحه الأمنية يستلزم عدم تجاهل المصالح المتضاربة لقوى أخرى، أو تقبلها ببساطة. إن سياسة توسع الاتحاد الأوروبي ليست مجرد مصدر إزعاج مكلف يمكن الاستغناء عنه؛ إنها مكون بالغ الأهمية في أمن الاتحاد الأوروبي وإبراز القوة إلى الخارج. ومن المؤكد أن السلامة لا تأتي بلا ثمن.
لعلنا نرى الآن إعادة تقييم تجري في المملكة المتحدة لتكاليف الخروج من الاتحاد الأوروبي. وربما تدرك القارة أن الوحدة الأوروبية لا بد أن تتحرك إلى الأمام بسرعة أكبر، لأنه تبين أن العالم -والجوار الأوروبي بشكل خاص- لا ينعم بالسلام بالقدر الذي تخيله كثيرون، وفي المقام الأول الألمان.
الواقع أن مشروع السلام الأوروبي -وهو الدافع الأساسي وراء التكامل الأوروبي- ربما يكون قد حقق نجاحاً أعظم مما ينبغي؛ فبعد أكثر من ستة عقود من النجاح، أصبح يُعَد الآن عتيقاً إلى حد يبعث على اليأس. وبأفعاله، أعاد بوتن أوروبا إلى أرض الواقع. والآن، عادت مسألة السلام في أوروبا إلى الظهور على السطح، ولا بد أن يجيب عنها اتحاد أوروبي قوي وموحد.

الغد الأردنية

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً