لماذا بشار الأسد باقٍ؟… بقلم : تود وود

shello
shello 2014/01/25
Updated 2014/01/25 at 10:45 صباحًا

221628

في الوقت الذي التقى فيه وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ووزير الخارجية الأميركي جون كيري في باريس في محاولة للتوصل إلى شروط سلام للأزمة السورية، كان يمكن للمرء أن يكون معذوراً إذا تساءل عما إذا كانت روسيا ستسمح أبداً بإبعاد الرئيس السوري بشار الأسد عن السلطة بعد استخدامه المزعوم للأسلحة الكيميائية ضد مواطنيه. وللإجابة عن هذا السؤال، ينبغي أن ينظر المرء في التاريخ. ولعل من الرائع في الحقيقة، حتى مجرد اعتقاد الغرب بأن من الممكن أن تسمح روسيا بتغيير النظام في دمشق. لكن كل ما على المرء فعله لمقاربة الحقيقة هو دراسة ماضي الإمبراطورية الروسية، ليدرك أن موسكو لن تسمح أبداً بالإطاحة بالأسد.
لطالما طمحت روسيا إلى تأمين وصول لها إلى البحر الأبيض المتوسط طوال قرون، منذ حكم إيفان الرهيب. وقيل إنه كان من المقدر للإمبراطورية الرومانية المقدسة الثالثة في موسكو أن تغزو عاصمة العثمانيين المسلمين وتستعيد الحكم المسيحي للمدينة القديمة. ولطالما أعلن القياصرة المتعاقبون عن رغبتهم العلنية في السيطرة على مضيق البوسفور الاستراتيجي عسكرياً، أو المضائق التركية، من بطرس الأكبر إلى القيصر نيكولا في الحرب العالمية الأولى. وفي حقيقة الأمر، تم الإفراج مؤخراً عن وثائق روسية تاريخية سرية، والتي تشير إلى أن الرغبة في غزو واحتلال القسطنطينية كانت السبب الحقيقي في بدء الحرب العالمية الأولى. كانت السيطرة الروسية ستسمح للبحرية الروسية بالتجوال بحرية والانعتاق من البحر الأسود المحاط باليابسة، والوصول إلى البحر الأبيض المتوسط الأبعد. واليوم، تسيطر دولة تركيا الإسلامية على مضائق البوسفور. وهي، لسوء حظ روسيا، عضو في معاهدة منظمة شمال الأطلسي (الناتو)؛ ومن هنا يأتي الدعم الروسي الحالي لنظام الأسد في سورية.
ما تزال القوات الروسية تستخدم ميناء طرطوس السوري منذ كسب الاتحاد السوفياتي مدخلاً إلى ذلك المرفق في العام 1971. ويستطيع الميناء عميق المياه أن يستوعب الغواصات الروسية النووية، وهو ذو أهمية حاسمة بالنسبة للكرملين، على الصعيدين العسكري والتجاري، إذ يسمح الوصول إلى طرطوس لروسيا بإعادة تزويد سفنها في البحر المتوسط وإعفائها من مشقة الاضطرار للعودة إلى مرافق البحر الأسود للتزود. وبعد سقوط الاتحاد السوفياتي، سامحت روسيا بمعظم ديونها المستحقة لدى سورية، والتي كانت قد تراكمت من أثمان مشتريات الأسلحة على مدى عقود عدة، من أجل الاحتفاظ للبحرية الروسية بذلك الوصول إلى ميناء طرطوس السوري. والآن، تقوم روسيا بتوسيع ذلك الميناء ليستوعب السفن الأكبر والقدرات العملياتية الأخرى.
مع أن حركة التصنيع الروسي تعود ببطء، فإن روسيا ما تزال تنتج بشكل رئيسي أنظمة أسلحة موثوقة وجيدة القدرة. وتشكل سورية زبوناً رئيسياً ومصدراً مهماً لعوائد مصنعي الأسلحة الروس. ورغم أن المنطقة تتغير بينما تهجر الولايات المتحدة حلفاءها لفترة طويلة في المنطقة، فإن سورية تظل العربة الرئيسية والوحيدة للنفوذ الروسي في منطقة المتوسط.
يعرف الرئيس فلاديمير بوتين وإدارته كيف يمارسون السياسة الواقعية، وكيف يتعاملون مع رقعة الشطرنج العالمية لما فيه مصلحة روسيا. وكل ما على المرء فعله هو النظر إلى طريقة معالجة بوتين البارعة لقضية الأسلحة الكيميائية السورية، ليرى الدليل على هذه الحقيقة. فبينما كان الرئيس الأميركي باراك أوباما يفرك يديه ويبدي حيرته حول استخدام بلاده القوة العسكرية في سورية بسبب قضية الأسلحة الكيميائية، ذكر كيري عرَضاً أن القوة لن تُستخدم في حال قامت سورية بتدمير أسلحة التدمير الشامل لديها. وقد انتهز بوتين هذه الفرصة ليحول إلى الأبد دون استخدام القوة العسكرية الأميركية ضد المحمية الروسية في الشرق الأوسط. وكان ذلك مثالاً جيداً على الذكاء الجيوسياسي. وقد استمرت روسيا في حماية الأسد قبل محادثات السلام المقرر عقدها في جنيف، بل إنها اقترحت جلب راع آخر لسورية إلى المفاوضات: إيران. وبذلك تغلبت روسيا على الولايات المتحدة في المناورة والدهاء.
لدى روسيا أيضاً مشكلة تاريخية مع الإرهاب الإسلاموي منذ أيامها الأولى في القتال ضد الإمبراطورية العثمانية، والتي تستمر في الوجود وصولاً إلى مشكلتها الحالية مع الشيشان وما وراءها. وتقدم التفجيرات الأخيرة في فولغوغراد قبل ألعاب سوشي الأولمبية دليلاً على هذه المشكلة المتفاقمة. ويتسبب صعود القوى السنية المتطرفة في العراق وفي كامل منطقة الشرق الأوسط بحرمان الكرملين من النوم ويقض مضجعه. وتقوم الهجمات الإسلاموية الإرهابية الداخلية بتشويه الصورة التي رسمها الكرملين بعناية عن روسيا المستقرة. ولا تريد موسكو بأي حال أن ترى قوى القاعدة وهي تتولى السلطة في سورية، على نحو يحرمها من وصولها المهم إلى ميناء دافئ المياه، ويمكن أن يهدد المصالح الروسية الأخرى في المنطقة أيضاً.
خلاصة القول إن الطموحات التاريخية، والمصالح التجارية والمخاوف الأمنية، كلها ستمنع روسيا من السماح بإزالة نظام الأسد من السلطة. وفي الحقيقة، يمكن توقع أن تستخدم روسيا الأزمة الحالية والمفاوضات من أجل السلام لتقوية الأهداف والنفوذ الروسيين في المنطقة، ولتوسيع إمبراطورية بوتين الروسية المنبعثة. وفيما يعاني الغرب بسبب الافتقار إلى القيادة، فإن روسيا ستستفيد، والأسد سيبقى في السلطة في المستقبل المنظور.

 

(موسكو تايمز) ترجمة: علاء الدين أبو زينة- الغد الاردنية

*مؤلف لقصص الرعب التاريخية. ركز خلال عمله في التمويل على الأسواق الصاعدة.

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً