كيف تغيرت تركيا؟

shello
shello 2014/04/28
Updated 2014/04/28 at 9:44 صباحًا

nb95aw29


نقف الآن على بعد قرن تقريباً منذ إعادة ولادة تركيا كدولة حديثة علمانية. لكن هذه الدولة لا تبدو وأنها تشبه كثيراً ما كان قد تصورها عليه إصلاحيوها في القرن العشرين.
ذلك يعود إلى أن رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان وحكومته -بقيادة حزب العدالة والتنمية- يواجهون سلسلة من مشاكل الاستقطاب وزعزعة الاستقرار. وتتفاوت هذه المشاكل بين الاقتصاد المتراجع، وبين نزاع ضارب الجذور بين أردوغان ومعارضيه، والذي يعود في الجزء الضخم منه إلى أسلوب أردوغان الاستبدادي بازدياد في الحكم. ويهدد كل ذلك بإفشال الدور الذي أمل الكثيرون أن تضطلع به تركيا كأنموذج للأنظمة الإسلامية التي تكافح في أمكنة أخرى. وفيما يستمر أردوغان في إحكام قبضته على السلطة -وهو ما سيتم بالتأكيد تقريباً- فإن من الممكن أن تفقد تركيا حظها في أن تكون الجسر الكبير الذي يصل بين الشرق والغرب.
لكن الأمور لم يكن ينبغي أن تهبط إلى هذا الدرك. فمنذ بدايات تركيا في العام 1923، وفي جزء كبير من القرن العشرين، بدت وأنها دولة تتجه نحو الحداثة. واليوم، مع ذلك، نشاهد هذه الدولة وهي تنزلق في ثلاثة محاور. فقد أصبحت أنقرة تختلف اليوم كثيراً جداً عن الحكومة التي أدارتها ذات مرة واحدة من أكثر الشخصيات الكاريزمية الإصلاحية والثورية في القرن الماضي، مصطفى كمال أتاتورك. وتعج تركيا اليوم بالهيجان السياسي والاحتجاجات المعادية للحكومة، وثمة احتمال بزعزعة الاستقرار في قادم الأيام، فيما يعود بازدياد إلى حزب أردوغان الحاكم المحافظ، حزب العدالة والتنمية -الحزب ذي الجذور الإسلامية.
المقلق والمثير للاهتمام حول ما يجري في تركيا ليس أن إيديولوجية الحزب الحاكم تسير تماماً في عكس اتجاه الإيديولوجية التي أعادت بعثها كدولة حديثة. وقد يأتي الخطر الأكبر من مقاربة أردوغان “60 عاما” التقسيمية بوتيرة متزايدة والسياسات المعادية للديمقراطية المتضمنة لواجبات ثقيلة بدأ بوضعها قيد التنفيذ -كمزيج يمكن أن يضع مكانة إرث أتاتورك في حد ذاته في خطر.
نشأة حزب العدالة والتنمية
مع ذلك، لن يستفيد أحد من مجرد نعي تقصيرات الزعيم، ومن الحاسم أن نفهم السبب في ارتقاء هؤلاء القادة إلى سدة السلطة في المقام الأول.
بالنسبة لأردوغان، ثمة عوامل قليلة رئيسية تدفعه للبروز وتحقيق سلسلة من النجاحات الانتخابية التي ما يزال يحرزها منذ العام 2002.
1. إعادة انبعاث الإسلام: لعل مما يثير الاهتمام أن أتاتورك لم يكن مجرد علماني بالاسم، وإنما كان علمانياً بالفعل: فقد أنهى دور الإسلام كدين للدولة، وحظر تعليم الدين الإسلامي في المدارس. ولاحقاً حظر العسكريون -الذين رأوا في أنفسهم حرساً لإرث أتاتورك- نشاط الأحزاب الإسلامية مثل الحزب الذي يتزعمه أردوغان راهناً. ولكن، ومع مرور العقود، هاجرت هذه الأحزاب تدريجياً إلى أرضية وسط، وكسبت شعبية مع الوقت وأعربت عن الاحترام لإصرار الجيش على أن لا يحدد الدين السياسات الرئيسية للحكومة. وكان هذا القرار قرراً براغماتياً من الناحية الأساسية من جانب الأحزاب التي أدركت بأن السلطة ستبقى بعيدة المنال عنها إلى الأبد إذا هي لم تسع إلى نوع من الأرضية الوسط. وما يزال أردوغان يبدي حذراً من جهة عدم دفع الأمور بعيداً جداً فيما يتعلق بالقضية الإسلامية. لكنه حظي بقبول المحافظين الأتراك من خلال إزالة بعض القيود القريبة من الوطن على الممارسة والتعليم الإسلاميين. وهو يسمح مثلاً للنساء بارتداء غطاء الرأس في المدرسة. (ما يثير الاهتمام أن هذه الممارسة ليست ملحوظة في الولايات المتحدة، لكنها كانت ثورية في تركيا).
2. النقود تتحدث: قدم أردوغان الازدهار -وهو أمر من الصعب مفاوضته. وتعتبر إحصاءاته حتى فترة قريبة مؤثرة: معدل النمو السنوي حوالي 7 في المائة؛ وارتفع معدل الدخول السنوية من 2800 دولار في العام 2001 إلى حوالي 10000 دولار في العام 2011، (العام الذي حقق فيه أكبر فوز انتخابي).
3. تحجيم الجيش: استطاع أردوغان تقليص قوة عسكريي أتاتورك، ملغياً دورهم في المؤسسات القومية -قام فعلياً بسجن عدد كبير من الجنرالات والأدميرالات.
التحديات الماثلة أمام أردوغان
بالنسبة للعقد الماضي، بدت تركيا كبلد إسلامي وأنها أنجزت توازناً كان مطلوباً بين القوى الدينية والعلمانية، وقوت الحكم المدني المستند للديمقراطية.
لكن شيئا ما ذهب في الاتجاه الخطأ. فثمة فضائح فساد -زادها صب وقود التسريبات بأن أردوغان يلوم معارضيه. وربما هناك فوق كل شيء أسلوب أردوغان الذي يصبح أوتوقراطياً بازدياد. فقد أعاد تعيين مسؤولين في الشرطة وفي الأمن، ومرر قانوناً يحد من الاستقلال القضائي، وشن حملة على الإعلام، وشدد من التحكم في الانترنت -حيث حظر وسيلتي التواصل الاجتماعي “تويتر” و”يوتيوب” خلال الانتخابات المحلية في الشهر الماضي على سبيل المثال.
رغم أن حزب أردوغان يستمر في الحلول في المقدمة -متقدماً على أقرب متحديه في الانتخابات المحلية بواقع 18 نقطة (46 في المائة في مقابل 28 في المائة)- فإنه بدأ في استقطاب السياسة التركية إلى معسكرات متعادية. وفي الحقيقة، يأتي الذين يتحدون أردوغان في أشكال عديدة، والتي كثيراً ما تكون غريبة. وعلى سبيل المثال، قد يبدو غريباً بالنسبة للغرباء أن فتح الله غولن، رجل الدين السني التركي الذي يعيش في المنفى الاختياري في بنسلفانيا، يبقى قادراً على أن يتسبب لأردوغان بالكثير من المتاعب. لكنه استطاع أن يجمع تنظيماً موسعاً مكرساً للتأثير على السياسة والتعليم. واستطاع أتباعه، الغولنيون، أن يشقوا طريقهم إلى داخل المراكز النافذة في الشرطة والقضاء، ويسود اعتقاد بأنهم يقفون وراء التسريبات التي تشوه سمعة أردوغان.
ثم هناك، مع تنحية السياسات والإيديولوجية جانباً، تلك الحقيقة البسيطة التي تشير إلى أن الاقتصاد التركي شرع في التعثر بعد عقد من الانتعاش. ويبدو النمو وأنه يتراجع باتجاه معدل 3 في المائة، فيما تبدو البطالة وأنها على استعداد لأن تقفز إلى أعلى. وقد خسرت سوق البورصة 30 في المائة من قيمتها خلال النصف الثاني من العام الماضي، كما هبطت قيمة الليرة التركية بواقع 16 في المائة في مقابل الدولار مؤخراً. وقد دفع كل هذا صندوق النقد الدولي إلى وصف الخيارات الاقتصادية التركية بأنها “غير مستدامة”.
لكل ذلك، يبدو المستقبل الواعد الذي بدا أن حكم أردوغان سيحققه في السابق وأنه قد أصبح الآن مظللاً بالغمام. ولا يبدي رئيس الوزراء ارتياحاً لهذه الفكرة. وعلى سبيل المثال: تعهد أردوغان في الشهر الماضي بأن يجعل الغولنيين “يدفعون” (ثمن) معارضتهم، وألمح إلى اعتقالات وتسريحات جماعية من الخدمة. وإذا رأى العالم الخارجي أنه يكافح على هذا النحو، فإن كل شيء، من الاستثمار الخارجي إلى الثقة في الأعمال، سيذهب نحو الجنوب -بينما يعيق التطور الديمقراطي لتركيا أيضاً.
سوف يتجلى الوجه الحقيقي للوضع في أول انتخابات رئاسية مباشرة في تركيا، والتي ستجرى في آب (أغسطس). وذكر أن أردوغان يدرس ما إذا كان سيخوض السباق الرئاسي أو أنه سيعدل قوانين حزبه التي تمنع رئيس الوزراء من تولي ولاية رابعة. وسيرى العديد من الأتراك كلا المسارين على أنهما قبض على السلطة، خاصة إذا نجح أردوغان بتمرير خطة تستهدف تعزيز الرئاسة بصلاحيات احتفالية.
وفق كل الاحتمالات، سيحتفظ اردوغان بالسلطة. لكن ما لم يغير وجهة اتجاهاته الأوتوقراطية، فإنه قد يبدد فرصة تركيا في إرشاد مجتمعات إسلامية أخرى إلى الطريق لدخول القرن الحادي والعشرين. وكان أردوغان قد صور نفسه في العام 2011 على أنه يسعى إلى تحقيق التوازن بين الدين وبين الحكم الحديث الفعال -ومساعدة الآخرين في إيجاد هذا التوازن أيضاً. وإذا تخلى عن ذلك المسار، فإن علينا أن نسأل: لماذا فعل أتاتورك كل ما فعل إذن؟

الغد الأردنية

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً