لماذا يحن الروس إلى الاتحاد السوفياتي؟

shello
shello 2014/04/05
Updated 2014/04/05 at 9:18 صباحًا

anti-cermia

‹›

إذا قرأتم الأخبار الروسية وتتبعتم النقاش الدائر على الإنترنت، ستعتقدون أن روسيا على وشك الدخول في حرب أهلية إذا لم تكونوا تعرفون أفضل. ومثلما هو الحال في الحروب الأهلية الأخرى، يرتسم خط المواجهة بين الزملاء والأصدقاء، وحتى بين أفراد العائلة. ويتكون الانقسام هو حول ضم القرم والمواقف من أوكرانيا.
كتبت عالمة النفس المرموقة لودميلا بترانوفاسكايا على مدونتها أن “أصدقاء قدامى يقطعون علاقاتهم بعضهم ببعض، والأولاد يتوقفون عن التحدث مع آبائهم، حتى أنني سمعت عن حالات طلاق. إنه جنون”.
بالنسبة للعديد من الروس، وخاصة أولئك الذين ولدوا بعد الانهيار السوفياتي، فإن الاتحاد السوفياتي لا يعدو كونه مجرد عصر ذهبي أسطوري توافر على قوة كبرى استطاعت توفير الاستقرار لعدة أجيال.
كان الرئيس فلاديمير بوتين قد أطلق العنان للنبرة العدائية في النقاش في خطابه حول أوكرانيا قبل نحو أسبوعين، عندما وصف السلطات الأوكرانية الجديدة بأنهم “نازيون جدد أو يعانون من رهاب الخوف من الروس”. وبالإضافة إلى ذلك، وصف الروس المعارضين للضم بأنهم “خونة قوميون” وهو مصطلح كان هتلر قد استخدمه ضد أولئك الذين لم يتفقوا معه. ووجدت عباراته أصداء على الفور في وسائل الإعلام الجمعي الرسمية ولدى المدونات المؤيدة للكرملين.
وفي برلمان الدولة “الدوما”، اتهمت مجموعة من المشرعين إيليا بونوماريوف، النائب الوحيد الذي صوت ضد ضم القرم، بـ “الخيانة” وطالبت بتجريده من عضويته. وقد تجاوز خط الانقسام في القرم الانقسامات الحزبية الاعتيادية. وكما هو واضح، ثمة حزبان في روسيا: حزب الحرب وحزب السلام. وقد صدمت النائبة في البلدية التي تتمتع بالشعبية والتي كانت ذات مرة ليبرالية، ييلينا تكاش، العديد من مؤيديها عندما طالبت بتعديل الدستور لإتاحة المجال أمام سن قانون جديد يجيز معاقبة “الخونة القوميين” بتجريدهم من مواطنيتهم. وفي الأثناء، وقف قارع جرس الإنذار، أليكسي نافالني، الذي يعتبره العديد وطنياً، بشكل قاطع ضد ضم القرم، وأيد العقوبات الغربية ضد الدائرة الداخلية لبوتين.
من جهتهم، انتقد قادة اليسار بحدة “النظام الأوليغاركي” في اليوم الأول، ثم ما لبثوا أن دعموه في اليوم التالي. وحتى سيرجي أودالتوف، زعيم الجبهة اليسارية الذي يمثل أمام المحكمة لاتهامات ضده بأنه كان قد نظم أعمال شغب في العام 2012، كتب مناشدة للأوكرانيين الذين يدعمون خطة الكرملين لتقرير المصير في شرقي أوكرانيا. وكتب على الموقع الألكتروني لحركته: “لقد ولدت في الاتحاد السوفياتي، وسيظل دائما موطني الأم. وسيظل أولئك الذين دمروه ومؤيدوهم اليوم سيكون دائماً خصومي السياسيين. إن بعث الاتحاد السوفياتي بأشكال جديدة هو أمر ضروري وحاسم وملح”.
في الأثناء، أعربت الصحفية يوليانا سكويبييدا من صحيفة كومسوملسكايا برافدا عن ارتياحها لضم القرم. وكان سعي يوليانا إلى الشهرة هو فضيحة الحام الماضي عندما قالت إنها تأسف لأن ناشطي المعارضة اليهودية اليوم لم يقتلوا على أيدي النازيين. وكتبت قائلة: “عندما استمعت إلى خطاب بوتين حول القرم، ضممت ابني إلى صدري وقلت له: أنظر يا بني. سوف تتذكر هذا بقية حياتك”. وأضافت: “أن تدخل في صراع مع العالم بأسره للدفاع عن حقوقك ومصالحك -فذلك هو اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية. وأن تكون راغباً بالعيش في الفقر -فذلك أيضاً هو الاتحاد السوفياتي. وإذن، ماذا لو طردت روسيا من مجموعة الثماني؟ لقد عاش الاتحاد السوفياتي في عزلة دائماً. لقد عاد وطني”.
هناك شريحة كبيرة من المواطنين الروس تشارك سكوبيديا وجهة نظرها. ويرى كل شخص تقريباً يؤيد استخدام القوة ضد أوكرانيا في ذلك طريقاً لإحياء الاتحاد السوفياتي. وقد تفسر ذلك حقيقة أن غالبية هؤلاء الناس لم يعيشوا في ظل اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية أبداً. وهو بالنسبة إليهم مجرد عصر ذهبي أسطوري لقوة عظمى كان يمكن أن توفر الاستقرار لعدة أجيال روسية قادمة.
من جهتها، ردت المنسقة السوفياتية، فاليريا نودوفورسكايا، على هؤلاء على موقع تم حظره الآن بناء على تعليمات الحكومة، لكنه ما يزال متاحاً لمستخدمي الانترنت الذين يستطيعون الوصول للموقع من خلال استخدام إجراءات التفافية. وقالت: “لقد اختار داعمو بوتين الاتحاد السوفياتي. وهكذا، دعونا نعود إلى العام 1990 عندما كنتم تستطيعون شراء الهراء في موسكو والحصول على الزبدة فقط ببطاقة الحصص- 200 غم لكل شهر- إلى زمن لم تكن فيه محلات ملابس ولا أجهزة هواتف “أيفون” ولا دور قهوة أنيقة ولا سيارات أجنبية”.
من الطبيعي أن تتذكرنوفودورسكايا مظالم الحقبة السوفياتية: فقد سجنت عدة مرات بسبب نشاطاتها المعارِضة. لكن هذه المظالم بالنسبة للعديدين ليست إلا جزءاً من الهالة السوفياتية. ويخطط النواب في دوما موسكو لإرسال مسودة مشروع قرار إلى دوما الدولة، والذي من شأنه أن يعاقب مؤلفي المدونات المنتقدة لضم القرم بسبب “تطرفهم”. ومع وجود مشروع قانون في برلمان الدولة يدعو إلى إنشاء سجون سياسية للإرهابيين و”المتطرفين”، فمن المؤكد أن هذا القانون سيجلب روسيا قريباً وعلى نحو خطير قريباً “إمبراطورية الشر”.
بالرغم من كل هذا، فإن المواقف تجاه أوكرانيا ليست بهذه البساطة. ومع أن 86 في المائة من المستجيبين لاستطلاع أجراه مركز ليفادا رحبوا “بإعادة انضمام القرم الطوعي إلى روسيا –وفق التعبير الملطف المفضل لدى الكرملين كناية عن الضم- فإن 24 في المائة وحسب دعموا وجود قوات روسية في مناطق أخرى من أوكرانيا”. وبالإضافة إلى ذلك، قالت نسبة قوامها 83 في المائة أنها تشعر بالقلق من احتمال نشوب صراع عسكري مع أوكرانيا.
ربما يكون ذلك القلق العقلاني وراء الإبقاء على الدبابات الروسية خارج دونيتسك ولوغانسك وخاركيف. وبالرغم من جهود الدعاية الرسمية لإشعال الكراهية في الصدور ضد الأوكرانيين، فقد عاش الروس معهم وقتاً طويلاً جداً، وثمة علاقات مصاهرة وثيقة جداً بحيث تجعل من الصعب اعتبار أي جانب للآخر عدواً.
كتب أحد مؤيدي معسكر السلام، نجم الروك المخضرم اندريه ماكاريفيتش على صفحته في الفيسبوك: “عندما تنتهي الأعراض المرضية النفسية، سوف نتذكر كلنا أن أوكرانيا هي جارتنا وأقرب أقاربنا، وأننا كنا أصدقاء بالأمس فقط. وسوف نعرف من الذي دفعنا إلى الاقتتال. إنه لم يكن أوكرانيا ولم تكن روسيا. ولك أن تخمن من؟”
اليوم، ثمة قلة من الروس يفكرون في ذلك السؤال. لكنها عندما تنتهي فترة العمى، فسيكون الجواب واضحاً أمام الجميع.

فيكتور دافيدوف* — (موسكو تايمز)

*كاتب مقيم في موسكو، وصحفي يتابع فضاء المدونات الروسي في عموده الذي ينشره مرتين أسبوعياً.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Why Russians Long for the Soviet Union

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً