لماذا لن يستطيع أي رئيس جديد إعادة الاستقرار إلى مصر؟

shello
shello 2014/05/20
Updated 2014/05/20 at 10:49 صباحًا

finaegypt


ما تزال مصر دولة مبتلاة بالاضطرابات السياسية. فمنذ الثورة الشعبية الجماهيرية في شباط (فبراير) من العام 2011، والتي أطاحت بدكتاتورية حسني مبارك، تعاقبت على السلطة أربع حكومات صوتت ثلاث منها على مراجعة الدستور، وأجريت انتخابات برلمانية مرتين، وانتخابات رئاسية مرة، وهناك انتخابات ثانية مقررة في يومي 26-27 أيار (مايو) الرئاسية أيضاً. وهذا يجعل العدد سبعة استفتاءات أو انتخابات منذ سقوط مبارك.
لم ترق هذه المظاهر الديمقراطية غير الفعالة إلى ما هو أكثر قليلاً من إعادة خلط أوراق اللعب، حيث يحتفظ الجيش بكل الأوراق الكاسبة. وقد عمل أتباع مبارك على طول الخط مع بعض الوجوه الجديدة، وخاصة الإخوان المسلمين الذين كانوا راغبين في قبول الطرق القديمة طالما كانوا يستطيعون الحصول على جزء من العمل.
نتيجة لذلك، ووجهت معظم هذه الجهود الانتخابية ذات الشفافية الزائفة بتحدٍ أو مقاطعة من جانب أفضل الناشطين الشباب والعمال. وهذه الانتخابات الرئاسية الأحدث، حيث سيكون قائد الجيش السابق، المشير عبد الفتاح السيسي هو المنتصر المفترض، تجعل الجنرالات يقرون بفشلهم في العثور على حليف مدني قادر على الحكم بسلطة سياسية كافية ليدفع قدماً بإجراءات التقشف التي طالب فها المستثمرون والمصرفيون الأجانب وطبقة المالكون ككل، من دون التسبب في عاصفة من الاحتجاجات المتمردة التي كان شركاؤهم السابقون في الإخوان المسلمين قد أطلقوها.
وهكذا، لن تقدم الانتخابات الرئاسية أي غوث وشعور بالراحة للشعب المصري على الإطلاق. وبدلاً من ذلك، سيكون هناك المزيد من الشيء نفسه، حيث سيمارس الجيش سيطرة أشد حزماً على الحكومة من أجل توسيع حملته القمعية ضد كل المعارضين.
هذا هو السجل الموحش للعام الماضي منذ انقلاب 3 تموز (يوليو) الذي أطاح بحكومة الإخوان المسلمين برئاسة الرئيس محمد مرسي، الرئيس الذي كان قد انتخب وفق ما تم اعتباره بشكل عام أول انتخابات رئاسية حقيقية في مصر.
لقد أصبح الوضع الاجتماعي ببساطة خطيراً جداً، بحيث لا تخاطر النخبة الثرية بعد الآن بأي تجارب ديمقراطية أخرى. وقد تم استدعاء القوات العسكرية للتأكيد على المزيد من السيطرة المباشرة، مع إمكانية الاعتماد على السيسي ليلعب دوره بشجاعة. وقد أدلى أصلاً بتصريحات معدة جيداً، معلناً أن الديمقراطية لا تحظى بتلك الأهمية، وأنه ربما يمكن تحقيقها فقط في 35 عاماً. وقال إن الازدهار الاقتصادي هو الهدف، وأنه يتوافر، بالطبع، على الوصفة المناسبة.
يجب أن تريح هذه التصريحات الخيالية أحداً، لأن استراتيجية الجنرالات القائمة على القمع عملت في العام الأخير من الحكم العسكري على الإلقاء بالبلد في داخل براثن أزمة أعمق، وفشلت بالمطلق في حل أي مشاكل اجتماعية واقتصادية.
إصلاح أم قمع؟
ثمة عاملان يجعلان الوضع مستمراً في الغليان. الأول، هو الصراع الذي لم يتم حله مع جماعة الإخوان المسلمين المحظورة قانونياً. وكانت الجماعة قد أصبحت، بفضل تقصير الجهات المسؤولة، التنظيم المجتمعي الأكثر قوة في البلد في ظل الفراغ الذي نجم بعد الانهيار الكلي للنظام الهيكلي الضيق المكون من المقربين لمبارك وأفراد عائلته.
لأن له تاريخاً يعود وراء إلى أكثر من 80 عاماً، وقد انخرط في عضويته الملايين، فإنه لا يمكن إسكات هذا التنظيم الجماهيري بسهولة كبيرة، حتى مع القمع المكثف الموجه راهناً ضد قادته وأعضائه.
في الحقيقة، وكما يفهم المدافعون الملتزمون عن الليبرالية، فإنه يجب عدم اعتبار كبت الحقوق الديمقراطية للإخوان المسلمين غير الشعبوية هجوماً على الحقوق المدنية للجميع فقط، وإنما يجب أن تفهم أيضاً على أنها غير ضرورية البتة.
لقد أصبح التنظيم لا يتمتع بالشعبية على نطاق شاسع ومعزول سياسياً مسبقاً، بسبب سياساته الطائفية الخادمة للذات بشكل وحشي خلال فترة حكم مرسي الذي استمر عاماً واحداً. وقد تجلى هذا بوضوح في نزول الملايين إلى الشوارع خلال مظاهرات حركتي “تمرد” أو الحركات الثورية المعادية للحكومة في العام الماضي.
كان مصير هذا العمل الجماهيري الفعال من الاستياء والامتعاض السلميين الذي نفذته غالبية من المصريين “الاختطاف” (المصطلح الذي غالباً ما يستخدمه الناشطون المؤيدون للديمقراطية) من جانب العسكريين الذين بدءوا حملة من القمع الكبير في أعقاب انقلابهم الاستباقي المصمم لإجهاض تعبئة الملايين وهم على شفا القيام بتمرد.
مع مراكمة العسكريين ومنافذهم الإعلامية المحلية المسيطر عليها للمخاوف من العنف والإرهاب من جانب مؤيدي الإخوان المسلمين، ما يزال معظم المصريين يقبلون بالتكتيكات الوحشية التي يطبقها البوليس على أساس أنها شروط ضرورية لا بد منها. وفي الحقيقة، ثمة حجة تحظى بالمصداقية، بوجود عنف عشوائي يمارس ضد المدنيين من جانب مؤيدي مرسي، لكن من الواضح أن ذلك العنف لا يرقى إلى المستوى الذي ادعته الحكومة. وبالرغم من ذلك، يشعر معظم المصريين بأن تهديدات الإرهاب واقعية وكثيفة.
بشكل عام، وعلى النقيض من الرأي العام السائد في داخل مصر، فإن أقلية من الأصوات المعارضة تصر بقوة على ان القمع الذي يمارس ضد الإخوان المسلمين لا يعدو كونه ذريعة لشن حملة عنف ضد أولئك الشباب والعمال الذين ما يزالون ملتزمين بالوفاء بأهداف الثورة الداعية إلى توفير “الخبز والحرية والعدالة الاجتماعية.”
يبدو هذا صحيحاً. فقد وثقت منظمات حقوق إنسانية عالمية بارزة هجمات شنت على عمال مضربين وناشطي ومنظمات الديمقراطية، ودانت العديد من حوادث التعذيب والوفيات في السجن، والاستخدام غير المسبوق لعقوبة الحكم بالإعدام في حق مئات من الحالات، وحتى اعتقال وتوقيف الأطفال. ويتجاوز هذا السجل الرديء الإخوان المسلمين بكثير. والإحصائيات كفيلة بأن تقول الحكاية.
إلى ذلك، تشير إحدى منظمات حقوق الإنسان الأكثر شهرة في مصر إلى أن “عدد المعتقلين المعادين للانقلاب منذ الإطاحة بالرئيس مرسي يبلغ حوالي 21.000 شخص، مشددة على ان “الاعتقالات تجري تقريباً على أساس يومي”. وتغطي هذه الأعداد فترة تقل عن عام واحد من الحكم العسكري، لكنها تناهز ما يقارب 30.000 معتقل سياسي الذين سجنوا خلال كل حقبة حكم مبارك نفسه، والتي امتدت 29 عاماً بأكملها.
إنه الاقتصاد
العامل الثاني والأكثر أهمية، والذي يفسر عدم استقرار البلد، يتصل على نحو مباشر بالحملة المنسقة لتنفيذ القمع.
وقال لي قائد الاحتجاجات المنفي، أحمد صلاح، في مقابلة معه: “لقد تم الدفع بالإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية والديمقراطية جانباً في الأعوام الثلاثة الأخيرة، ولم يتحقق أي من أهداف الثورة”.
ولم يكن وحيداً في الإشارة إلى المشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي لم تُحل. وسواء كانت في حقبة حكومة المجلس الأعلى للقوات المسلحة التي أعقبت سقوط الرئيس مبارك مباشرة أو خلال رئاسة الإخوان المسلمين في شخص محمد مرسي أو اليوم، “فثمة حرب على حقوق العمال. وقد أصبحت الحالة العامة للعمال راهناً أسوأ مما كانت عليه قبل الثورة،” وفقاً لمحامي النقابة المستقلة المخضرم، كمال عباس، المنسق العام لمركز نقابة وخدمات العمال المرموق.
وهناك الكثير من الأدلة على أن صوتي صلاح وعباس تتردد أصداؤها في عموم البلد. وذكرت صحيفة “كايرو بوست” في عدد الأول من أيار (مايو) أن الحركة العمالية شهدت تصعيداً غير مسبوق في الاحتجاجات والإضرابات في عموم القطاعات الاقتصادية المختلفة خلال الربع الأول من العام 2013، حيث نفذ العمال في كانون الثاني 2014 نحو “55 احتجاجاً في 21 محافظة مختلفة. كما شهد شهر شباط (فبراير) 1044 احتجاجاً غير مسبوقة في 27 محافظة، و321 إضراباً نظمت في آذار (مارس) في 23 محافظة”.
في الغضون، يظل الوضع الاقتصادي يائساً بالنسبة لمعظم المصريين، وربما يكون أضعف صلة تقيد استراتيجية العسكريين لإضفاء الاستقرار على البلد من خلال الاضطهاد الجماعي.
مثلاً، رفعت زيادة تافهة في الحد الأدنى من الأجور جرى إقرارها مؤخراً الرواتب الشهرية إلى 172 دولاراً من 102 دولار. لكنها تسري فقط على بعض مهندسي الحكومة، ولا تسري على أي من العاملين في القطاع الخاص أبداً. وقد أغضبت هذه الإيماءة غير المناسبة الملايين من المواطنين، وأصبحت في الحقيقة بؤرة لبعض التظاهرات.
بينما يجعل القمع من الصعوبة بمكان إقامة الاحتجاجات في الفضاءات العامة، فإنه يتبين من عدد احتجاجات العمال أن من الصعب على الشرطة رصد ومسح آلاف مواقع العمل، حيث يغلي الغضب المنتشر. ومع ذلك، فإن ضعف نشاطات أماكن العمل المفردة يعود إما إلى أنها ليست منسقة مع مواقع عمل أخرى، أو أنها غير متصلة بالمطالب المجتمعية والديمقراطية لباقي الشعب. وإذا لم تلق هذه التحديات أمام توسيع الاحتجاجات الدعم، فسيجازف العمال بإرهاق أنفسهم ويتم عزلهم سياسياً ويصبحون نتيجة أكثر عرضة لمزيد من عنف الشرطة.
في الأثناء، من الممكن أن يؤتي توحيد الكفاحات الاقتصادية مع النضال الكلي من أجل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية أكله. فبعد كل شيء، نظم العمال أضخم إضراب عام في التاريخ المصري رداً على هجمات الشرطة على المحتجين خلال النضال ضد مبارك.
في مقابلات عديدة كنت قد أجريتها في الساعات التي أعقبت سقوط مبارك عندما وصلت إلى القاهرة أول الأمر، كان ناشطو الديمقراطية الشباب يروون بوجوه ضاحكة كيف أنه بعدما بدأت ثورة 25 كانون الثاني (يناير) “انتظر العمال أياماً قليلة حتى نهاية الشهر عندما قبضوا مرتباتهم ليزحفوا إلى التحرير” ويغلقوا أماكن العمل في عموم البلد.
وقد كرر نفس هذه النادرة لي أكثر من مرة ناشطون شباب مبتهجون فخورون في أعقاب الانتصار. وتم الاعتراف صراحة بأن مشاركة العمال وناشطي الديمقراطية كانت نقطة انعطاف في الثورة من أجل “الخبز والحرية والعدالة الاجتماعية”.
يتذكر الشباب المصري نقطة الانعطاف هذه جيداً. وقد حان الوقت الآن ليتذكرها قادة العمال أيضاً.

الغد الأردنية

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً