كيف يُلام الفقراء على فقرهم؟ … بقلم : لورنس دافيدسون

shello
shello 2013/11/16
Updated 2013/11/16 at 9:41 صباحًا

215667


يتم إنتاج معظم الفقر في الولايات المتحدة بشكل اصطناعي. إنه فقر يتم إنتاجه في إطار السعي إلى تحقيق “مُثل السوق الحرة” الذي يتم التعبير عنه في الأزمنة الحديثة عبر فرض سياسات الليبرالية الجديدة الاقتصادية -نوع السياسات التي تقوم بخفض الضرائب على الأثرياء، وتلغي الضوابط المالية والتجارية، وتمزق شبكة الأمان الاجتماعي، وتنال من استقرار الطبقة الوسطى- كل ذلك بينما تتغنى بمديح الاعتماد على الذات والمسؤولية الفردية. ونتيجة لذلك، أبلينا حسناً في جعل الأثرياء أكثر ثراء، والفقراء أكثر فقراً وعدداً.
كم هو عدد الناس الفقراء هنا في الولايات المتحدة؟ وفق “مسح السكان الحالي” الذي يستخدم الأرقام الرسمية الحكومية، فإن هناك بحلول العام 2012، نسبة 15 % من السكان -أو حوالي 46.5 مليون شخص- يعيشون في فقر. ويصل المعدل في الأطفال تحت سن 18 عاماً أعلى من ذلك عند نسبة 21.8 %.
تجدر الإشارة إلى أن الحكومة الأميركية تقيس الفقر وفق شروط نقدية. ففي العام 2012، تم تعريف الفقر على أنه إجمالي الدخل السنوي البالغ 23.050 دولار لعائلة مكونة من أربعة أشخاص. ويجري تعديل هذا الرقم وفق الأشخاص أو العائلات من حجم مختلف. ثم هناك الحقيقة القاتمة: “معظم الأميركيين (58.5 %) سوف يقضون سنة واحدة على الأقل تحت خط الفقر عند نقطة ما في الأعمار ما بين 25 و75 عاماً”. يحدث أن يكون هناك أكثر من مستوى واحد لهذه النسخة من جهنم. ولذلك يجب علينا الانتباه لفئة “الفقر المدقع”. ويعرف الفقر المدقع بأنه تحصيل دخل يشكل 50 % من مستوى الفقر الرسمي. ويبدو أن هذه الشريحة من المواطنين تتعاظم.
في منطقتي التي تضم جنوب شرق بنسلفانيا وجنوبي نيوجيرسي، تتراوح نسبة الفقر المدقع بين 5 إلى 19 % -اعتماداً على المقاطعة. ووفق منظمات الخدمة الاجتماعية وموظفي الأعمال الخيرية، فإن هؤلاء الناس “فقدوا الأمل”، و”تخلوا عن فكرة البحث عن وظائف“.
لنتأمل ما يعنيه كل هذا في الحقيقة. إن نظامنا الاقتصادي يضع نحو 48.5 مليون شخص عند معدلات عالية من البطالة أو ما دون البطالة والأداء البائس في المدرسة وفي العمل (حيثما يكون أيهما متوفراً)، وتغذية بائسة وعادات غذائية سيئة، وحالات عالية من إساءة استخدام العقاقير، ومعدلات جريمة عالية، وعدم وجود مأوى، ومعدلات عالية من أمراض لا يمكن منعها، ومدة حياة أقصر، وكل التقلبات الأخرى المرتبطة نمطياً بحياة الفقر.
مع ذلك، يجنح الليبراليون الجدد وحلفاؤهم إلى القول بأن أياً من ذلك ليس خطأ المجتمع أو مسؤوليته، وإنما هو خطأ الفرد، لأنه ما دام يعيش في بيئة اقتصادية “حرة”، فإنه يصنع خياراته/ أو خياراتها، ومن ثم يجب عليه التعايش مع التداعيات.
حسناً، هذه طريقة غير إنسانية بشكل مخصوص في النظر إلى الوضع. ومع ذلك، فإننا نتوافر على أدلة من التاريخ الأميركي الحديث نسبياً، والتي تؤكد أن من الممكن التخفيف من وطأة الفقر من خلال العمل الحكومي، من دون إعاقة “خيار السوق” بشكل خطير.
وراء في أواسط عقد الستينيات، كان الملايين من المواطنين قد ساروا إلى واشنطن للمطالبة بـ”الوظائف والحرية”. وقد استجاب الرئيس ليندون جونسون بحربه حول برامج الفقر. واستطاعت تلك البرامج خفض الفقر بشكل كبير، وفعلت ذلك من دون تحويل الولايات المتحدة إلى جمهورية اشتراكية. لكنه كان من سوء الطالع أنه لم يكتب لهذا الزخم أن يدوم.
كان هناك أمران جلباه إلى توقف ساحق: الحرب الإجرامية في فيتنام، والسياسات الاقتصادية النيو ليبرالية العنيدة بشكل مأساوي، والمذكورة آنفاً. وما نزال عالقين في هذا الأخدود إلى الآن. إننا ما نزال في حرب (ولو أنها أصبحت تدور الآن في الشرق الأوسط)، كما أن سياساتنا الاقتصادية تستمر بأن تكون مدمرة للذات.
خلل إدراكي
إن النظرة النيوليبرالية مخطئة من الناحية الظاهرية بطريقة يعتد بها. فالفكرة القائلة بأن بإمكان الفقير أن يتخذ “خيارات حرة وعقلانية”، وبالتالي يمكن تحميله مسؤولية وضع غير السوي، هي فكرة خاطئة. وثمة أدلة متراكمة على أن الفقر “يتدخل في عقلك” حرفيا بطريقة تمنع توصلك إلى خيارات مسؤولة.
في الحقيقة تسهم “السوق الحرة” في بيئة تجعل الفقير غير حر بشكل مريب: حيث يشعر بأنه مرتبك ومشغول، ومثقل الكاهل ويائس. وبكلمات أخرى، فإن كونك فقيراً يجعلك غير كفؤ على مستوى الإدراك.
كان أحدث بحث لإظهار ذلك قد نشر في آب (أغسطس) من العام 2013 في صحيفة “ذا جورنال سينس” بعنوان: “الفقر يعيق الوظيفة الإدراكية”. وكان جوهر الأطروحة أن “الفقر يشتت الانتباه ويطلق زناد الأفكار التطفلية، ويخفض قدرة الموارد الإدراكية”. وبعبارات أخرى، كلما كان المرء أكثر انشغالاً للذهن بالمشاكل، قلت قدرته على تطويع “الموارد الإدراكية” الضرورية “لتوجيه الخيار والعمل” بعقلانية. يجد معظم الناس أنفسهم منغمسين بالمشاكل بين الحين والآخر، ولكن ليس دائماً. وما يفعله العيش في فقر هو مواجهة الفرد بمزيج ضار من المشاكل المربكة يوماً في إثر يوم: مشاكل مالية، ومشاكل صحية، وقضايا أبوية، وتحوله إلى ضحية على أيدي مجرمين وآخرين، وحتى مشكلة مجرد العثور على وظيفة والمحافظة عليها.
يشير المؤلفون إلى أن الفارق في حاصل الذكاء بين أولئك الذين يعيشون في فقر وأولئك الذين يعيشون فوق خط الفقر يمكن أن يصل إلى حوالي 13 نقطة. ولا يأتي هذا الفارق من عمل الجينات أو العرق. إنه يجيء من خلق بيئة الفقر نفسها.
تشكل الدراسة ديناميتاً سياسياً في الحقيقة. إنها تقدم الدعم للتأكيد على أنه طالما ادعت الاقتصادات الليبرالية الجديدة تحوز على تحالفنا، فإننا سنستمر في إخضاع عشرات الملايين من مواطنينا -لا لحياة العوز وحسب، وإنما أيضاً لمستويات قلق عالية ومقدرة إدراكية بائسة. وهذا يكذب الأسطورة الشعبية التي تقول بأن الفقراء محرومون لأن معظمهم كسالى من الناحية الإدراكية.
والمثل، تتحدى الدراسة استنتاجات أعمال ريتشارد هيرنشتاين و”المنحنى الأزرق” لتشارلز موراي، الذي عزا على الأقل جزءاً من الفارق الإحصائي في الأداء الفكري بين الأميركيين السود والبيض إلى الجينات. وفي الحقيقة، ومهما يكن هناك من فارق إحصائي، فإنه لا يعكس قدرة فكرية متأصلة بنفس قدر المستويات العالية من الجهد الشاق الطويل الذي يخفض قدرة الشخص على تطوير واستخدام موارده الإدراكية.
من المثير للاهتمام تماماً رؤية الكيفية التي يختتم فيها مؤلفو ذلك المقال في مجلة العلوم مادتهم. وكما يتبين، فإنهم اختاروا تجاوز التبعات الحقيقية لبياناتهم الخاصة. وهكذا يقولون لنا: “لهذا المنظور تبعات سياسية مهمة. أولاً، يجب على صنّاع السياسة أن يحذروا من فرض ضرائب إدراكية على الفقراء“.
فماذا يعني هذا؟ يعني أنه يجب على صانعي السياسة محاولة خفض عدد النماذج التي يتوجب على الفقراء تعبئتها، وعدد “المقابلات المطولة” التي عليهم أن يختبروها، وعدد “القواعد الجديدة” التي يجب أن “يفكوا شفرتها،” وكلها مسائل “تستهلك موارد إدراكية” كلنا يعلم بأن الفقير يتوافر منها على أقل مما يتوافر عليه الغني.
بالإضافة إلى ذلك، يجب على صناع السياسة توقيت مطالباتهم للفقراء وفق فترات محددة، عندما يكونون قادرين أفضل ما يكون على التعامل معها، مثل الوقت الذي يتلقون فيه ما يتلقون من دخل بين الفترة والأخرى، ويشعرون مؤقتاً بإجهاد نقدي أقل. وتشكل هذه الاستنتاجات خذلاناً وانحداراً مثيراً للصدمة من ذروة الطرح.
لقد ساعدنا المؤلفون على مشاهدة الضرر الضخم الذي يحدثه الفقر. وفي الرد على ذلك، لدى المجتمع التزام أخلاقي للتعامل مع أكثر من مجرد مسائل تعبئة النماذج والمقابلات المطولة. ويقول لنا التاريخ أننا نستطيع فعل الأفضل من هذا بكثير، وقد فعلنا في الحقيقة.
بعيداً عن التغيرات الراديكالية في تفكيرنا الاقتصادي، فإن ما يحتاجه الفقراء في الولايات المتحدة هو “شن حرب أخرى على الفقر”. وفي الحقيقة، فإن هذا الالتزام ليس مجرد التزام أخلاقي. هناك مصلحة ذاتية اقتصادية جمعية في خفض الفقر إلى الحد الأدنى. ولعمل ذلك، يجب التقليل من انعدام المساواة في الدخل، وتحسين الصحة عموماً، وتهزيز الاستقرار الاجتماعي والتقليل من الجريمة. كما أن هذه الأمور ستعزز الاستهلاك، وهو ما يجب أن يجعل الرأسماليين مسرورين.
هل يفهم ساستنا أي شيء من هذا؟ يبدو أن الأمر ليس كذلك. ففي هذه الأيام بالذات، صوت مجلس النواب على خفض برنامج ترشيد الغذاء بواقع حوالي 40 مليار دولار. تلك هي اقتصادات الليبرالية الجديدة قيد العمل، والتي تثبت إيجابياً أن تلك الأيديولوجية والإجحاف يكونان أكبر من نتائج البحث العلمي عندما يتعلق الأمر بصياغة السياسة.  هل ثمة من طريقة لقلب وجهة هذه الحماقة؟ نعم، لكنها تتطلب عملاً جماعياً. لقد حان الوقت لدراسة إعادة ما تم في الستينيات، وإجبار الساسة على التصرف بمسؤولية على الرغم من أنفسهم.

(ميدل إيست أونلاين) – ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
*
أستاذ التاريخ في جامعة ويست شيستر في بنسلفانيا. وهو مؤلف “مؤسسة السياسة الخارجية: خصخصة مصلحة أميركا القومية”؛ “فلسطين أميركا: المشاعر الشعبية والرسمية من بلفور إلى الدولة الإسرائيلية”، و”التطرف الإسلامي“.

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً