لا لإعادة ضبط العلاقات الأميركية-الروسية…بقلم:أنجيلا ستينت

shello
shello 2014/04/13
Updated 2014/04/13 at 9:57 صباحًا

xjfqfaxp

 

‹›

واشنطن، العاصمة – في ظل الاضطرابات الجارية في أوكرانيا الآن، ومراقبة الولايات المتحدة وروسيا تحركات كل منهما الأخرى بحذر، يبدو العالم وكأنه على شفا مواجهة طويلة أشبه بالحرب الباردة. ولكن، هل هذا صحيح حقا؟
قامت روسيا، التي تتهم الغرب بدعم انقلاب قام به “فاشيون” و”إرهابيون” في كييف، بضم شبه جزيرة القرم، واختبرت صاروخاً باليستياً عابراً للقارات، واحتفظت بحق التدخل عسكرياً في شرق أوكرانيا لحماية السكان الروس هناك. وفي المقابل، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على روسيا واعتبرت ضم شبه جزيرة القرم تصرفاً غير قانوني. ولكنها دعت أيضاً إلى التعاون لحل الموقف سلمياً وأعلنت أن أوكرانيا لا بد أن تسعى إلى إقامة علاقات مثمرة مع كل من روسيا والغرب. وحتى وقتنا هذا، رفض الروس تلك المشاعر.
لكن كل هذا لا يعني بداية حرب باردة ثانية. وليست روسيا خصماً لأميركا، لكنها أيضاً ليست حليفة لها. فالجانبان يختلفان حول مجموعة واسعة من المسائل. ولكن هناك قضايا دولية حرجة -مثل إيران وسورية- والتي من غير المرجح أن يتحقق على صعيدها أي تقدم في غياب بعض التعاون. ولا يتمثل التحدي في محاولة “إعادة ضبط” العلاقات الثنائية مرة أخرى، بل في إيجاد الأساس الذي يمكن الجانبين من التعاون حيثما تداخلت مصالحهما -ما إن ينجلي غبار الأزمة الأوكرانية.
لكننا ينبغي أن نكون واقعيين. فقد سعى كل رئيس أميركي منذ العام 1992 إلى إعادة تشكيل العلاقات الأميركية الروسية والانتقال إلى ما هو أبعد من المنافسة الإيديولوجية والعسكرية التي سادت خلال الحرب الباردة. وقد انتهت كل المحاولات إلى خيبة الأمل، بالرغم من تحقيق بعض النتائج. ويتلخص السبب الرئيسي وراء هذا الفشل في اختلاف الفهم إلى حد عميق بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن الهيئة التي قد تبدو عليها العلاقات المحسنة بين البلدين.
في استعراض هذه الجهود، يبرز عامل ثابت واحد: فقد أحرزت الولايات المتحدة أكبر قدر من التقدم بشأن القضايا التي استشعرت فيها روسيا أن أميركا تحترم مصالحها. وقد قطعت عملية إعادة ضبط العلاقات الأولى في نهاية رئاسة جورج بوش الأب أشواطاً طويلة نحو نزع فتيل المخاطر النووية الناجمة عن انهيار الاتحاد السوفييتي. ونتيجة لذلك، ظلت روسيا الدولة النووية الوحيدة في فضاء ما بعد الاتحاد السوفييتي، في حين ساعد التشريع الذي رعاه نائبا مجلس الشيوخ الأميركي سام نون وريتشارد لوجار في تأمين المواقع والمواد النووية والعلماء النوويين.
كانت عملية إعادة ضبط العلاقات الثانية في عهد الرئيس بِل كلينتون أكثر طموحاً: حيث تضمنت جهوداً متكاملة لإنشاء الشراكة التي أسهمت الولايات المتحدة بها بشكل كبير في اقتصاد روسيا ونظامها السياسي المتطور. وتضمنت أيضاً إقناع روسيا الممتنعة بدعم تدخلين قادهما حلف شمال الأطلسي في البلقان. ولكن الحرب الثانية التي دارت حول كوسوفو في العام 1999 أدت إلى انهيار تلك العملية.
ثم جاءت عملية إعادة الضبط الثالثة بمبادرة من الرئيس الروسي فلاديمير بوتن، عندما عرض المساعدة الروسية في حملة أفغانستان بعد الهجمات الإرهابية في الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001. ولكن توقعات جورج دبليو بوش كانت مختلفة تماماً عن توقعات بوتن. فقد سعت روسيا إلى إقامة “شراكة متساوية بين طرفين غير متساويين”، وبشكل خاص اعتراف الولايات المتحدة بمجال نفوذ روسيا في مجالها.
لكن ما حدث بدلاً من ذلك هو أن روسيا وجدت نفسها مضطرة إلى التعامل مع حرب العراق، وتوسع حلف شمال الأطلسي إلى دول البلطيق، والثورات الموالية للغرب في أوكرانيا وجورجيا، و”أجندة الحرية” التي أطلقتها إدارة بوش بهدف إرساء الديمقراطية العالمية. وكان الكرملين ينظر بقلق بالغ إلى شبح تغيير النظام، وخاصة في جواره. وبحلول وقت انتهاء عملية إعادة الضبط هذه بين أنقاض الحرب بين روسيا وجورجيا في العام 2008، بدأت الولايات المتحدة بالنظر إلى روسيا باعتبارها المفسد العالمي.
كانت عملية إعادة الضبط تحت إدارة أوباما –الرابعة منذ انهيار الاتحاد السوفييتي- هي الأكثر نجاحا، على الأقل أثناء فترة الرئيس أوباما الأولى في منصبه. وفي ظل توقعات أكثر واقعية، تحققت النتائج: معاهدة ستارت الجديدة للحد من التسلح، وفرض عقوبات أكثر صرامة على إيران، والتعاون في مجال النقل من وإلى أفغانستان، وانضمام روسيا إلى منظمة التجارة العالمية.
لكن عملية إعادة ضبط العلاقات هذه تيسرت إلى حد كبير بفضل العلاقات الشخصية بين أوباما ودميتري ميدفيديف، الذي شغل منصب الرئيس لمدة أربع سنوات قبل أن يعود بوتن إلى السلطة لولاية رئاسية ثالثة في العام 2012. وعندما وجه بوتن اللوم إلى الولايات المتحدة متهماً إياها بتشجيع مظاهرات المعارضة التي صاحبت هذه العودة، بدأت العلاقات تتدهور. وبعد القرار الذي اتخذه الكرملين في آب (أغسطس) الماضي بمنح عميل الاستخبارات الأميركية السابق إدوارد سنودن حق اللجوء المؤقت، انتهت عملية إعادة ضبط العلاقات.
لعل العداء الإيديولوجي الذي صاحب الحرب الباردة قد انتهى، ولكن روسيا تعرف نفسها الآن باعتبارها نموذجاً حضارياً واجتماعياً بديلاً. وتحديدا، تزعم روسيا أنها قوة الوضع الراهن، التي تتخذ موقفاً متعارضاً مع الولايات المتحدة التي تطلق عليها وصف القوة “الرجعية” التي تسعى إلى زعزعة استقرار العالم بتشجيع تغيير الأنظمة، وخاصة في العالم العربي. وينظر الكرملين أيضاً إلى الولايات المتحدة بوصفها مصدراً لعدم الاستقرار في الفضاء السوفييتي القديم وتلوم الغرب على الاضطرابات الأوكرانية.
وبالرغم من هذا، فإن العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا كانت مجزأة دوما، وهناك قضايا ملحة متعددة الأطراف لابد أن تعمل الولايات المتحدة مع روسيا على حلها، وخاصة سورية وإيران وأفغانستان (حيث من المقرر أن تسحب الولايات المتحدة قواتها منها هذا العام). وبالرغم من الخلاف بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن كيفية إنهاء الحرب الأهلية السورية، تعاون الجانبان في نزع أسلحة سوريا الكيميائية. وعلى نحو مماثل، لا يريد أي من الجانبين أن يرى إيران وقد نجحت في تطوير قدرات تصنيع الأسلحة النووية.
الواقع أن التوقعات الثنائية العظيمة طيلة عقدين من الزمان، والتي أعقبتها سلسلة من الإحباطات، تشير إلى تبني الولايات المتحدة لأهداف أكثر تواضعاً وواقعية ما إن يتم التوصل إلى حل لأزمة أوكرانيا. وما لم يتجاوز البلدان إرث الحرب الباردة، وتسعينيات القرن العشرين، وأزمة اليوم، فإن أي عملية لإعادة ضبط العلاقات- بصرف النظر عما إذا كان منشأها البيت الأبيض أو الكرملين – لن تسفر في أحسن الأحوال إلا عن توفير قدر أكبر من الفعالية في إدارة العلاقة التي سوف تظل محدودة ومرهقة.
وهذا يعني على الجانب الأميركي الاعتراف بروسيا على ما هي عليه حقا: دولة كبيرة لا تزال تشكل أهمية بالغة وتتبع نظاماً سياسياً هجيناً وتواجه تحديات اقتصادية وديموغرافية وسياسية خطيرة في الداخل. إن تطور روسيا في مرحلة ما بعد الاتحاد السوفييتي أمر يستغرق عدة عقود من الزمان ولن يحدث بطريقة خطية متصلة. ونظرة روسيا إلى العالم تتعارض بشدة مع نظرة الولايات المتحدة إليه وسوف تظل هذه الحال قائمة في المستقبل المنظور. ولكن السلام البارد أفضل من الحرب الباردة.
*مديرة مركز جامعة جورجتاون للدراسات الأوراسية والروسية والشرق أوروبية، ومؤلفة كتاب “حدود الشراكة: العلاقات الأميركية الروسية في القرن الحادي والعشرين.”

 

الغد الـأردنية

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً