لماذا لا نهرب من القاهرة؟

shello
shello 2014/05/22
Updated 2014/05/22 at 11:14 صباحًا

 

 

04c7f29d-cfb8-434f-b85a-f8f681c3221b

ماذا تقول القاهرة لأهلها؟
الدولة تريد أن تقول إنها عادت فتطلق ماكيناتها الهادرة بالاسفلت… تضع طبقة جديدة بعد تآكل طبقات قديمة… بينما الشوارع تضيق وتصبح القاهرة «كاراج» كبيراً او دولاب ملابس مفتوحاً
اسير بين الدولاب والكراج باحثاً عن سبب لمحبة القاهرة
من يحمينا من كل هذه الغلظة؟
هذه ارواح ثقيلة تطل علينا من صور الاخبار، وشاشات تحاصرك اينما كنت وزعماء يخرجون من اكياس البقالة… ووعاظ تمد يدك داخلهم فتجدهم ينعمون بفراغ الروح.
يتكلمون عن الروح وهذا يعني بالنسبة إليهم لحظة ظهور على الشاشة ورزمة اموال حمراء وخضراء تثقل جيوبهم.
أقولها في اليوم ألف مرة؟
أسير في شوارع مدينة بناها عشاق ومحبون بكلماتهم وأحلامهم وخيالهموتركوا هنا علامات هي البنية الاساسية التي تقاوم تفاهات من يتصورون انهم غزاة يحولون الخير للمدينة او رسل مهمتهم اعادتنا من عصر الضلال… وألاعيب لصوص امس والغد…. كل هذه الارواح الثقيلة تحاصرني… تجعل مستفزا البحث عما احبه ويجعلني مستمراً هنا.
كيف تجد المدينة تحت ركام الشوارع القذرة ولافتات تتضخم لتلتهمك؟
هل لديك مبرر لإقامتك في مدينة يسيطر عليها كل ثقلاء الظل في السياسة والفن والثقافة والصحافة؟
هل تبحث عن مدينة غارقة تحت منتجات ٣٠ سنة انحطاط؟
من انتم؟
ازيز ارواحكم الثقيلة تقتلنا كل يوم… لكننا نقاوم.
نقاوم فعلا وهذا سحر المدينة. نقاوم لأن لدينا اوهاماً وخيالات ومشاعر لا يمكن شرحها.
لدينا ما نخاف عليه. ما نريد ان يبحث عنه اولادنا ويجدونه تحت الاطلال. لسنا صحراء يبنون فيها مدناً مكيفة وعلباً للحياة بدلا من الحياة.
لدينا ما ندافع عنه… ما نحبه… ما تشحننا به مشاعر تعمل ٢٤ ساعة لتحب وتكره… تخاف وتهيم في هذه المدينة.
لمذا لا نهرب من القاهرة؟
في «ليلة حب لنادين شمس» احتفلنا بصديقة لم تغادر المدينة حتى في موتها. عرضنا دقائق من فيلم كتبته تتقصى فيه «مكاناً اسمه الوطن» (من خلال بحث على الانترنت وأسئلة ورسائل بريد الكتروني اختاروا من بينها أربع قصص كانوا ابطال ما حكته نادين – من اخراج تامر عزت) قبل اقل من ثلاث سنوات على الخروج الكبير في ٢٥ يناير… حكت عن مريام التي ارتبكت بسبب بكاء ابيهامريام خطفها الحب مرة واحدة.
لكنها مسيحية وهو مسلم وهذا زواج مستحيل… يجلب الفضيحة الى عائلة مستورة لطيفة… وكان عليها إما ان تخون حبيبها المسلم… او تخون عائلتها المسيحية الملتزمة بتعليمات الكنيسة.
واختارت مريام ان تخون حبيبها حتى لا تفضح عائلتها. اختارت ان تعيش تعيسة في مدينة لم تحقق فيها حريتها وتبحث عن وطن آخر لا يجبرها على الخيانة.
مريام كانت تبحث عن فرصة للهجرة رغم انها من عائلة بيتها مريح ذوقه خاص وعائلتها لطيفة، تلعب الأم مع الاب دور كوتشينة… والحياة هادئة لكن تحت سقف اخلاقي لا يسمح لها بالخروج عن القانون العام… وهي لا تستطيع ان تغير المجتمع ليقبل حريتها في اختيار من تهواه.
حق بسيط يمكنه تحمل فاتورته، لكنها لا تستطيع مواجهة التناقض بين غرامها وبين عائلتها وفكرتها التي تربت عليها بأن تكون بنتاً مسيحية صالحة تسمع الكلام وتطيع كل الاوامر حتى لو كان ذلك سبباً للتعاسة.
«
عش تعيساً ولا تشرد عن القطيع» هذا هو الشعار الذي افسد حياة مريام. دفعها الى الهروب.
كما فعل محمد السباعي هاوي الموسيقى الذي يعمل مع والده في شركة تصنيع ألبان… بيزنس عائلي سمح له بأن يشتري سيارة رينو… ويضمن دخلا شهرياً حوالي 2000 جنيه. لكنه جعله بعيداً عن عالم الموسيقى… وعن امنياته بالزواج.
حسابات معقدة تقطع عليه خطوط أحلامه.
هرب مرة في مشروع هجرة. لكنه عاد بعد تمثيلية من الاب (ادّعى فيها المرض). ويحلم كل فترة بإعادة تجربة الهروب، رغم انه ذاق طعم الشهرة مرة ثانية عندما اشترك في برنامج من برامج البحث عن النجوم.
إنه عابر بين احلام ناقصة. ويعتقد ان الهروب منها والبداية من جديد هناك في ارض بعيدة عن مصر هو الحل.
«
همس» البطلة الثالثة للفيلم عادت الى مصر بعد هجرة الى اميركا طوال حياتها.عادت لتشعر بالمعاناة.
وبأنها ليست غريبة.
شعور متطرف بالذوبان الى اقصى حد في مناخ لا تشعر فيه بأنك غريب… عاشت مع صديقتين واحدة من الاتحاد السوفياتي القديم والثانية من بولندا… وكلهن اتفقن على ان الوطن هو الحياة مع ناس تحبك.
وهذا تقريباً مفهوم كريم، مدير الانتاج الذي يحسبها بالمليم ويحلم ببيت على طريقة بيوت مسلسلات التلفزيون مع خطيبته.
لا يريد الهجرة، فهو ابن الشارع الذي رفض بائع الخبز والجزار والبقال قبول الحساب من الشاب المراهق حتى يخرج ابوه من المستشفى. تضامن اجتماعي يخاف الشاب المتسق مع المجتمع ان يهرب منه.
يرفض الهجرة ويعرف ماذا تعني كلمة وطن.
الفيلم يتابع رحلات ابطاله الاربعة في الحياة ويتنقل معهم عبر مونتاج يقدم صورتين في نفس الوقت وموسيقى تشير الى ان الحياة تسير… رغم الآلام الخفيفة.
الابطال وقفوا امام مرآة عجيبة رأينا فيها تناقضات الوطن والهجرة…مرآة حركت الأسئلة النائمة.
لماذا نشعر بالضيق في تلك المدينة المتسعة جداً؟
ولماذا يتعثر الهروب منها؟

السفير

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً