مذكرات الغرفة «8» أمل دنقل في شهادة جديدة على عهدة صديق قديم

shello
shello 2018/03/25
Updated 2018/03/25 at 9:18 صباحًا


القدس العربي -كمال القاضي /من وحي أيام المرض التي قضاها الشاعر الراحل أمل دنقل في الغرفة رقم 8 في مستشفى قصر العيني في القاهرة في عام 1983، جاءت مذكرات صديقة فهمي عبد السلام بعد 34 عاماً من الرحيل، لتجدد الأحزان وتثير الشجون حول مسيرة شاعر الرفض ومحنة مرضه العضال، الذي سكن جسده وأنهى حياته وهو في أوج مجده وعطائه وصلابته.. تأتي المذكرات التي تقع في 318 صفحة من القطع الكبير، مجافية لكل ما كتب عن أمل شعراً ونثراً، فلم يلتزم عبد السلام بأي من المناهج الأكاديمية في تقديم صديقه الشاعر وتقييم شعره، لكنه غاير السائد والمألوف وطرق أبواباً مختلفة، وأفرد مساحات واسعة جابها طولاً وعرضاً ملقياً الضوء على الجوانب الإنسانية والاجتماعية والثقافية في حياة المثقف، الذي أضناه المرض وأعيته المجابهة.
بدأ الكاتب مذكراته مع الشاعر من لحظة لقائهما الأول في مقهى سوق الحميدية في وسط العاصمة في أوائل السبعينيات، حيث يجتمع المثقفون من كل ألوان الطيف السياسي والثقافي، يتناقشون ويتحاورون ويختلفون ويتفقون في مناخ مشبع بالفكر والوعي وحراك ثقافي حقيقي، كان سبباً رئيساً في تألق مواهب كثيرة في مجالات مختلفة، جاء على رأسها أمل دنقل، ذلك الشاعر الجنوبي المتمرد، وقد اجتهد فهمي عبد السلام الطبيب القاص في تقديم الصورة الدرامية الذهنية لصديقة ململماً خيوط الذكرى مجتراً تفاصيلها، كي يصف ملامح الشاعر وهيئته وهيبته وتأثيره في اللقاء التاريخي الأول، الذي جمع بينهما على غير موعد أو سابق معرفة، وهي المصادفة التي لا يزال كاتب المذكرات ممتناً لها. ويستمر المشوار الذي بدأ من مقهى سوق الحميدية ولم ينته، بل توطدت العلاقة بين الشاعر والمريد فعاش الأخير يوميات أمل دنقل يوماً بيوم، وسجل جل ما مرّ به من انتصارات وانكسارات وانعطافات، وعرف من خلاله كبار الكتاب والشعراء وشهد كثيراً من معاركة الشعرية وعاصر ميلاد دواوينه وقصائده، فأورد منها بعضاً مما نحفظه وما نجهله، فهناك القصائد الشهيرة مثل، الكعكة الحجرية ـ لا تصالح ـ البكاء بين يدي زرقاء اليمامة ـ كلمات سبارتكوس الأخيرة، وهناك الأقل شهرة وذيوعاً كموت مغنية مغمورة ـ بكائية الليل والظهيرة ـ حديث خاص مع أبي موسى الأشعري ـ من مذكرات المتنبي ـ في انتظار السيف ـ الحداد يليق بقطر الندى، وكلها تنبئ بموهبة الشاعر الفذة وتجاوزه لكل أطر التعبير التقليدية في الرصد والوخز والتوثيق الشعري للتاريخ والأحداث، وهو ما يشير إليه الكتاب بوضوح ويتخذه الكاتب دليلاً دامغاً على الفروسية والنبل والشجاعة المفرطة في مواجهة آلة القمع التي كانت واستهدفت شخصه وقصائده، ولم يأبه بها ومضى يحمل أوجاعه ورسالته الثقافية والسياسية والإنسانية غير عابئ ولا مكترث، فهو الشاعر والمناضل بنصل القلم.
يقتحم فهمي عبد السلام بدون حرج أغوار الحياة الشخصية لصديقة التاريخي، فيسجل آيات العزة والكرامة في سلوكه، ويؤكد تعففه عن الدنايا والمخازي بكبرياء جعله بمنأى عن كل الشبهات، فهو الفقير القنوع الذي يعيش على حد الكفاف، والحاد كالسيف من غير مواربة والراسخ على أرضية الشعر، والساطع كشهاب يضوي في عتمة واقعة المؤلم وعوزه الشديد، يكتب صاحب المذكرات عن محنة المرض واصفاً المريض بالجـــبل الذي يواجه الرياح، ولا يهتز، فقد رفض أمل كل المنح التي قدمت له للعلاج، وأصر على أن يأتي القرار من بلاده فهي الأولى به من غيره، وقدّم خالص شكره وتقديره للمتطوعين بعلاجه، فكتب يوسف إدريس مقاله الشهير في «الأهرام» مناشداً رئيس الوزراء آنذاك فؤاد محيي الدين أن ينقذ الشاعر الأبي، فاستجاب الرجل وخضع أمل للعلاج الكيميائي القاسي، وظل مقاوماً، ولم يتخل عن موهبته ولم تتخل عنه الموهبة، حتى أنه كتب أجمل قصائده الأخيرة في الزهور المغدورة التي جاءوا بها إليه، مواسين في بوكيهات أنيقــــــة تشــــع شـــــذى، فرثاها برهافته المعهودة، وكتب فيها قصيدة تدين من قطفها وحرمها نعمة الحياة فوق أغصانها الخضراء اللينة، ولكنه لم يلبث أن لحق بها في العــــالم الأبدي مسدلاً الستار على المحنة والمســـــيرة ولم يبق غير الشعر والقصائد المقاتلة عناوين تليق به.
٭ كاتب وناقد مصري

Share this Article