لماذا لن تتدخل روسيا في أوكرانيا؟…بقلم:ديمتري ترينين

shello
shello 2014/03/02
Updated 2014/03/02 at 10:57 صباحًا


ukraineOPED-master675 

‹›

موسكو- وقع الرئيس الأوكراني فيكتور أف. يانوكوفيتش وقادة المعارضة الأوكرانية على اتفاقية يوم الجمعة قبل الماضي، والتي أنهت الاحتجاجات العنيفة في مدينة كييف، بالتعهد بوضع دستور جديد وإجراء انتخابات مبكرة. لكن مبعوث الرئيس الروسي إلى كييف رفض المشاركة في التوقيع. وبينما رحبت موسكو بوضع نهاية للعنف، فإنها اعتبرت الاتفاقية بشكل أساسي إملاءً من جانب المعارضة الأوكرانية المدعومة من الغرب. وفيما استولت المعارضة على السلطة في كييف، تبدي موسكو توجساً من أن الأزمة لن تنتهي في أي وقت قريب. وفي الأثناء، تبقى بعض المجموعات الراديكالية جيدة التسليح، كما أن هناك انقسامات سياسية وثقافية ومناطقية عميقة في المجتمع الأوكراني، حيث تعاني النخبة الأوكرانية من فوضى واضطراب في وقت تتدهور فيه الأوضاع الاقتصادية. وهي فوضى من صنع أوكرانيا نفسها، وليس لروسيا نفوذ كبير عليها حسب ما كان يقدر بشكل عام.
تقول أكثر الأساطير شيوعاً حول دور موسكو في الأزمة الأوكرانية أن السيد يانوكوفيتش هو ألعوبة بيد الرئيس فلاديمير بوتين. وفي الحقيقة، يشعر السيد بوتين بكثير من الحنق من نظيره الأوكراني. فبالنسبة إليه، يعد السيد يانوكوفيتش شخصاً لا يعتد به، ودائم التذبذب بين الاتحاد الأوروبي وروسيا. وقد أصبح راهناً قوة مستنفدة تماماً، وهرب من كييف إلى خاركوف، المدينة التي تتحدث بالروسية والتي تقع في شرقي أوكرانيا. وتعرف موسكو أن الأوليغاركيين الأوكرانيين الذين درج معظمهم على دعم السيد يانوكوفيتش، معادون لروسيا في جزئهم الأعظم. وبالرغم من أنهم يحكمون أوكرانيا من الناحية الفعلية، فإنهم يخشون أن يسيطر عليهم عمالقة رجال الأعمال المجاورون الأكثر ثراء. وحتى أولئك الذين أرسلوا أموالهم إلى داخل روسيا، مثل ممول الاحتجاجات بيترو بوروشيكو، فإنهم يفضلون إيداع أموالهم في الغرب. كانت الاحتجاجات قد اندلعت في أوكرانيا عندما رفض السيد يانوكوفيتش التوقيع على ما يسمى اتفاقية المشاركة بين أوكرانيا والاتحاد الأوروبي، والتي كانت سترسي دعائم منطقة للتجارة الحرة، من بين أمور أخرى. وبالرغم مما يدعيه، لم يكن الكرملين هو الذي دفعه إلى أن يفعل ذلك. وكانت موسكو قد ألمحت أصلاً إلى أنها لا تريد أن توقع كييف على الصفقة عندما وضعت عقوبات بحكم الأمر الواقع على المنتجات الأوكرانية في العام الماضي. لكن السيد يانوكوفيتش وجد نفسه في نهاية المطاف ينصاع لحساباته الخاصة بدلاً من الاستماع إلى تذكيرات ونصائح بوتين. وكان المسوغ الأساسي الذي ضلل يانوكوفيتش هو الخوف من عدم إعادة انتخابه في العام 2015 في حال وقع على الاتفاقية. وعند نقطة ما، أدرك أن الصفقة لن تجلب أي دعم مالي من الاتحاد الأوروبي، ورأى عدم وجود أي طريقة لموازنة الهبوط الحتمي في حجم التجارة مع روسيا، أو تشكيل وسادة واقية لامتصاص الصفعة الموجهة لصناعة أوكرانيا الثقيلة إبان الحقبة السوفياتية.
خلال أشهر المواجهات في كييف، تميز الدور الفعلي لروسيا بأنه كان أكثر تواضعاً بكثير مما أعلن عنه الإعلام الدولي أو طاحونة الشائعات في كييف. وكان السفير الروسي المعتمد لدى أوكرانيا، ميخائيل زورابوف، غائباً عن المشهد العام على نحو يثير الفضول. كما أمر الكرملين كل أعضاء الدوما (البرلمان الروسي) بالبقاء بعيدين عن أوكرانيا. ومن جانبه، اعتصم ديمتري روغوزين، نائب رئيس الوزراء وسفير روسيا السابق لدى الناتو والمشهور بإدلائه بتصريحات عن الغرب في الوجه، بحبل من الصمت حول أوكرانيا. وكان المسؤول الروسي الوحيد الذي عرض اهتماماً مستمراً بأوكرانيا هو سيرغي غلازييف، مستشار بوتين حول الاندماج اليورو-آسيوي، والذي تحدث خلال مؤتمرات وكتب مقالات عن التكاليف الباهظة لتحول أوكرانيا نحو الاتحاد الأوروبي.
كان السيد بوتين قد استقبل يانكوفيتش مسبقاً في سوتشي وموسكو عدة مرات. وفي كانون الأول (ديسمبر) الماضي، عرضت روسيا بالفعل شراء ما تصل قيمته إلى 15 بليون دولار من سندات الحكومة الأوكرانية –على نحو يقزم أي مساعدة مشروطة من جانب الاتحاد الأوروبي عبر صندوق النقد الدولي- بالإضافة إلى خفض بواقع الثلث لأسعار شحنات روسيا من الغاز لأوكرانيا. وتم تقديم هذا الدعم المالي من دون ربطه بأي شروط، وبهدف مزدوج: مساعدة أوكرانيا على تفادي أي عجز محتمل، والتعبير عن حسن النية بخصوص إقامة علاقات اقتصادية أوثق في المستقبل.
لكنه كان عرضاً ينطوي على المجازفة، في ضوء عدم الثبات السياسي في كييف، حيث يمكن أن تكون الخطوة غير ذات فاعلية. وكانت إيماءة الدعم الصادرة عن موسكو قد بنيت على الاعتقاد الذي أعرب عنه السيد بوتين بنفسه، حين قال أن الأوكرانيين والروس هم شعب واحد. ومن الواضح أن هذا ليس صحيحاً، لأن الأوكرانيين أنفسهم ليسوا شعباً واحداً فقط –ليس بعد على الأقل- ولك أن تقارن بين “لفيف” و”سيباستوبول”، غربي أوكرانيا الذي كان الاتحاد السوفياتي قد ضمه إليه في حقبة حكم ستالين، والمعادي بشدة لروسيا. أما الشرق والجنوب فهما يتحدثان الروسية، حيث تسود في القرم في الغالب الإثنية الروسية. وبالنسبة للغالبية العظمى من النخبة في أوكرانيا، عنى استقلال البلد عن الاتحاد السوفياتي، فوق كل شيء، الاستقلال عن روسيا بالتحديد. ومن الناحية الفعلية، لا يوجد أي ساسة أوكرانيين يمكن أن يوصفوا بأنهم موالون للروس، لأن هذا يسير ببساطة في عكس اتجاه الفكرة القومية لأوكرانيا.
وهكذا، لم يكن عرض السيد بوتين الداعي لاندماج اقتصادي أوثق بين أوكرانيا وروسيا عبر تشكيل اتحاد جمركي يوافق مزاج العديد من الأوكرانيين، كما أن الفكرة انطوت على مخاطر بالنسبة لروسيا أيضاً. فبموجب ذلك المخطط، كانت موسكو ستحتاج إلى ضخ الكثير جداً من الأموال في أوكرانيا، ومنحها كلمة أكبر في الهيئات المشتركة، مثل اللجنة الاقتصادية اليورو-آسيوية، مع القليل من الضمانات بأن لا تنفصل أوكرانيا مرة أخرى بمجرد أن تتعافى من أزمتها المالية الراهنة.
قد تكون “ثورة شباط” في أوكرانيا بركة بالنسبة لموسكو، لأنها يمكن أن تساعد في فضح زيف الفكرة التي تقول بأن روسيا لا تستطيع أن تكون قوة كبرى من دون أوكرانيا التي يجب أن تكون شريكاً صغيراً لها. ولا تحتاج موسكو إلى حكم المزيد من الشعوب، وإنما تحتاج إلى رفع معايير الصحة والتعليم ومستوى معيشة شعبها الخاص.
بالرغم مما يشك فيه بعض الأوكرانيين، فإن من غير المرجح أن تحاول موسكو إحداث انقسام في أوكرانيا بغية ضم أجزائها الجنوبية والشرقية. فذلك يعني احتمال اندلاع حرب أهلية في الجوار، وهي فكرة تكرهها روسيا. ولعل أفضل خيار لموسكو عند هذه النقطة هو الوقوف في الخلف والانتظار، بينما تقف بهدوء إلى جانب اللامركزية في أوكرانيا. ومع أنه ينظر إلى الفيدرالية في كييف وغربي أوكرانيا على أنها خطوة متقدمة نحو التقسيم في نهاية المطاف، فإنه يساعد في الحقيقة في رص صفوف الأوكرانيين. ومع المزيد من الاستقلال الذاتي المالي والثقافي، ستتمكن المناطق المتنوعة للبلد بالعيش والسماح لغيرها بالعيش بسهولة أكثر. وقد يكون ترويج اللامركزية في أوكرانيا إستراتيجية واقعية طويلة الأمد بالنسبة لروسيا، وهو الشيء الذي تفتقر إليه موسكو حتى الآن.

الغد الأردنية

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً