كيف نكسب الشعب الأميركي؟

shello
shello 2014/02/13
Updated 2014/02/13 at 10:30 صباحًا

140212062117132

لأعوام طوال كال صاحب هذه السطور الاتهامات للأميركيين، وجل القصد كان ولا يزال الإدارات الأميركية المتعاقبة، غير أنه في الذكرى الثالثة للربيع العربي يجد المرء نفسه أمام إعادة قراءة لحدود العلاقة بين العرب ودولهم والأميركيين وإمبراطوريتهم، حتي وإن كانت منفلتة، كما قال المؤرخ بول كيندي ذات مرة.

والشاهد أن الدافع لعملية النقد الذاتي تجاه الموقف من الدور الأميركي برمته مرجعه الحقائق التي تتكشف رويداً رويداً عن الدور الأميركي في منزلقات ومعارج الأزمات العربية المتتالية، الأمر الذي جعل الأميركيين عموماً تجسيداً حياً لـ «سر الإثم» الذي يعمل في الأمم والشعوب، وإلى الدرجة التي علت فيها بعض الأصوات إلى اعتبار كل أميركي مشروع عدو يجب الخلاص منه في الحال، وهو حديث تبسيطي ممجوج ومرفوض، وإن كانت الإدارات المتعاقبة لا سيما إدارتي بوش الابن وباراك أوباما مسؤولة بالقطع في شكل كبير عن ارتدادات أفعال الثورات التكفيرية العربية، وعلى غير المصدق الرجوع إلى البيان الصادر في 18 تشرين الثاني (نوفمبر) 2008، عن وزارة الخارجية الأميركية في شأن قيام شركات «فايسبوك» و «يوتيوب»، و «غوغل» و «أم تي في»، و «هاوكاست»، بالإضافة إلى كلية كولومبيا للحقوق، بالدعوة إلى اجتماع شباب من حول العالم لتكوين شبكات بشرية تتعاطى الوسائل الرقمية وتسخرها لتعزيز الحرية والعدالة ومكافحة العنف والتطرف والاضطهاد في شتى أنحاء العالم بحسب المنطوق الأميركي، وكانت تلك الحلقات الشبابية وقود الثورات العربية، ونفذوا بالفعل مخططات جين شارب (نبي اللاعنف الأميركي).

من هذا المنطلق وغيره الكثير بدا وكأن الأميركيين جميعاً مسؤولون بدرجة أو بأخرى عن الحالة اللايقينية الآنية عربياً، حيث تحرك الماء الراكد، لكن مياهاً جديدة لم تجر بعد في الجداول والقنوات العربية، وبات من المتوجب أن تدفع أجيال بعينها أكلافاً عالية الثمن، حتى تستقر الأوضاع وتتبدل الطباع.

في هذا السياق يتساءل المتسائلون هل ما جرى يستوجب قطيعة مع الأميركيين أم إظهار روح العداوة لهم، فيما يذهب فريق ثالث إلى أن الأمر يحتم البحث عن حلفاء آخرين، والاستغناء عن الصداقة الأميركية مرة وإلى الأبد، وهي كلها في واقع الحال أسئلة صادرة عن رأس ساخن، لفحته حرارة الربيع العربي، على غير المتوقع، فبات غير قادر على التفكير بتؤدة وعقلانية، وعليه أن ينتظر حتى يبرد كي يرى الأمور بمعيار صاف رقراق لا تشوبه شائبة ولا تعكر صفوه الانفعالات.

في هذا السياق ربما يتوجب علينا التفكير عند حدود مستويي الإدارات والحكومات الأميركية بأذرعها السرية والعلنية، ما فوق الأرض وما تحتها، وبين الشعب الأميركي، مع الأخذ في الاعتبار أن الحكومات متغيرة والشعوب باقية، وأن الصداقات والتفاهمات مع الشعوب هي الأكثر أهمية وعليها يعول صناع القرار وقراء الأفكار الثقات.

والثابت أن الشعب الأميركي يتخبط في مجموعة من النوازع المتوالدة ـ على رغم تناقضها ـ مثل النرجسية الاجتماعية، المصحوبة بمشاعر الخوف والخجل والعدوانية، ومثل الشعور المرضي بالتفوق الذي جسّده عدد من رؤساء أميركا وفي مقدمهم رونالد ريغان باعتبار أميركا «مدينة فوق جبل» وهو شعور مصحوب بأحاسيس غالبة من عدم الأمان والخوف. ومثل الميل الدائم للبحث عن عدو خارجي، يجسد الشر الذي لا تجده إلا في الآخر.

هذا التحليل تمنيت لو كان من عندياتي، فيما هو للمحلل النفسي الأميركي ستيفن سولدز، مؤسس جمعية «محللون نفسيون من أجل السلام والعدالة»، في المؤتمر الذي عقد في كمبردج في شهر شباط (فبراير) 2004. هل لهذا يسهل التلاعب بالمقدرات الفكرية والعقلية للأميركيين، ويمكن توجيههم ذات اليمين وذات اليسار وكيفما يتراءى للناظر من المكتب البيضاوي؟

إذا كان الأمر كذلك، فالشعب الأميركي «ضحية» أكثر منه «جلاد»، وعليه فإن كراهية الإدارات الأميركية، جمهورية كانت أو ديموقراطية، هي أمر لا يبرر كراهية أو رفض الشعب الأميركي بالإطلاق. هل ظاهرة كراهية أميركا عربية إسلامية بامتياز أم تجدها عند شعوب العالم قاطبة باستثناء إسرائيل وميكرونيزيا؟

حكماً إن شيئاً ما خطأ في البنية الفكرية الأميركية، ويحتاج إلى مؤلفات بعينها لإماطة اللثام عنه، غير أن أوسكار وايلد، الكاتب الشهير ربما عبر عن جوهر الأزمة الأميركية في مقولته ذائعة الصيت: «أميركا هي الدولة الوحيدة التي مرت من مرحلة البربرية إلى مرحلة التحلل والانحطاط من دون حضارة بينهما». هل غياب الحضارة هو السبب في كراهية العالم لأميركا، أم بسبب ديموقراطيتها الانتقائية، الصديقة للديكتاتوريين، والمنزلة الديموقراطيين الحقيقيين من على كراسي الحكم؟

البعض يكره أميركا بسبب وقوفها إلى جانب إسرائيل الظالمة دوماً، والجائرة على حقوق الشعب الفلسطيني، وفي أوروبا كراهية دفينة للأميركيين المغرورين من رعاة البقر، وفي أميركا اللاتينية يصرون على أن واشنطن مسؤولة عن الفساد السياسي الشائع جداً في البلاد، وفي شرق آسيا يتذكرها اليابانيون على أنها الدولة الوحيدة التي استعملت أسلحة الدمار الشامل ضد البشر، والصينيون يعانون الغطرسة الأميركية، ويراقبون إستراتيجيتها الجديدة «الاستدارة نحو آسيا» بكل الشكوك والهواجس. لكن ذلك لا يعني الكراهية المجانية للشعب الأميركي، فلا يزال هناك متسع من وقت وملايين بل عشرات الملايين من الأميركيين من أصحاب النيات الطيبة، ولا تزال ربوع أميركا مليئة بالعقلاء الذين يقاومون على رغم ضعف أدواتهم، السياسات الرجعية المخربة للعلاقات الأميركية مع دول العالم. وربما بات السؤال عربياً في هذه الآونة: كيف يمكن التواصل مع هؤلاء، وأي خطاب إعلامي وديني وسياسي، ثقافي واجتماعي، اقتصادي وحياتي لنا أن نتكلمه حتى نجد آذاناً صاغية؟

قطعاً أن وسيلة التواصل باتت يسيرة، وربما كان هذا هو الذكاء في التعاطي بالآليات نفسها، أي وسائط الاتصال الاجتماعي، فعن طريقها يسهل توصيل رسائل لا مداراة فيها.

عبر ودروس التاريخ تقدم لنا في واقع الحال العديد من الدروس المجانية.

في هذا الإطار، خذ على سبيل المثال، النظرة الأوروبية لصلاح الدين الأيوبي في أوروبا، إذ تجدهم يجلون الرجل ويحترمونه، وهذا ما أشار إليه المستشرق اليهودي الفرنسي ماكسيم رودنسون في كتابه «جاذبية الإسلام»… لماذا؟

لأنه على رغم انتصاراته العسكرية، عامل الأسرى الأوروبيين بشهامة وكرامة، وسمح لهم بالخروج إلى مأمنهم وبأخذ أموالهم معهم، ثم ضمن الأمان والسلم لمن قرر منهم العيش بين المسلمين في فلسطين والشام.

هل لنا كعرب ومسلمين أن نقدم مثالاً من أجل العدالة والحرية للبشر جميعاً، خطاباً إنسانياً يهدف مناشدة الأميركيين المساعدة في رفع الظلم والغبن التاريخي، الواقع على الإنسان الفلسطيني، من دون أن يحتوي على لغة الانتقام من اليهود ومن دون حقد على الظالمين؟

تستوقفنا في هذا السياق مقاربة تلقائية بين نموذج مارتن لوثر كينغ الذي لم يستطع الأميركيون مقاومة خطابه الإنساني، حتى وإن دفع حياته ثمناً، وكان تحرر السود على يديه نتاجاً طبيعياً لهزَّة أخلاقية مسَّت شغاف قلوب الأميركيين، وبين الداعية الأميركي مالكوم إكس الذي صاغ خطاباً إقصائياً ، فرق فيه بين البيض والسود عوضاً عن أن يجمع، وجرح فيه المجتمع الأميركي عوضاً عن أن يشرح مساوئه، ورفض العون من البيض الشرفاء الذين يرفضون التمييز العنصري ضد السود، فانتهى وانتهت معه دعوته إلى الأبد من دون أن تحقق شيئاً.

ربما يمكننا أن نوجه للولايات المتحدة اتهامات صحيحة عدة في المجال العام، لكن هناك نماذج بعينها في النظام الأميركي تعد نقاط قوة لا ضعف، وأهمها حرية حركة النقد الذاتي والقدرة على تلافي وتصحيح الأخطاء التي ترتكبها الإدارات المتعاقبة.

خذ على سبيل المثال ما جرى في نهايات عهد جورج بوش الابن، ففي ذلك الوقت أبدت قيادات التيار الأصولي في جماعة المحافظين الجدد، الذي كان مسيطراً على الإدارة وقتها قلقاً شديداً من التراجع الحاد لشعبية بوش على رغم كل محاولات التضليل والكذب والتلفيق التي مارستها وسائل إعلام النظام، وزاد قلقهم عندما أشار الخبراء إلى أن سر هذا التراجع كان مرده الآراء الحرة المتداولة عبر وسائط الميديا الاجتماعية المختلفة.

لقد كانت قيادات بوش تقلل دائماً من احتمال وجود أثر للشباب الأميركي المتمرد المتحلق حول شاشات التلفزة، لكن الخبراء اكتشفوا أن ذلك القطاع بعكس جمهور أعلام فوكس وهوليوود يضم فئة من العارفين المثقفين الواعين سياسياً، دائمي الكشف عن المؤامرة الكبرى التي كانت تخطط لها قيادات إدارة بوش.

هل اليوم شبيه بالأمس؟ التاريخ لا يكرر ذاته لكن أحداثه تتشابه، فها هي مؤسسات عدة شعبية ورسمية في أميركا تتساءل عن ذاك الذي اقترفته أيادي إدارة أوباما في عدد من البلدان العربية وفي المقدم فيها مصر، وفي مواجهة العنت الأوبامي، تجاه إرادة المصريين تقف مؤسسات كالبنتاغون، وأفراد متنفذين مثل ستيفن هادلي، ووسائط إعلام غير منحازة، ترى أن هناك خطأ ما في السياسات الأميركية تجاه مصر وأنه لا بد من حتمية تغيير المسار.

عندما يكتب السير هيو ستراشان أحد مستشاري رئيس القوات المسلحة البريطانية يقول: «إن أوباما لا يملك أدنى فكرة عما يريد القيام به في العالم»، ولا نعلم أو نحسن مشخاطبة الأميركيين بلسان رجال بهذه الأوزان العولمية، فإن الخطأ يضحي خاصتنا لا خاصة الأميركيين.

لا مصلحة لنا البتة في خلق خصومة أو نشوء أو ارتقاء حالة من العداء بين الشعب الأميركي وشعوبنا العربية، وهي حالة يستفيد منها أعداؤنا في شكل فاعل، مصلحتنا الحقيقية في أن نحدث الأميركيين كيف يعودوا «مدينة فوق جبل» تنير للعالم أمناً وأماناً وديموقراطية وعدالة وسلاماً، ثم كيف لهم تغيير قيادات غير حكيمة أضرت أكثر ما أفادت داخل بلدها وخارجها. عبر الخطاب الناجح يمكننا تغيير أميركا وحدود العلاقة معها لا تدميرها، وفي شكل جديد من أشكال العلاقة يمكننا أن نكسب الشعب الأميركي لا أن نغلبه، وهي المعادلة الصعبة والسهل الممتنع، الأمر الذي لا يفهمه إلا الراسخون في العلم. أما أصحاب الرايات الفاقعة والأصوات الزاعقة فهم عبء على العرب في طريق العلاقة المتجددة مع أميركا والأميركيين.

 الحياة اللندنية- إميل أمين

 

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً