كيف أهدرت تركيا فرصة قيادة الشرق الأوسط؟

shello
shello 2013/10/10
Updated 2013/10/10 at 12:03 مساءً

212692

ماذا حدث للفكرة القائلة بأن تركيا ستكون القوة التالية في الشرق الأوسط، حيث عمل اقتصادها الصاعد وديمقراطيتها المستقرة في ظل حكومة إسلامية معتدلة قد تكون الأنموذج للدول العربية، على إنهاء عقود من حكم الدولة البوليسية في العام 2011؟ لقد بدت تركيا وأنها تتمتع بموقف كامل العناصر لقيادة الطريق في الإقليم، حيث لا أعداء ألداء في المنطقة، وحيث تتمتع الدولة بعلاقات جيدة مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. ولم تبد الخطوط العامة البسيطة التي تقارن تركيا الحديثة بالإمبراطورية العثمانية في الأيام التي سبقت تحولها إلى قوة كبيرة في القرن السادس عشر وأنها مبالغ فيها.
ولكن، بعد عامين، لم تمر معظم هذه الأشياء الجيدة إلى تركيا، وقد أصبحت تفتقر إلى الأصدقاء في الشرق الأوسط. واستطاعت بالتزامن خلق عداوات مع القوى الشيعية الأربع التي تقع إلى الجنوب وإلى الشرق منها: إيران، والعراق وسورية وحزب الله في لبنان -بالإضافة إلى الملكيات السنية في الخليج باستثناء قطر. وفي الأثناء، يجري اختطاف طيارين أتراكاً في بيروت، ويتم اعتقال سواقي شاحنات من الأتراك في مصر. وقد أغضب الدعم التركي لرئيس مصر السابق، محمد مرسي والإخوان المسلمين النظام العسكري الذي تدخل لوقف عرض مسلسلات الدراما التركية في محطات التلفزة المصرية.
أما الأكثر خطورة من كل شيء، فهو أن تورط تركيا في دعم ما قد يتكشف عن أنه الجانب الخاسر في الحرب الأهلية السورية لن ينتج شيئاً سوى الكارثة. ولم يكن من الضروري أن تسير الأمور على هذا النحو: فعند بداية الانتفاضة السورية كانت أنقرة تتمتع بموقف جيد للعب دور معتدل في الأزمة، نظراً لأنها كانت تحتفظ بعلاقات جيدة مع الرئيس بشار الأسد، مع إمكانية الضغط على المتمردين المعتمدين على استمرار فتح الحدود التركية مع سورية. لكن رئيس الوزراء التركي، رجب طيب أردوغان، تمادى في زج يده، وافترض أن الأسد سيسقط بنفس السرعة التي سقط بها معمر القذافي في ليبيا، فمنح دعماً كاملاً للثوار. وقد ارتكبت العديد من الحكومات الأخرى نفس الخطأ، لكن تداعيات فشل المتمردين في إحراز نصر حاسم كان أكثر خطورة على تركيا بشكل خاص. ومهما ظنت تركيا أنها تفعل في سورية، فإنها لم تنجح مع المقاتلين الجهاديين وغير الجهاديين على حد سواء، والذين أصبحوا يخشون بعضهم بعضاً هذه الأيام بقدر خشيتهم من حكومة الأسد. وبذلك أصبحت المسألة لا تتعلق بذهاب الأسد كقائد لسورية بقدر ما تتعلق بالاستدامة الطويلة الأمد للثوار بحيث لا يكونون أكثر من أمراء حرب.
الآن، تقف قدرة وصبر إردوغان وحزب الحرية والعدالة على تولي زمام الأمور في تركيا بشكل تدريجي على مدار الأعوام الاثني عشر الماضية في تناقض صارخ مع فجاجة سياستهما في سورية والعراق. وربما يكون أفضل تفسير لذلك هو الثقة المفرطة بالنفس، والتي نجمت عن الانتصارات الانتخابية التي حققها إردوغان في الأعوام 2002 و2007 و2011، عندما تغلب على سلطة الجيش التركي الذي كان الخصم الأبرز للحكومات التركية الإسلامية السابقة المنتخبة ديمقراطياً. لكن، وفيما وراء الحدود التركية، هجرته فطرته السياسية الواثقة بحيث أصبح سيد الحسابات الخاطئة، الذي أقحم تركيا في الحرب الأهلية الضارية الوحشية في سورية، وحرب أهلية وشيكة أخرى في العراق. وكان الساسة العراقيون يشعرون بالحيرة والاستهجان من تدخل تركيا المتخبط.
كان بإمكان تركيا لعب دور بناء يمكن أن يعزز نفوذها كثيراً وينقذ الكثير من الأرواح لو أنها اتخذت موقفاً أكثر حيادية، والذي يمكنها من التوسط بين مختلف الأطراف. لكنها فعلت العكس بالضبط، فانضمت إلى ائتلاف من القوى السنية كان فيه الأعضاء الآخرون في الخليج العربي وغيره طائفيين إلى حد كبير، لتضمن بذلك تحييد القوى الشيعية. وحتى في داخل هذا الائتلاف السني نفسه، تم عزل تركيا بسبب دعمها للإخوان المسلمين في مصر، وهي تدفع ثمناً باهظاً لذلك. فقد قطعت الطرق التجارية عبر العراق وسورية، فيما تردد أن الإمارات العربية المتحدة بصدد إلغاء استثمار بقيمة 12.5 بليون دولار في استخراج الفحم، والذي كان من شأنه توفير 4000 وظيفة في تركيا. ويشعر المستثمرون في دبي والكويت بالتوجس من الانخراط أعمق في تركيا.
في هذه الأوقات، يمتد سم الكراهية الطائفية في سورية بوتيرة بطيئة ليطال داخل تركيا، حيث يتعاطف ما يتراوح بين 15 إلى 25 مليون تركي علوي مع نظرائهم العلويين في سورية.
من الممكن أن تبدو إدانات إردوغان للحكومة التي يهيمن عليها العلويون في دمشق وأن لها تداعيات على العلويين الأتراك، الذين لطالما اشتكوا من التمييز ضدهم من جانب دولة سنية تنكر عليهم الحقوق الدينية المنفصلة. وما يزال أمام هذا الشعور بالتمييز طريق طويلة ليقطعها قبل أن يصبح شبيها بالطائفية الملطخة بالدماء في العراق وسورية، لكن احتمال حدوث انفجار يبدو آخذاً في النمو، ومتى ما وقع العنف، فإنه سيكون من الصعب وقفه لأن الحرب الأهلية السورية تعطي للخلافات السياسية العميقة الأخرى في تركيا شعوراً أكبر بالأزمة.
مهما يحدث، فإن لحظة تركيا في الشرق الأوسط تبدو وأنها تعبر بسرعة غريبة، وربما تشكل واحدة من الفرص الكبرى المهدورة في تاريخ الإقليم. وقد أصبح الخطاب العثماني الجديد الآن ضرباً من الوهم، بعيداً عن نسيان عدم الشعبية الذي يتمتع به حكم الإمبراطورية العثمانية القديمة لدى رعاياها. ومن الممكن أن تسوء الأمور أكثر. فالعلاقات مع إيران تظهر بوادر خفيفة على التحسن، لكنها في حال تدهورت مرة أخرى، فسيكون لدى إيران حافز قوي لتقويض أي تفاهم بين الحكومة التركية وبين الأكراد الأتراك. وسيكشف إردوغان هذه الأيام عن ماهية التنازلات التي يرغب في تقديمها للعلويين والأكراد، والتي لن تكون بنفس القدر الذي يريدونه، لكنها قد تكون كافية ليشعروا بأنهم يحرزون تقدماً في الحصول على حقوق مدنية كاملة.
يذكرني تخبط اردوغان في المستنقع الطائفي السياسي الذي يمتد بين إيران والبحر الأبيض المتوسط بالمغامرات الفاشلة التي خاضها توني بلير في الشرق الأوسط. وكان بلير، مثله مثل أردوغان، سياسياً جيداً في الوطن، حيث يتمتع بغرائز سياسية أكيدة. كما أنه كسب، مرة أخرى مثل رئيس الوزراء التركي، ثلاثة انتخابات على التوالي. وكان معتاداً أيضاً على التعامل مع قادة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. لكنه عندما تعلق الأمر بالعراق ولبنان، تخلى عنه حسن تقديره، وضللته ثقته المفرطة في النفس.
تظهر الصورة التي يعرضها بلير في سيرته الذاتية للعراق بعد الغزو وفيما يبعث على الاندهاش فهماً قليلاً لما كان يحدث. وتظهر فيها القاعدة وإيران وكأنهما نجما من العدم، مثل الغرباء من كوكب مجاور، كوكلاء للفوضى والتمزيق. وبالمثل، يبدو إردوغان مرتبكا ومحتاراً حول السبب الذي جعل مغامرته في الشرق الأوسط تسير بهذا الشكل بالغ السوء.

باتريك كوبيرن

(كاونتربنتش) ترجمة: عبد الرحمن الحسيني- الغد الاردنية
*
مؤلف كتاب “مقتدى: مقتدى الصدر والانبعاث الشيعي والنضال من أجل العراق.”
*
نشر هذا المقال تحت عنوان:

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً